من آثار أوسلو... تذكار المصافحة!!

09/25/2023 - 00:52 AM

Prestige Jewelry

 

 

 

بقلم: مارون سامي عزّام

 

اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينيّة في عام 1993، كممثل وحيد للشعب الفلسطيني، لم يأتِ بطيب خاطر إسرائيلي وبالأخص من رئيس الوزراء رابين، إلّا بل بعد جهود إقناع جبّارة مارسها عليه شمعون بيرس، مما جعلته يوافق على محادثات أوسلو السرية، التي سبقت إبرام الاتفاقيّة. مصافحة رابين لعرفات بدفع من الرّئيس كلينتون، كانت استعلائيّة وممتعضة أُجْبِرَ عليها، حتّى ابتسامته كانت صفّراويّة، شاهدها العالم بأسره، بينما عرفات كانت مصافحته عسكريّة شديدة، احترامًا للراعي الأمريكي.

اغتيال رابين في عام 1995، كان بداية انهيار الاتفاقيّات التي اعتُبِرَت بداية مُشجّعة لعهد سلميٍّ جديد في الشرق الأوسط، من أجل فتح صفحة من المصالحة بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، لكنّها سرعان ما تلطّخت بدماء الضحايا من كِلَا الطرفَين في أعقاب مواصلة جرائم الاحتلال والاستيطان والعمليات التفجيريّة التي ضربَت العمق الإسرائيلي عام 1996.

بيرس كان "فخورًا" جدًّا بالاتفاق الذي بلوره لمصلحة إسرائيل فقط، ولم يُزِل أي مستوطنة، فانعدام الثقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينيّة لم تكن سببًا وحيدًا لانهيار الاتفاقيات، إنّما بنود الاتفاقية غير المتكافئة، خلَت من أي حقٍّ سيادي للفلسطينيين، منتزعة حقهم الشّرعي بإقامة دولتهم المستقلّة. بعد تطبيق شِبه الاتفاق، غدت مناطق السلطة الفلسطينيّة "المحرّرة" جُزُرًا منفصلة عن بعضها البعض، بدون أدنى تواصل جغرافي، موجودة على أرض ما زالت محتلّة، إنّما "تتمتّع" بحُكم مدني ومراكز شرطية للحفاظ على الأمن الداخلي الفلسطيني للسّكان، أمّا الشئون الأمنيّة اليوميّة، الحدود الجويّة، البريّة والمعابر، بقيت تحت سُلطة الجيش الإسرائيلي وتعقُّب أنظار أجهزة الاستخبارات، على شكل انتداب إسرائيلي جديد...

الاتفاقيّات التي وقّعتها حكومات إسرائيل مع السلطة الفلسطينيّة، لم تأتِ على ذِكر القدس، لم تتفق على ترسيم الحدود النهائيّة، إنّما تُرِكَت هذه الأمور للمرحلة النّهائيّة التي كانت ستنتهي في عام 1998!! ومرّ 25 عامًا ولم ينتهِ شيء، لأن معظم الحكومات رفضت مبدأ التفاوض من أساسه، بحجة "عدم وجود شريك"، بقيت هذه العبارة التي أطلقها براك، عالقة على لسان نتنياهو، وآخر ذريعة اخترعها، أن الفلسطينيين لا يريدون التفاوض، وأنهم فزّاعة السّلام التي يفزع منها العالم، فتوسّعت المستوطنات، لشطب أي رسم لحدود الدولة الفلسطينيّة.

يزعم بعض الإسرائيليين أن فشل اتفاقيات أوسلو كان بسبب استبعاد الجيش الإسرائيلي عن التدخُّل في تفاصيل الاتفاق، لأن رابين اعتبره اتفاقًا سياسيًّا صرفًا، لا يستدعي تدخُّلًا أمنيًّا أو عسكريًّا، مع أن أي خطوة تريد أن تقوم بها الحكومة اليوم، تستشير في البداية المستوى العسكري والمستويات الأمنيّة لتنال موافقتهم... أصبح اتفاق أوسلو جندي السّلام المجهول، بدون هويّة... بدون حضانة أمريكيّة... بدون حماية أوروبيّة، محرومًا من أي رعاية تفاوضيّة، كانت ستمنحه حقّ العيش في استقرار وأمان، والشعب الفلسطيني بات خارج دائرة اهتمام العالم، يتعرّض يوميًّا للسلب والبطش.

اليوم يعيش غالبيّة الفلسطينيين تحت تجديد رخصة الاحتلال التي قدَّمها المجتمع الدّولي لإسرائيل بالتواطؤ معها بعد انكسار إطار أوسلو، لكنه لا يسائلها... لا يقترح عليها حلولًا، وهذا المحتل "الخلوق" ما زال يضيِّق على الفلسطينيين حريّة التنقل... يسلبهم تأشيرات العمل في إسرائيل، قوات الجيش تداهم منازلهم ليلًا وقتما شاءوا. أثبَتَت حكومة المختلّين اليمينيين التي يرأسها نتنياهو فوقيّة الشعب اليهوديّ، وأعلنت وفاة اتفاق أوسلو، جاعلةً العالم يعترف بمنطق السّلام مقابل السّلام الاقتصادي الذي حقّقه نتنياهو بنجاح، بدعم أمريكي من خلال اتفاقيات إبراهيم.

إسرائيل لم تُبدِ حسن نيّتها تجاه السلطة التي حاولت كثيرًا التَّمسُّك بالاتفاقيات الموقّعة... إنّما جرفتها الجهات الإسرائيليّة بتيارات أكاذيبها!! لم يبقَ شيء يُذْكَر من العمليّة السلميّة، سوى همجيّة المتطرفين من الطّرفين المسؤولَين عن انهيار اتفاقيّة أوسلو. صورة المصافحة التاريخيّة بين رابين وعرفات ما زالت معلّقة إلى هذا اليوم على جدران التاريخٍ السياسيّ المليء بثقوب الشكوك، التُّهم المتبادلة وسوء التقدير.          

         

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment