دعاء عبد الكريم *
لولا التَّرْجَمَةً لبقيت مقيدتاً في حدود بلدي. فالمترجم هو حليفي الأهم، لأنه يقدمني إلى العالم. ويصنع الكتّاب أدباً قومياً، بينما يصنع المترجمون أدباً عالمياً. والقارئ المثالي مترجمٌ، إذ يمكنه أن يفتت النص إلى قطع، ويزيل جلده، ويتعمق فيه حتى النخاع، ويتبع مسار كل شريان وعرق، ومن ثم يشكل كائنا حياً جديداً.
الترجمة هي الوجه الآخر للنسيج. وتجمّع فيه كل لِسْنٍ وأمةٍ فما تُفهمُ الحـدّاثَ إلا التراجمُ، كلها نصوص قد خُطت لتقديس الترجمة لكونها مهنة وحرفة في آن واحد، فمنذ أكثر من أربعة الآلاف عام قبل الميلاد ظهرت بشكل لابد منه كوسيلة للتفاهم فكان للمترجم آنذاك مكانة مرموقة ومميزة لكونه ينطق بلغة تختلف عن لغته الأم لذلك كان يتم وشم رؤوس المترجمين برسم طائر الببغاء بأجنحة مطوية وغير منفردة وهذا يدل على أنه سينقل إليك الكلام بمنتهى الأمانة والإخلاص دون أن يحلق بأفكاره ولا يزيد على القول الأصلي ودليل دامغ على دقة عمله.
إن إعادة صياغة النصوص من لغة إلى أخرى تحتاج إلى مهارة عالية وتدريب متقن لإعادة هيكلة النص شكلاً ومضموناً فلابد للمترجم الذي يقدس عملهُ أن يقضي معظم وقته في نبش قاموس لغته الثانية والخوض في قواميس اللغات الأخرى لكي يتسنى له معرفة نسل الكلمة ومن أي أُسر لغوية تنحدر. إن معظم المتبحرين في هذا المجال يعلمون بأن عدد الأُسر اللغوية أكثر من 250 أسرة حول العالم وأكثر من 6800 لغة مميزة، قسم منها مُهدَّد بالانقراض والقسم الآخر مُعرض له. أما أكبر الأُسر اللغوية وتعتبر السائدة عالمياً فهي الهندوأوربية والأفروآسيوية والأورالية الآلتائية وغيرها.
لقد لاحظ القدماء بأن هذا التنوع اللغوي يقع ضمن مبدأ تقديس اللغة فإن لكل جماعة لغة ترى بأن لغتها الأفضل وكل ما بعدها هو أدنى منها، فاليونانيون مثلاً قسموا العالم إلى يوناني وبربري ولو عدنا إلى معنى البربري لوجدنا بأنه وصف لكل شخص لا يتكلم لغة القوم الذين يسكن معهم ضمن الحدود الجغرافية المخصصة لهم. أما الرومان فقد قسموا العالم إلى روماني وبربري، والعرب أيضاً جعلوا من العالم قسمين عربي وأعجمي. لكن لو أخذنا كلمة اللغة من الناحية السيمولوجية حسب ما ذكر فرديناند دي سوسير يرى بأن اللسانيات هي جزءاً من السيمولوجيا أما رولان بارت فإن يقلب الكفة فيرى بأنها الجزء واللسانيات هي الكل.
فتفكيك اللغة وتركيبها يعتمد على براعة المترجم فلا يحق له أن يغادر النص كلامياً قبل أن ينتهي فكرياً من نقل باطن النص وظاهره ليبدوا مقارباً للأصل. أتذكر بأنني سمعت جملة قصيرة ومؤثرة من رئيس المجمع العلمي الأستاذ الدكتور محمد آل ياسين حيث تحدث ضمن جلسة حوارية في دار المأمون للترجمة والنشر ذكر فيها (بأن الترجمة هي قُبلة من وراء الزجاج)، بعدها تأملت في عمق النص وبدأت بعقد مقارنة بسيطة ما بين مُترجمي الجيل الورقي ومترجمي الجيل الإلكتروني لكي أرى أيهم يهتم بترجمة النص والمقصد.
النتيجة كانت مقارنة غير منصفة فكلاهما صاحب عقل ثنائي اللغة ويملكان من الإيجابية ما يجعلك تشيد بأفكاره، مترجم الجيل الورقي لو سألته عن النص سيقول لك: إن اللغة التي تعلمتها وأُترجم كُتباً مختلفة إلى اللغة الأم أراها بمثابة تذكرة رحلة عبر الزمن لي وللقارئ حيث الفلاسفة والأيديولوجيا الخاصة بهم و حسن اختيارهم وتخبطاتهم في الحياة ونقل العادات والتقاليد المختلفة بين دولة وأخرى من خلال كتاب لا أحتاج لترجمته إلا لرواية باللغة التي أفتخر بأني من مريديها ومحبيها، أوراق بيضاء، قلم و قاموس اقتنيته عندما كنت تلميذاً ينظر لأستاذه الجِهْبِذ بحسرة يقول لبنات أفكاره متى سأصبح طليق اللسان مثله؟.
أما مترجم الجيل الإلكتروني يرى بأن كل لغات العالم ذات إحساس واحد ولكن الاختلاف بالألسن. لذلك لو سألته عن النص سيقول لك: إن اللغة التي تعلمتها من خلال الدراسة، الأفلام، المسلسلات والسفر هي ذاتها التي أُترجم إليها النص لهذا عندها أحتاج أن أنقل نص فأنا لا أحتاج لبذل مجهود للاطلاع على القاموس الورقي إلا في الضرورة القصوى، لكن رغم هذا لا غنى لنا عن الترجمة الورقية في نقل النصوص الفلسفية والأدبية لكونها تحمل أكثر من مضمون.
