عادل صوما
لم تكن فترة شباب جوزف راتزينغر في الحرب العالمية الثانية سهلة أو تبشر بالروحانيات، فقد أُجبر على الانضمام الى تنظيمات شبيبة هتلر، وخدم في وحدة مدفعية مضادة للطائرات، ثم شارك في حفر خنادق قبل فراره من الخدمة العسكرية واستسلامه للحلفاء في أواخر الحرب.
الثورية والأصولية
ولعل جذور بدايته القتالية تلك التي استمرت حتى وفاته، قد دفعته للتوقيع على بيان سنة 1968، ضمن ألف وثلاثمائة وستين لاهوتياً بارزاً، أكدوا فيه على حقهم في استكشاف العقيدة الكاثوليكية، كما رفضوا هيمنة الفاتيكان! وجادلوا حول حق تشكيكهم في القرارات التي تصدرها السلطات الكنسية، لكن الاضطرابات السياسية التي شهدتها أوروبا والولايات المتحدة سنة 1968 أدت إلى تحول جذري في أراء جوزف راتزينغر تجاه الكنيسة واللاهوت، إذ ركّز على تعزيز أواصر العلاقة بين الفاتيكان والرهبان الكاثوليك، وأصبح متحمساً للأصولية، فالعودة إلى الأصل، ستشكل سدا أمام انشقاقات عالم بدأ يغرق في بحر العدمية والانحطاط.
لذلك عيّنه رفيقه الروحي البابا بولس السادس أسقفاً لمدينة ميونيخ، وبعد ذلك كاردينالا سنة 1977، ثم صُدر استدعاؤه إلى روما سنة 1981، حين عيّنه البابا يوحنا بولس الثاني في منصب رئيس مجمع العقيدة والإيمان، أحد أهم المناصب في الفاتيكان، وتزّعم الحملة التي شنها الفاتيكان ضد "لاهوت التحرير"، وهو خليط من الكاثوليكية والماركسية اكتسب شعبية واسعة في أميركا اللاتينية.
كما اعتمد راتزينغر خطاً غير مهادن داخل الكنيسة الكاثوليكية، إذ كان يقوم باستدعاء رجال الدين والأكاديميين إلى روما للدفاع عن مواقفهم قبل إجبارهم على توقيع وثائق يتبرأون فيها من افكارهم.
كما قام "بإسكات" أو طرد آخرين من الكنيسة، لذلك أطلق الليبراليون عليه "الكاردينال الدبابة"، بينما نظر المحافظون إلى سياساته بإعجاب.
وفي سنة 2000 نشر وثيقة بعنوان "يسوع الرب"، أثارت جدلاً كبيراً لأنها أكدت دون أي مواربة وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية بأنها هي الكنيسة الوحيدة بينما كل الكنائس الاخرى "مشكوك فيها".
رجل العواصف
تم اختيار راتزينغر بعد وفاة البابا يوحنا بولس الثاني سنة 2005، ليكون الزعيم الروحي لكاثوليكي العالم البالغ عددهم آنذاك 1.3 مليار نسمة، وأدى إيمان البابا بندكتوس السادس عشر بصحة وسيادة الكنيسة الكاثوليكية وتعاليمها إلى احتكاكات، منها ما حدث في ألمانيا في ايلول/سبتمبر 2006، عندما اقتبس، في كلمته في جامعة ريغنزبورغ، عن حاكم مسيحي من القرن الرابع عشر، قوله إن إيمان محمد بالجهاد أمر شرير لا إنساني، وناقش تفصيلياً في كلمته الاسباب التي ينبغي من أجلها اعتبار نشر المعتقدات عن طريق العنف أمراً غير مقبول.
أغضبت تلك الكلمة المسلمين الذين اعتبروا كلامه هجوماً مباشراً على دينهم، وطلبوا من البابا بندكتوس الاعتذار، لكنه تأسف لأن "البعض" اعتبر ما قاله جارحاً، وأعلن رأيه الجريء بأن حوار الاديان أمر صعب التنفيذ، في وقت لا يتمتع المسيحيون بحرياتهم الدينية في بعض الدول الاسلامية.
كما نشب لغط اثناء زيارته إلى أميركا اللاتينية سنة 2007، بعدما قال في البرازيل إن سكان القارة الاصليين كانوا "يتوقون سرا" للدين المسيحي الذي جاء المستعمرون به، واحتجت عدة مجموعات تمثل السكان الاصليين، وقالت مجموعة منها إن "ممثلي الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الزمن مع بعض الاستثناءات القليلة كانوا ضالعين ومنافقين ومستفيدين من واحدة من أفظع المجازر في التاريخ البشري".
لكن البابا بندكتوس كان شجاعاً عندما اعترف بعد عودته الى روما، بأنه ليس ممكناً نسيان المعاناة والظلم الذي تسبب به الاستعمار للشعوب الأصلية في أميركا الجنوبية، ورغم ذلك كرر البابا رأيه "الكاثوليكية في أميركا الجنوبية شكلت حضارة القارة بشكل ايجابي في السنوات الخمسمائة الأخيرة".
وأثناء زيارته لاحقاً لدول في الشرق الأوسط، وعند لقائه برئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمد عباس، دعا البابا بندكتوس إلى اقامة دولة فلسطينية ذات سيادة "داخل حدود معترف بها دولياً".
