سيمون حبيب صفير
أيّها الطّفل يسوع.. يا نور العالم !
بورِكت اليَدان اللّتان حاكَتا نسيج الأقمطة التي لفّتك بها أمّك العذراء مريم.. وسط ذلك المذود في بيت لحم !
بورِكت الأيدي التي زَرَعت القمح وروَته وحَصَدَته، وفَرَزَت الحبوب عن القش الذي صُنع منه "سريرك" بعناية يوسف النّجار خطيب مريم البريئة من الدَّنَس، ربّ عائلة النّاصرة المقدّسة !
بورِكت الأيدي الّتي زَرَعت بذور الكتّان والقطن، وَسَقَته، وَقَطَفَته، وَغَزَلَته، ونَسَجَته.. وخاطَت به ثيابك وأقمطتك أيّها الطفل - النّور !
بورِكت الأرض التي زُرع في ترابها الخصب بذور القمح والكتّان والقطن.. تحت الشّمس كوكب النّهار المُشِعّ على الكون.. يا شمس الحياة !
بورِكت يَدَي النّجار الذي صَنَع النّول من خشب أشجار إحدى قُرى الوطن الأرضيّ الذي تَجَسَّدتَ عليه يا طفل الخلاص.. وهذا النّول هو آلة حياكة النّسيج الذي صنعت منه ثيابك والأقمِطة.. وثياب أبيك يوسف وأمّك مريم.. أنت يا حمل الله الوديع، يا من نَسَجْتَ بخيوط محبّتك على نول رحمتك قماشة مجدك التي صَنَعتَ بها حُلَّة عرس الحياة الأبديّة التي ألْبَستَها للبشريّة جمعاء.. !
بورِكت أيدي الملوك المجوس الذين قادتهم تلك النّجمة من قصور المَشرق في بلاد فارس إلى المغارة الوضيعة، عرش الفقر، حيث المَعلف، ليشهدوا للنّبوءات التي تَمّت بميلادك العجيب، يا غِنى العقول والقلوب والأرواح، بعد تلك البشارة الجبرائيليّة السّلاميّة، ويستقبلوك أيّها الطّفل يسوع، عمّانوئيل المنتظر منذ أجيال وأجيال، المُتَحَدِّر من سلالة النبي داود، ويقدّموا إليك هداياهم من اللّبان والذهب والمرّ، يا هديّة السّماء للأرض، بل للكون، وهي الرّامزة إلى مجد ملوكيّتك، وكهنوتك أيّها الكاهن الأعظم ورئيس الكهنة، يا ملك الملوك، وقائد التاريخ، وإلى أزليّتك يا ابن الآب الأزليّ، وإلى هدف تجسّدك الذي تنتهي أيّامه في ملء الأزمنة، على الجلجثة، فوق خشبة الصّليب الذي سُمِّرت عليه،
وحيث سُمِّرت علّة الحُكم عليك، فوق هامتك التي كلّلها قادةُ الأرض بالشّوك: "ملك اليهود"، يا مَن انتصرتَ بالقيامة على المسامير التي ثبّتَت جسدك المقدّس على خشبتين مصنوعتين من شجر قد يكون ذلك النّول قد صُنِع من خشبه.. يا صانع السّموات والأرض المَملوءتان من مجدك العظيم !
بورِكت أعين الملوك والرّعاة التي التَقت بعينيك يا يسوع أمير السّلام.. !
أي حوار دار بين نظراتها ونظراتك ؟!
أي ثروة اقتنى هؤلاء الملوك المجوس والرّعاة، الذين التقوا في حضرتك التِقاء الأغنياء بالفقراء، ذوي السلطان بالبسطاء، مُتساوين أمامك، أيّها الرّاعي الصّالح، وعادوا بها إلى ديارهم رُسُلاً يحملون بشارتك السّارة وسلامك إلى شعوبهم، بعد حدث اللّقاء بك أيّها الرّب يسوع الوديع المتواضع، وقد التقَت السّماء بالأرض، بتجسّدك العجيب الذي قَرَّبتَ به البَشريّة من ملكوتك ؟!
