الشيخ فهد داود الصباح
عند النظر الى الآليات التي نشأت منها الكويت، اولا ككيان، ثم دولة، نجد ان اهم العوامل في العلاقة بين الافراد الذين يشكلون المجتمع، هي الشهامة والأمانة، وبعدها الشجاعة، ويضاف اليها التوافق.
لهذا حين ننظر الى المجتمع الكويتي اليوم نجد بعض الاختلالات غير المنسجمة مع طبيعته، لانها خارجة عن اطار العقد الاجتماعي الذي بنيت على العناصر الاربعة المشار اليها اعلاه، والتي حددها بشكل او اخر الفيلسوف الانكليزي برتراند راسل كاطار للدولة.
هذه الحقيقة موجودة في الكويت منذ نحو 400 عام، او اكثر، وتمثلت في التوافق بين الافراد اولا على التعاضد في الملمات، وثانيا التشارك المهمات، وثالثا في الحماية الجماعية، التي تمثلت في بذل الكثير من الدماء في سبيل المحافظة على الذات من خلال المجتمع، ورابعا عبر الامانة، لان عنوان اي مجتمع لحماية نفسه الامانة، مع المجموع، ومع الاخر في الوقت نفسه.
لهذا، مثلا، كانت في اسواق الكويت هناك عادة، وهي ان يضع التاجر او صاحب الدكان عصا او كرسيا على باب دكانه، ويمضي الى شؤونه او قيلولته او غير ذلك، ولم يكن احد يجرؤ على الدخول الى الدكان اذا كانت الكرسي، او العصا مسنودة على بابه.
في المقابل كان التوافق مصدرا من مصادر بذور الشورى بشكلها السياسي الادول، قبل انتخابات مجلس الشورى في عام 1921، الذي معه بدأت تتبلور الرؤية السياسية للدولة، التي تطورت بعد اربعين عاما(عام 1961) الى مجلس الامة بشكله الحالي.
لماذا بدأنا بهذه المقدمة؟
من اهم عناصر اي دولة حضارية الاسس التي قام عليها المجتمع السياسي، اذ لا يمكن بناء دولة الا برؤية اجتماعية اولا، تنشأ منها رؤية سياسية، التي على اساسها يمكن البناء المعرفي لنهضتها، والكويت اليوم بحاجة الى اعادة نظر في سيرتها التاريخية، والكشف عن كنوزها التي من خلالها يمكن السير الى الامام، لا سيما بعد ان تراجعت الاخلاق السياسية التي بني عليها المجتمع الكويتي، وتقدمت الانتهازية بابشع صورها، وهو ما غير العلاقات الاجتماعية، والسياسية، وكذلك الاقتصادية، وشاع الفاسد، ما ادى الى تراجع دور الكويت، اقليميا، وعالميا.
في القرن السابع عشر كتب توماس هوبز، الفيلسوف الانكليزي، ان "الدولة ككيان سياسي منظَّم؛ هي نتاجُ توافقٍ بين مجموعة من الأفراد" لا بد من توافق الافراد فيه كي يستمر ويترسخ، كما انه كتب ان اي كيان "ينبني على أشكال الصراع، وحربِ الكل ضدَّ الكل"، فانه لا بد سيصل مهما صمد الى التفسخ والانحلال، لان سببُ نشوء الدولة وفق هوبز "هو تحقيقُ الحماية والرضا للأفراد، فوظيفتها هي الأمن والاستقرار وتنظيم المجتمع".
ان هذا الهدف الاساسي تحقق الى حين، لكن عندما دخل الفساد تغيرت وظيفة المؤسسات من الحماية القائمة على الامانة والتعاضد الاجتماعي الى شكل اخر لا يمت للكويت بشيء، لهذا فان العنصر الاساسي في تكوين حضارية المجتمع اصيب بنوع من العطب، لكن لا شك ان هناك خميرة اصيلة يمكن البناء عليها لاعادة الكويت لدورها في سبيل مساهمتها في الحضارة من جديد.
كيف يتم ذلك؟
ان التعليم بمفهومه كأداة لتشكيل مواطنة صالحة هو الاساس، اي لا بد له ان يعبر عن هوية وطنية، لا يمكن تحقيقها الا بالعودة الى الاسس التي بني عليها المجتمع، وهي عناصر القوة التي وجدت الكويت، وحافظت عليها.
فاذا كنا في مناسبة سابقة تحدثنا عن قوة الموقع الجغرافي للكويت في صنع الحضارة، فان استمرار هذه القوة لا بد ان تتشكل من عناصر ايجابية، اولا التوافق، مع بقاء الاختلاف في وجهات النظر الديمقراطية التي الى اليوم، رغم الازمات التي مرت وتمر فيها البلاد، لا تزال عامل قوة، وثانيا العودة الى الامانة في ممارسة الوظيفة لانها خدمة وطنية، وليست خدمة للذات، اذا مهما كان الفرد قويا يبقى المجتمع اقوى منه، وثالثا التعاضد لانه المصدر الاساسي للامانة، والشرف الاجتماعي، وهو ايضا احد العوامل المهمة في منع انتشار الفساد.
هذه الحقيقة لا يمكن اغفالها عند الحديث عن قوة الكويت السياسية في صناع حضارتها، او بالاحرى في صنع قوة وجودها.










09/09/2023 - 10:38 AM





Comments