أما أفضل من قسم نقل النص الترجمي إلى قسمين فهو أحد أبناء أمراء المماليك المؤرخ والنحوي صلاح الدين الصفدي: تلميذ ابن نُباتة وابن سيد الناس، وهو أحد كتابة الدَّست بدمشق، وكُتّاب الدَّست هم الذين يجلسون مع كاتب السّرّ بمجلس السُّلطان بدار العدل في المواكب، على ترتيب منازلهم بالقِدمة، ويقرؤون القصص على السلطان بعد قراءة كاتب السّرّ، وسُمُّوا كُتّاب الدَّست إضافة إلى دَست السلطان، وهو مرتبة جلوسهم للكتابة بين يديه).
بعد جهد بذله في ترجمة ما يقارب مئتين مجلد منها شروحات لامية العجم للطغرائي وتمام المتون في رسالة إبن زيدون وغوامض الصحاح وديوان الفصحاء وترجمان البلغاء وغيرها الكثير يطول السرد فيها. حيث تم تصنيفها كمطبوعات موجودة في دور النشر العالمية ومفقودات ومخطوطات كتبها بيده ومؤلفات نُسبت إليه بالخطأ. ذكر إن أساس نقل الترجمة طريقان: أحدهما طريق يوحنا بن البطريق وهو ولي المأمون أو كما يُعرف بـ يوحنا الترجمان.
حسب ما تحدث عنه خير الدين الزركلي قال: (كان أميناً على الترجمة، حسن التأدية للمعاني، ألكن اللسان في العربية). أما ابن الناعمة الحمصي وهو من أولئك النصارى الذين استعان بهم خلفاء آل عباس لنقل النصوص اليونانية إلى السريانية ومنها إلى العربية. حيث ترجم للخليفة المعتصم كتاب (أثولوجيا:
وهو في الواقع أجزاء من التاسوعات للفيلسوف والشيخ اليوناني أفلوطين) ونُسبَ خطأ إلى أَرِسْطَاطَالِيس ومخطوطة الربوبية لا تزال في خزانة جامعة مشيغان كما ترجم قسماً من كتاب السماع الطبيعي، وهو صحيح النسبة إلى أَرِسْطَاطَالِيس.
أما الكتاب بشكل كامل فقد نقله إلى العربية أبو المترجمين أبو زَيْد بن إسحاق العِبَادي المعروف أبو زَيْد بن إسحاق العِبَادي، ليتسنى شرحه من قبل الفلاسفة المسلمون منهم الفارابي وابن الهيثم لكونه يتضمن ثمان مقالات عن الطبيعة والفضاء الكوني. وأسلوبهما في نقل الترجمة هو أن ينظر إلى كل كلمة مفردة من كلمات يونانية وما تدل عليه من المعاني، فيأتي بلفظة مفردة من الكلمات اللغة العربية إليها بما ترادفها في الدلالة على ذلك المعنى فيثبتا وينتقل إلى الأخرى كذلك حتى يأتي على جملة ما يريد تعريبه، وهذه الطريقة رديئة بوجهين: أحدهما أنه لا يوجد في الكلمات العربية كلمات تقابل جميع الكلمات اليونانية، ولهذا وقع في خلال هذا التعريب كثير من الألفاظ اليونانية على حالها.
الثاني أن خواص التركيب والنسب الإسنادية لا تطابق نظيرها من لغة أخرى دائماً، وأيضاً يقع الخلل من جهة استعمال المجازات وهي كثيرة في جميع اللغات. الطريق الثاني في التعريب طريق حنين بن إسحاق والجوهري، وهو أن يأتي الجملة فيحصل معناها في ذهنه ويعبر عنها من اللغة الأخرى بجملة تطابقها، سواء ساوت ألفاظها أم خالفتها، وهذا الطريق أجود ولهذا لم تحتج كتب حنين بن إسحاق إلى تهذيب إلا في العلوم الرياضية لأنه لم يكن قيماً بها، بخلاف كتب الطب والمنطق والطبيعي والإلهي فإن الذي عربه منها لم يحتج إلى الإصلاح. فالترجمة قد يراها البعض سهلة ولا تحتاج إلى جُهد ولكن أُجيب على السائل بسؤال لابد منه إذا كانت سهلة، في العصر العباسي وفي عهد المأمون تحديداً لماذا يتم إعطاء الذهب ثمناً للنص الذي يتم ترجمته إلى اللغة العربية.
حيث شهد هذا العصر بداية النظر إلى هذه المهنة كعلم قائم ومستقل بذاته ومتفرد عن باقي العلوم لكونه يجمع كل العلوم تحت لوائه فهو ينقل ما هو سياسي، طبي، ثقافي وأدبي ليحاكي كل الاختصاصات من منبر واحد والفضل يعود إلى الجاحظ حيث وضع في القرن التاسع عشر الميلادي أول كتاب باللغة العربية مختص في علم الترجمة وأصولها بعنوان "آراء الجاحظ".
حيث لا تقتصر الترجمة على نقل الكلام فقط وإنما تعمل على تبادل الثقافات وبناء جسور للتواصل والسفر بالعقول قبل الأجساد. يوماً ما سألت أحد أساتذتي عن الترجمة فقال لي هي البحر الثامن الذي مهما شربت منه لن ترتوي والغريب يكمن بأنه البحر الوحيد الذي يمنحك الحياة ولكن شرط أن تغرق فيه حتى أُذُنيكِ على عكس البحار السبعة.
* لغة تركية













01/08/2023 - 15:25 PM





Comments