أي لغة لهَجَت بها الألسنُ لحظة السّجود لك أمام جلالة طفولتك يا يسوع الملك ؟!
أيّ حب .. ؟!
أيّ إيمان .. ؟!
أيّ رجاء .. ؟!
أيّ نور .. ؟!
أيّ دفء .. ؟!
أيّ عطر .. ؟!
أيّ فرح .. ؟!
أيّ سلام .. ؟!
أيّ حياة .. ؟!
أي قامة بشريّة مهما علا شأنها.. بل أي فلسفة لا تخرّ ساجدةً أمام الطّفل الحبيب، في حضرة مريم ويوسف والملوك والرّعاة الذين سجَدوا لله المُتجسِّد الذي ساهَم في تدفئته بعض خَلائقه من البهائم المُدجَّنة.. في مذود، في مغارة، في قلب الصّخر، في وطن ارتفعت فيه قصور وحُصُون وقِلاع وانحدرت فيه الإنسانيّة التي جاء يسوع ليصالِحها مع الإنسان ويحرّره ويخلّصه ويمنحه صكّ الخلاص الممهور بدمِه المُحيِي ؟!
وتبقى الأسرار أسراراً إلى أن يكشفها الله لمن يريد من أطفاله الأنقياء الودعاء ويحجبها عمّن يريد من بني البشر.. وَقَد قال لنا يسوع في إنجيله المقدّس: " إن لم تعودوا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت السّماء".. وقال: "أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ."
يا ربّي وإلهي ومخلّصي يسوع المسيح، المولود من مريم البتول الفائقة القداسة، التي عَصَمْتَها عن الخطيئة، أنت أَقرَب منّي إليّ.. أشكرُك على وَهبِك إيّاي نعمة شجاعة الشّهادة لك وسط ظلام العالم !
سامِح ضعفي يا رب واعطني أن ألهجَ باسمك القدّوس فأكون نوراً من نورك، كيف لا وأنا رسولك وسفيرك وشريكك في كهنوتك الملوكيّ، يا ملك الملوك، المالك على قلبي وكياني..
هَبْني يا رب، أنا الغصن الطّريّ فيك، أيّها الكَرمَة، أن أثمرَ الثّمر الجيّد الذي يليقُ بألوهيّتك ويليقُ بإنسانيّتي التي تَقَدَّست بدمك الذي سَفكتَه من أجلي على الصّليب هذا الجسر الخشبيّ إلى مجد القيامة الّتي لولاها لَكُنّا أشقى النّاس كما يقول بولس رسول الأمم !
ما أجمل الصَّمت بعد كلّ ما نكتُبه ونقولُه ونسمعُه ونشاهدُه ونبدعُه عن ميلادك يا رب.. عيد السّماء والأرض !
ما أجمل اللّقاء بك، يا يسوع، على أنغام معزوفة الصّمت البليغ، في معبد الرّوح السَّاجدة لك، لجلالِك، بجلالِ الإيمان والمحبّة والرّجاء !
ما أجمل الحوار معك في خلوة القلب يا إلهي !
ما أجمل كلماتك، يا كلمة الله الآب، تنسكبُ على روحي التي تتهلّل بصوتك الذي يُلبِس كياني حلّة البنوّة المقدّسة التي خَيَّطتَها وخَصَّصتَها لي، يا سيّدي، مُعلناً بحنانك الوالديّ لداود النّبي الذي خَلَّدَ آيتك هذه في أحد مزاميره: "أنتَ ابني وأنا اليَوم وَلدتُك" !
هنيئاً لنا ولادتك بيننا وفينا يا يسوع فادينا.. وهنيئاً لنا ولادتنا الثّانِية بروحك الحيّ القدّوس !
هنيئاً لنا كنيستنا سفينة الخلاص.. هنيئاً لنا أسرارها !
ولد المسيح.. هلّلويا.. هلّلويا.. هلّلويا !!!













12/26/2022 - 12:31 PM





Comments