مُعلن وخفي
فاجأ "البابا الدبابة" العالم سنة 2013 باستقالته، ونص البيان الرسمي على أن اعتلال صحته سببها، لكن ظهرت تكهنات وشكوك توحي أن الصحة وحدها لم تكن السبب الوحيد، فهناك قضية تسريبات الفاتيكان التي سرب فيها سكرتيره وثائق سرية تكشف صراع السلطة في الفاتيكان، وتأمل بروتول الكتمان في الفاتيكان، يعني بوضوح أن خروج شخصية مثل سكرتير البابا عن الخط الرسمي للكنيسة أمر يكمن خلفه شيء.
خلال الاعوام الأخيرة في عمر البابا يوحنا بولس الثاني، تحكّم بالكنيسة الكاثوليكية عدد من الجماعات المتناحرة، حسب ما قال باولو غابريلي، سكرتير البابا، الذي حاول تبرير سبب تصويره وتسريبه كل هذه الوثائق، وفي هذا السياق قالت كريستيانا آرو، محامية الدفاع عن غابريلي، في ثاني مقابلة إعلامية معها: "قال إنه شهد الكثير من الاشياء القبيحة داخل الفاتيكان. وأصبح لا يتحمل أكثر من ذلك. قال إنه استمع الى أكاذيب تُقال. وقال إنه يعتقد ان البابا تُرك عن عمد جاهلا بالكثير من الاحداث الرئيسية".
أُدين غابريلي بالسرقة ومكث ثلاثة أشهر في السجن قبل عفو البابا عنه، لكن هذا لم يكن نهاية الأمر، فقد أمر البابا بالتحقيق في ما حدث، وقدم ثلاثة كرادلة تقريرا مكونا من ثلاثمائة صفحة كان مفترضاً أن يكون "سري للغاية"، لكن الصحيفة الإيطالية "ريبوبليكا" زعمت إنها اطلعت على محتواه، وكانت نتيجة ذلك المزيد من التسريبات المُحرجة، منها وجود شبكة قساوسة مثليين اصحاب "تأثير غير لائق" في الفاتيكان.
من أقوال المسيح المأثورة "لا يمكن ان تعبدوا إلهيّن الله والمال"، لكن على مدى سنوات جرت اتفاقات وصفقات دفع فيها الفاتيكان أضعاف السعر المتعارف عليه في السوق، وحاول شخص مطلع كشف الامر وإصلاح النظام، لكن مسؤولين في البلاط الباباوي اقنعوا البابا بترقيته ونقله الى مكان يبعد عن روما.
كما حدثت اجراءات مماثلة في بنك الفاتيكان، الذي كان على مدى سنوات مصدر كثير من القصص المزعجة لمقام الكرسي الرسولي، بسبب الخروج عن هدفه الأساسي، وهو مساعدة الجهات الدينية والمؤسسات على تحويل الاموال التي تحتاجها بصورة ماسة في مناطق بعيدة من العالم، لكن الامر تضمن احياناً مبالغ ضخمة من المال حُولت الى مناطق غير مستقرة سياسياً، ما جعل الامور لا تمر بسلاسة وشفافية.
يُعتقد في هذا السياق أن مسؤولي بنك الفاتيكان كانوا يأخذون قرارات رئيسية بدون اطلاع البابا بندكتوس أحياناً، كما حدث مع غيره من باباوات، وعندما قرر مجلس ادارة البنك إقالة رئيسه الاصلاحي إيتوري تيديسكي، لم يُطلع البابا على الامر سوى بعد فوات الاوان، و"فوجئ البابا للغاية" حسبما قال سكرتيره إياه، لأن تيديسكي كان مقرباً من البابا ولكن ذلك لم يقدم له الحماية في نهاية المطاف.
استمر تفاقم المشاكل أمام البابا الحديدي وكان يقاوم أو يحّل لكنه لم يهادن، حتى تمت واقعة من أغرب الأمور التي حدثت قبل استقالته بأيام فقط هي كشف بعض نساء "فيمن" عن صدورهن أمامه، وهو يتحدث مع الجموع في ميدان القديس بطرس، ما جعل البابا بندكتوس يشعر أنه مستهدف داخلياً وخارجياً بضراوة، ومن الأفضل له وللمؤسسة الكنسية أن يتنحى.
أمل ورؤية
كان البابا بندكتوس السادس عشر يؤمن بحتمية انتصار المسيحية وسيادتها "لابد أن تنهض من جديد مثلها مثل بذور الخردل، على شكل جماعات صغيرة يعيش افرادها في حرب مكثفة مع كل مصادر الشر في العالم بينما يظهرون ما هو خيّر".
كما كان بعيدا عن حديدية إيمانه رجلا مثقفا لطيفاً دمث الاخلاق، يجيد العزف على آلة البيانو ويتذوق موسيقى موتسارت وبرامز بشكل خاص، كما كان يجيد التحدث بست لغات هي الألمانية والانكليزية والفرنسية والإيطالية والبرتغالية والإسبانية.
كان الجزء الاكبر من رؤية البابا بندكتوس الروحية قد دخل حيز التطبيق فعلا، حتى قبل بدء ولايته. فقد وضع هو وسلفه البابا يوحنا بولس الثاني الكنيسة الكاثوليكية في طريق ستواصل السير فيه لسنوات، كما كسرا احتكار كرادلة روما لمركز الباباوية.













01/07/2023 - 21:20 PM





Comments