الكاتب الصحفي الكبير مفيد فوزي
بقلم: ألفة السلامي
فارق عالمنا منذ أيام الكاتب الصحفي الكبير مفيد فوزي. وهو لم يكنْ صحفياً عادياً لذلك يستحقُّ صفحات وصفحات في تخليد سيرته. وطبيعة الكتابة عنه وعن الراحلين عموما غالبا ما تكون من منظور الأشخاص الذين يرثونهم، وهي ترصد سيرة ذاتية لها وجهان الوجه الخاص بالشخصية التي نرثيها والوجه الثاني الخاص بما نرصده من ملامح ومواقف خلال علاقتنا بها.
كان مفيد فوزي "أستاذاً" ولقب الأستاذ نطلقه كصحفيين على أصحاب القلم والفكر المتميزين الذين لهم بصمة متفرِّدة في مدرسة الجودة والإتقان من خلال فكرة مدهشة تنقد الواقع وطرح غير تقليدي يسعى لتغييره؛ وهؤلاء قليلون بل نادرون في مهنة الصحافة. الأستاذ مفيد كان يملك الكثير من تلك العناصر، منها مهارات الكتابة التي يمسك بتلابيبها ولا يتأرجح بين دفاتها، يقودها ولا تقوده، ويخطُّ الكلمة قوية معبّرة تشبهه وتعكس رأيه وموقفه الصادم في كثير من الأحيان. كما يتقنُ فنون الحوار ويجلس على كرسيِّه فتجعله بطلاً مثله مثل الضيف.
وكان سباقاً في "تلفزة الصحافة" أو "تصحيف التليفزيون"، وهو منحى سار على دربه فيما بعد العديد من برامج الصحافة التليفزيونية على شاشة التليفزيون المصري والعربي. وقد أرسى بذلك مدرسة المحاور القويّ من خلال شراسته ونعومته في نفس اللحظة. وقد أحبَّ نفسه ووثق بها في هذا الموقع وانتشى عندما وصفه الناس بالمحاور لأنه اعتبر ذلك احتراماً منهم لقدراته.
وكانت عينه على كافة تفاصيل الضيف لا يترك كبيرة أو صغيرة إلا طرح حولها أسئلته حتىَّ ما قد يبدو منها محرجاً لضيوفه. لذلك، كان يقلِّلُ جرعة الإحراج بالاستئذان قبل طرح السؤال "اسمح لي.. وأستأذنك.. منفضلك… لو سمحت لي… ".
ولكم أن نتخيل السؤال القنبلة الذي يتبع هذه العبارات شديدة اللطف. ولم يكن ليفوزَ بالإجابات التي تشفي غليله إلانادراً؛ عندها فقط نرى ملامحه على الشاشة وقد غمرتها السعادة والراحة ولاحت ابتسامته الشحيحة. وهذه من المرات النادرة التي نشاهد فيها ملامحه خلال حواراته.
أذكر ذات مرة اقترحت عليه نشرَ الحوارات التي كانت علامة فارقة في مشواره، لكونها مع شخصيات نادرة الحضور في وسائل الإعلام مثل فيروز وعبد الحليم وسعاد حسني وحسني مبارك وحبيب العدلي وغيرهم. أعجبته الفكرة وقال إنه قد يختار سؤالاً واحداً فقط من كلِّ حوار . إنه غير معجب بالإجابات وإنما بالأسئلة، ذلك لأنه بالفعل ملكُ الأسئلة. وربما لهذا كان يمشي ومعه "كنش" يطويه بسهولة في جيبه وقلم الحبر الأسود المميز ليسجل به الأسئلة التي تستفزُّ عقله.
أتذكر أيضا أنه كان مهموماً بانخفاض منسوب الوعي لدى المواطن -بحسب تعبيره- وحدثني عن رؤيته وأفكاره حول كيفية رفع هذا المنسوب من خلال البرامج الإعلامية التنويرية. كان يطلق على هذا النوع الإعلام التنمويّ -وهو أستاذ التسميات التي يختارها بدقة- والتنموي هو النوع الذي يسلط الضوء على الاعوجاج والخلل في القرارات والسياسات والسلوكيات والنفوس. ويؤمن بأن الإعلام في المجتمعات النامية، من أهم أدواره، تعليم المتفرجين كيف يفكرون بطرق سليمة وكيف يأكلون ويشربون بطرق صحية، وكيف يديرون حياتهم ويتصرفون تجاه الآخرين.
