متّهـمٌ أنا بالجنون!‎‎

01/14/2023 - 11:41 AM

Prestige Jewelry

 

 

سيمون حبيب صفير

 

مَن عساه يصدّق أنّ لبنان الّذي استقبل مُكرهاً وودّع مغتبطاً أعتى الغُزاة وأشرس الفاتحين وأبشع المحتلّين، لبنان الّذي قدّم إلى البشريّة أعظم هديّة فكريّة أعني بها الحرف الأبجديّ الّذي اخترعه فدموس المبدع من مدينة جبيل العظيمة، بيبلوس الفكر الحضاريّ، التي اشتقّت منها كلمة BIBLE الّتي ترادف عبارة الكتاب المقدّس، وأيضاً كلمة Bibliothèque وغيرها من عائلة BIBLE؟... من عساه يصدّق أن هذا اللّبنان الّذي أعطى العباقرة وكبار رجال ونساء الفكر والمعرفة من أهل الكلمة والفن والسّياسة والعلم والقانون والقداسة، من عساه يصدّق أنّه يُبلى برهطٍ مِمَّن يدّعون احتراف السّياسة، يكبّدونه الويلات بعد الويلات والبلايا بعد البلايا، يُنـزلون بشعبه أفدح الخسـائر المادّيّة والأضرار المعنويّة، يكذبون، ينافقون، يتملّقون، يتآمرون، يساومون، يناورون، يفذلكون، يقسّمون، يتحاصصون، يهمّشون، يهشّمون، يتدافشون، يبشـعّون، يخرّبون، يدمّرون، يدنّسون، يجنّسون، ينجّسون، يَرشون، يرتشون، يسمسرون، وماذا، من أفعال الشّر، لا يفعلون ؟! متّهم أنا بالجنون، ولا يضيُمني أو يخدش شعوري هكذا اتّهام ينصفني كوني من رعيل الوطنيّين الّذين يعتنقون الحرّية ديناً يتسـاوى مع الدّيانة بالله وبشـريعته المقدّسة!
 
متّهم أنا بالجنون، أَوَلَم يكن بولس الرّسول هائماً بمحبة يسوع، وهو الذي أسّس لعقيدته وبشّر بها كتابةً وقولاً وفعلاً ونشرها وحوكم في رومـا وقُتل من أجلها أي في سبيل الدّفاع والتشبث بيسوع المسيح وبالدين المسـيحيّ؟ 
 
أليس من مدعاة الإفتخار أن يُنسَب إلى بولـس الرّسول تعلّقه بالمسيح إلى حدّ الجنون؟ هل أعظم من ذلك؟
 
متّهم أنا بالجنون، ومن أقرب المقرّبين لي، ومن بعض الزّملاء الصّحفيين، فكلمتي تدلّ عليّ، أوَلم تكن الكلمة منذ البَدْء؟ فأيّ سيف أمضى منها؟ أيّ سلاح تقليديّ أو تكنولوجيّ أفعل منها؟ 
 
وَلْأعُد إلى كلمة المبشرّين الصّلاح الأوائل، أَلَم تنتصر كلماتهم التبشيريّة على قيود وسجون وسيوف وصلبان أباطرة روما وغيرهم الّذين ذهبوا إلى غير رجعة لتبقى كلمة الحقّ المسـيحانيّة أبداً؟ 
 
متّهم أنا بالجنون، لأني أسير عكس السّير، عكس التيّار، فالسّير الّذي يجرف مُرْتَزِقَة السّياسة وأعوانهم من المستلزمين والمسـترزقين والمنتفعين، يتوجّه بهم نحو الهاويـة، السّـير ملؤه السّـيل، سيل المكبّليـن بأهوائهـم وأطماعهـم وأحقادهـم ورذائلهـم ونقائصهـم، وآثامهـم، سـيلٌ يهرول إلى تحـت، تحـت، تحـت، إلى زوال!
 
أمّا أنا، المجنون بحبّي للبنان - الرّسالة المعزّز بحبّي لله ويسوع وأمّه أمّنا وقديسينا الأبطال، أنا الّذي حتّى السّاعة، وبالرّغم من كلّ العقبات والمصاعب والمحن، التزمتُ الصّبر مع الصّابرين، والنضال مع المناضلين والصّمود مع الصّامدين والمقاومة مع المقاومين، أبرحُ مكاني، بالرغم من كلّ عروض العمل خارج لبنان والّتي يرضى بها أيّ حامل شهادة هرباً من سـوء الأحوال الإقتصاديّة والمعيشيّة عندنا... أبقى حيث المجنون سعيد عقل يبقى، والمجنون موريس عواد يبقى وزميلهما ريمون جبارة يبقى، أبقى حيث تبقى المجنونة فيروز والمجنون وديع الصافي وغيرهم، عن خطأ أو عن صواب أبقى على تراب علّم العالم أمثولة التشبّث بالأرض والقضيّة والبقاء على مساحة تضيق بطموحات أهلها وخصوصاً شبابها وأنا واحد من هؤلاء.
 
لبنان عقـارٌ سـماوي نحن ورثـتـه الشّـرعيّين، فهل من المنطق بمكان التفـريط بهذا الإرث الإلهيّ نحن الذين واجهنا ما واجهناه منذ مئات السّنين وحتّى اليوم، كأن يسـهل لدى الأغراب اقتناص فرصة الإنقضاض على أرضنا لاقتلاعنا وتشتيتنا والاسـتيلاء على مقدّراتنا...
لا، لن ندع الغربـاء الطّامعين بلبـنان - الكنز، مهما اشـتدّ سـاعدهم واستأسـدوا علينا، أن يغتالـوا فينا الإيمان بلبـنان وتجذّرنا بترابـه وحضارتـه، وأن يدمّروا رجاءنا وطموحاتنا، كيـف يتـمّ ذلك وشـربل مخلـوف ورفقـا الريّـس ونعمة الله كسّـاب الحردينـي وأبونا يعقوب حداد الكبوشي والأخ إسطفان نعمه، وكلّ زملائهم القدّيسـين يحرسـون لبـنان يدافعون عنه ليبقـى وطنهم - وطننا أبد الدّهـور، منارة أقداس؟! 
 
 
 
 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment