بقلم: ألفة السلاّمي
تعودنا أن نذكر الحلوَ والمرَّ في أي تجربة أو حدث نختبره غير أن حثا مثل كأس العالم غيّرهذه المرة تلك القاعدة لأنه استحق الحلو كله دون مُرّه، حيث قضى المتابعون لجولات البطولة في قطر حوالي شهر وكأنه رحلة ممتعة لا يرغبون الوصول إلى نهاياتها، بل ربما كانت كحلم جميل استمرَّ شهراً كاملاً تمنوا ألاّ يستيقظوا منه لفرط السعادة التي حظيَ بها هؤلاء العشاق لكرة القدم وبطولتها الأهمّ بكلِّ ما فيها من "إمتاعٍ ومؤانسة"، وأستعير هنا أحد عناوين الأديب والفيلسوف أبي حيّان التوحيدي في وصفه لسبعة وثلاثين ليلة قضاها في مسامرة الوزير أبي عبد الله العارض.
لم تنجح قطر فقط في التنظيمِ إدارياً وفنياً وتحكيميا وتليفزيونياً وسياحيا بل كان الحشد الجماهيري للمباريات ملفتاً وساهمت المآزرة والتشجيع للفرق في تحفيز اللاعبين. كما كانت هناك مباراة أخرى خارج الملاعب، إنسانية هذه المرة، ظهرت فيها حفاوة القطريين وكرم الضيافة التلقائي ودون افتعال.
وقد روى ودوّن العديد من المشجعين الذين قدموا من دول عدة تغريدات عن لفتات ثقافية وسياحية ذكية من القطريين عندما قدموا أطباقا شهية لضيوفهم خلال تجولهم في الشوارع بعد انتهاء المباريات من المجبوس والمضروبة والمشخول والجريش والمرقوقة والهريس، إضافة إلى الأطباق الحلوة مثل الخنفروش والبثيثة والعصيدة والبلاليط وغيرها مما لذَّ وطاب من المأكولات والحلويات القطرية. كما أهدوهم الملابس القطرية والكوفية بأعلام بلدانهم. وغادر الكثيرون الدوحة وفي ذاكرتهم رحلة تاريخية هي أقرب لوصف "رحلة العمر" لن ينسوها أبداً بحلوها وحلوها وحلوها!
ويجب التوقف هنا طويلاً عند تنظيم البطولة وهي أقرب لحالة متناغمة في كل حلقاتها أعطت هذا النجاح طعما خاصا مع رصيد ثري من الدعاية لهذا البلد الصغير فاقت مليارات الدولارات لو كانت تنوي تنظيم حملات دعاية عن طريق شركات تجارية..
باختصار، الترويج طاربسهولة ودون تكلف على أجنحة عدسات الكاميرا إلى كل أنحاء العالم ومن خلال الصور الرائعة وأصبحت قطر محفورة في أذهان شعوب المعمورة. وهذا النجاح المميز فتح الباب لدول وشعوب أخرى لتحلم بتكرار التجربة والنسج على منوال قطر، ولمَ لا ..
فتنظيم كأس العالم حلم مشروع وليس مهماً حقيقة من يفوز بالكأس إذا توفرت كل مقومات التفوق، لكن الأهمّ أن يكون فرصة ذهبية تقتنصها الدولة المنظمة لعرض الثقافة والفنون وقيم التسامح وكافة المعاني التي تسعى لتأكيدها؛ وقد بدأتها قطربلوحات التعايش والحوار وآيات قرآنية وتحدي في مستوى الشاب الملهم ذوي الإعاقة غانم المفتاح الذي خطف أنظار ذوي القدرات الخاصة بل وأنظار العالم كله واختتمتها قطر أيضاً بطريقتها الذكية عندما ارتدى ميسي العباية الخليجية في لقطة رمزية ستكون بلاشك تاريخية خالدة. وما بين البداية والنهاية هناك دعوة لملء المسافات بالتقبّلِ والاحترام والتعايش. وهذا هو حقاً الفوز الرمزي بالبطولة!
وإذا رجعنا للأرقام التي لا تكذب ولا تتجمل فسنتعرف على مواطن النجاح الحقيقي وكيف كان تنظيم كأس العالم دافعاً وحافزاً على امتداد 12 عاماً لبناء دولة حديثة وتحقيق طفرةٍ في وسائل النقل المريحة وتعبيد الطرق وإنشاء الملاعب والفنادق والحدائق وتوفير كافة الخدمات، والأهم القدرة على استقبال حوالي600 رحلة طيران يومياً، واستضافة حوالي مليون ونصف المليون زائر خلال شهر، واستصدار 3 ملايين بطاقة دخول للملاعب وحسن إدارة وتنظيم واستضافة 850 لاعباً يمثلون 32 فريقاً مشاركاً، لكل فريق جهازه الفني وشروطه ورغباته من حيث توفير الإقامة المناسبة والإعاشة والتحركات والانتقالات خلال دورة كأس العالم.
وبجانب ذلك كله توفير 130 ألف غرفة موزعة على 300 فندق، إضافة إلى قرى وخيم وغرف عائمة لإقامة المشجعين. وقد تم تجهيز 200 ألف متر مربع كمساحة إجمالية للضيافة، ناهيك عن وسائل الانتقالات حيث خصصت 4000 حافلة لنقل اللاعبين وأطقم التدريب والمشجعين، إلى جانب 800 حافلة كهربائية تراعي المعاييرالبيئية وذوي الاحتياجات الخاصة، وهناك بين 5 دقائق و15 دقيقة فقط مدة انتظار الحافلة.
أما القطارات فهناك ثلاث قطارات ترام تخدم عمليات التنقل بين الملاعب، يضاف إليها 37 محطة مترو تعمل على مدى 21 ساعة خلال اليوم. وتم تجهيز 9 مناطق للاحتفال تصل سعة كل واحدة إلى 50 ألف مشجع. وقام بالتغطية الاعلامية للمباريات حوالي12.300 إعلامية وإعلامي. وقد تطوع لخدمة الفرق الرياضية خلال هذه الدورة حوالي 20 ألف متطوعاً. وشاهد المتفرجون عبر الشاشات 8 ملاعب مبهرة، سعة كل منها بين 40 ألفاً و80 ألفَ مشجع.
ولنأخذ نجاح قطر في التنظيم بمثابة تجربة أو "بروفة" بأن مصر تستطيع والجزائر تستطيع وأن دولاً عربية أخرى وأفريقية أيضًا تستطيع. لقد عززت قطر الثقة بالنفس لدى دول كثيرة أخرى في كل المعمورة وجعلتها أكثرجسارة. كما أعطت المغرب درسا مهما من خلال فريقها الوطني وهو القدرة على الحلم والسبيل لتحقيقه، حلم جميل للفرق العربية والأفريقية بالوصول إلى الأدوار النهائية وهي ما كانت توصف بالمستحيل.. حيث لم يصل إلا الكاميرون من قبل لدور الثمانية عام 1990. وكم من طفل وشابّ تمنى أن يلعب مثل أي لاعب مغربيّ ويحقق يوماً ما حققه زملاء حكيمي، لقد رأوا أنفسهم فيهم وفي قصصهم وظروفهم وتحدياتهم وصعوباتهم ونضالاتهم .. وحتى أمهاتهم، وتعلموا أنه بالعمل والاجتهاد يمكن الفوز على الفرق الكبرى وتحطيم المستحيل.
أما الدرس الأكبر فهو للحكومات والحكام: استثمروا في الرياضة فهي البهجة والأمل والتواصل الحضاري والانتصار الإنساني على ما يفرق والتجمع حول ما يقرب والاحتفال بالتنوع والروح الرياضية!












12/21/2022 - 11:24 AM





Comments