وهو في ذلك يختلف مع المدرسة الغربية التي تصيغ برامجها للترويج الاستهلاكي وزيادة الإقبال على التبضع والدعاية السياسية لحزب أو برنامج سياسي. كان الشغل الشاغل للأستاذ مفيد خلال عضويته للجنة الإعلام بوزارة الثقافة نشر ثقافة التسامح بدلا من التعصب. وانتقد على سبيل المثال البرامج الرياضية الأكثر مشاهدة في وسائل الإعلام ووصفها بصراع الديكة. كان يتمنَّى أن تحفّزَ تلك البرامج البراعم والشباب على حبِّ الرياضة التي تبعدهم عن الانحراف والإدمان وتخلق لديهم الحلم والهدف والانتماء للنوادي والانتماء الأكبر للوطن والعَلَم.
لم يتراجع أو يختفِ لديه الحس النقدي في أي مرحلة سياسية واجتماعية مرت بها مصر، ورصد المجتمع عندما أصابه التوتر العاطفي- وهذا كان وصفه أيضاً- أو عندما كانت تنقصه الموضوعية، وتحدث مرات عن مجموعات الضغط وأعداء النجاح وأخرى أطلق عليها مجموعات "النذالة" والانحطاط والسوقية ومجموعات "المطبلاتية" وكل مجموعة أخرى كان يراها "لوبي" شديدَ القسوة والغِلظة "ويا عيني على اللي يجي تحت ضرسه".
أما معادل السعادة فكان بالنسبة له العمل، ولا شيء غيره، ذلك القادر على إحداث فرق في حياة الشعوب، ولا غرابة فهو العاشق لعمله والمغرم بالكتابة والتلفزيون، عينه على التجارب الجديدة وابتكارات الشباب، وعقله على مدى الوعي والاستفادة جنباً إلى جنب مع الاستمتاع. ولم تكن متعه كثيرة، فإلى جانب العمل كان استمتاعه الشخصي ينحصر في القرب من حنان وشريف. يتصادف أن يتصل بي في المناسبات والأعياد وكان يوصيني وصية جميلة :"أنت تشتغلي كتير فحاولي تستمتعي.. احنا مجتمع مايعرفش يستمتع بالحياة ومايعرفش يشتغل". المتعة والاستمتاع بالنسبة له تكون تالية للعمل الجاد والمضني وكأنها مكافأة عن الاجتهاد والتعب.
وكم كان الأستاذ مفيد مبتهجا بتصوير برنامج جديد بعنوان "اسمح لي".. وقد علقت آنذاك على العنوان بأنه يشبه برنامج كان يقدمه المذيع التونسي اللامع نجيب الخطاب "لو سمحتم". ولا أدري لماذا لم يظهر برنامج "اسمح لي" في إحدى القنوات المصرية حتى الآن وأظنه كما كان يظنه يستحق العرض في الشاشة الصغيرة.
وقد يكون من المفيد أن أروي عليكم الدرسَ الذي تعلمته ذات يوم من أيام رمضان من الأستاذ مفيد بسبب مقال كتبته في جريدة العالم اليوم، عندما كنت مديرة تحريرها، وكان يكتب افتتاحيتها لسنوات طويلة. مقالي تزامن مع عرض مسلسل بطلته نجمة كبيرة جداً عادت من خلاله إلى الشاشة الصغيرة بعد اختفاء لسنوات. لم يعجبني دورها؛ ليس ذلك فحسب بل لم يعجبني شكلها وعمليات التجميل التي لم تخفف آثار الزمن وإنما شوهت بعض ملامحها. حاول المخرج أيضاً إزالة تلك التداعيات التي خلفتها العمليات فوضع "فيلتر" وكان ذلك على حساب الصورة النهائية التي تضررت بشدة.
المهم إني استخدمت عبارة وصفها الأستاذ مفيد بـ "الجارحة" في سياق النقد الفنيّ الموضوعيّ. كلمني الأستاذ مفيد معاتباً ولفت نظري إلى تلك العبارة غير اللائقة التي كاني ممكن حذفها دون تأثير على رؤيتي النقدية. وأوضح أنَّ العودة إلى الفن والتمثيل هي معادل الحياة بالنسبة لتلك الفنانة الكبيرة وأنها أيضاً خير علاج لما يصيب الفنان من اكتئاب عندما تبتعد عنه الأدوار وقد سيقود بعضهم للانتحار، واصفا ما أجرته من عمليات تجميل بأنها محاولة للظهور اللائق أمام الجمهور ومحاولة أيضاً لتخفيف ما أصابها من شيخوخة مبكرة، ليس بسبب العمر كما يحدث عادةً للناس، وإنما بسبب كثرة الماكياج والتعرض للإضاءة خلال تصوير ما يتجاوز السبعين فيلماً خلال مشوارها الفنيّ.
فهمت كل حرف قاله وتيّقنت من خطأ فادح قد أكون ارتكبته دون قصد في حقِّ فنانة مثل نبيلة عبيد أسعدتني بفنها خلال طفولتي وشبابي وكهولتي وأسعدت الملايين وكانت تستحقُّ منّي الرفق والكياسة في الكلمات وحذف العبارة الجارحة حتى لو لم يكن دورها في المسلسل في مستوى توقعاتي. وساعدني حينئذ الأستاذ مفيد على الاعتذار منها وتقبلته بتسامح وتواضع.
والدرس هنا أن الخط الإنساني نسير على هديه، حتى عندما يجبُ النقد، وبدون تجريحٍ. ونذكر مواطن الضعف برفق وهذا أحد أدوار الصحفيّ الذي يهمه تحقيق النتائج وإيصال الرسالة. ومن الضروري أن نكون جميعاً رفقاء عند توجيه النقد وليس كالحجر الصوان ندين ونقسو ونتهكم على العثرات. من منا لا يخطىء ومن منا بدون عثرات.. وخاصة المرهفين؟! والأستاذ مفيد كان يرى أن غالبية الفنانين مرهفين حرفتهم صعبة وهي صناعة السعادة، لكن كثيراً ما تصحبهم دراما صاخبة في كل مراحل حياتهم، خاصة إذا كانوا لا ينزلون ستائر على حياتهم ولا يفرضون بعض السرية التي تحمي خصوصيتهم وتغطيهم بالأمان والهدوء بدلاً من عيون الناس التي تعريهم وتنهش لحمهم!
وأتذكر أنه اتصل بي يوماً وكنت حينئذ مستشارة إعلامية لوزارة التضامن. ذكر لي أنّ الإذاعية الكبيرة آمال فهمي ترقد في مستشفى المعادي للقوات المسلحة وألمح "بذكاء" إلى أنه ربما من المهمّ أن تعلم الوزيرة غادة والي بذلك، وتمنى في نهاية المكالمة أن يعلم بموعد زيارتها إذا قررت ذلك. وبالفعل، زارت وزيرة التضامن على الفور الإعلامية القديرة آمال فهمي يوم 17 ديسمبر 2017 ، وكان لقاءً جميلاً أدخل البهجة على نفسها ورفع من روحها المعنوية وصاحبهما الأستاذ مفيد صانع تلك الفرحة. وفوجئت بأن الأستاذ مفيد قد جهّزَ لمفاجأة أخرى وهي زيارة الفنانة الكبيرة نادية لطفي التي تزامن وجودها في نفس المستشفى، وكان لقاءً تلقائياً رائعاً مليئا بالمشاعر التي روت قلبها الأخضر.
ويفخر مفيد فوزي بأنه كان له مدرسة خاصة ولون واضح في عالم الصحافة والتليفزيون بتحقيقاته الاستقصائية المتنوعة، وحواراته الندية مع أهم الشخصيات السياسية والأدبية والفنية على مستوى العالم العربي خلال مسيرته المهنية، وهي الآن تراث يمكن أن تتعلم منه الأجيال الشابة. ولابد أن نتذكر في رحيله أنه صاحب السبق، وصنع طعما خاصا ونكهة مميزة لكتاباته وبرامجه. فنمْ في سلام، أستاذ مفيد، فمثلك خالد لا يفارقنا!













12/27/2022 - 09:57 AM





Comments