د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
تنعكس الانتخابات النصفية عادة في الداخل الأمريكي على الاقتصاد والمناخ وتخفيض الضرائب على الأثرياء وعلى المجتمع فيما يخص الإجهاض وتخفيض التأمين الصحي من قبل الجمهوريين، وينعكس كذلك على التعاطي مع الديون الأمريكية البالغة نحو 31 تريليون دولار، لكن انعكاسها على الملفات في الخارج وبشكل خاص في الشرق الأوسط تتفاوت ما بين تعاطي الجمهوريين والديمقراطيين في بعض الملفات وأن كانت تتفق في عدد من الملفات.
موجة حمراء من الانتصار أمر غير متوقع تحدث صدمة كبيرة لدى شريحة كبيرة من الجمهوريين، بسبب التشظي بين الجمهوريين، حيث تحالف بعض الجمهوريين مع الديمقراطيين حتى لا تكون هناك فرصة لترمب في 2024 بسبب سياساته التي لا تناسب الحكومة العميقة في الولايات المتحدة، وهو ما يمثل نصر للجمهوريين بطعم الهزيمة، فمجلس النواب حسم لصالح الجمهوريين، وفي نفس الوقت لن يكونوا أقلية في مجلس الشيوخ، فلا زال الانقسام سيد الموقف بين الحزبين في الولايات المتحدة، لكنه في النهاية يفرض التفاهم في عدد من الملفات، فلن يتمكن الجمهوريون من قيادة أغلبية لإقالة بايدن، كما ستنتهي أزمة محاسبة ترمب تلقائيا من نفسها.
ووفقا لصحيفة واشنطن بوست اعتبر بعض مستشاري ترمب الذين اعتبروا نتائج الانتخابات النصفية جرحا لمستقبله السياسي، ما يعني تضاؤل مكانة ترمب يشجع على تأجيل إعلان ترشحه للرئاسة بعد عدم تحقيق المد الأحمر إلى ما بعد تحقيق أغلبية في مجلس الشيوخ، خصوصا أن ترمب غاضب من خسارة مرشحه المدعوم منه مباشرة أوزو في سباق مجلس الشيوخ في بنسلفانيا، ما حرمت ترمب من تشكيل حركة مد في الكونغرس كان يراهن عليه للعودة مجددا إلى البيت الأبيض.
خصوصا بعدما باتت التشكيلة النهائية لمجلس الشيوخ معلقة حتى الآن على ثلاثة مقاعد في أريزونا ونيفادا وجورجيا، إذ أن فرز الأصوات بحاجة إلى عدد من الأيام، حيث حذر الرئيس بايدن من أن فوز الجمهوريين سيضعف من المؤسسات الديمقراطية داخل الولايات المتحدة، وأن أولوية الجمهوريين في الكونغرس ستكون إلغاء قانون خفض التضخم وهذا سيزيد من الأسعار، مشيرا إلى أن معركة مجلس الشيوخ ستكون صعبة، خصوصا بعدما فاز الجمهوريين في ولاية ويسكونسن فأصبح 49 مقعدا للجمهوريين مقابل 48 مقعدا، ولكن يتبقى ثلاثة مقاعد، فيما حقق الديمقراطيون في مجلس النواب 191 مقعدا مقابل 207 للجمهوريين، وبفوز الديمقراطيين في بنسلفانيا يبددون طموحات الجمهوريين بموجة حمراء، أنقذت بايدن من عامين مروعين.
يعارض الجمهوريون اليمينيون المتطرفون من أتباع دونالد ترمب الذين يؤيدون أمريكا أولا الذين يعارضون السياسة التدخلية بشكل عام لليسار الديمقراطي المتطرف أيضا، فمثلا لم يصوت من الجمهوريين في مجلس النواب لصالح مشروع قانون لتسهيل المساعدة العسكرية لأوكرانيا سوى عشرة جمهوريين فقط، لكن إذا توفرت الأغلبية تكون كافية لإغراق مثل هذا التشريع في المستقبل، حيث يرى بايدن أن التحالف عبر الأطلسي هو حصن رئيسي ضد التوسع الروسي في أوكرانيا وخارجها، لكن كان دونالد ترمب فاترا على أقل تقدير بشأن الدعم الأميركي للناتو عندما كان رئيسيا، رغم أن العديد من أعضاء المدرسة التقليدية من الجمهوريين ظلوا ملتزمين بهذا التحالف وأهدافه.
لكن الحزبين يشتركان في القلق العميق بشأن الصين، ويشمل ذلك التحركات الجيوستراتيجية للصين في بحر الصين الجنوبي وما وراءه، وبشكل خاص الحزام والطريق لتشكيل نظام تجاري واستثماري عالمي تقوده الصين.
لكن في بقية الملفات سيتم تقييد مساحة عمل بايدن للمناورة في الفضاء الدولي وبشكل خاص في ملفي المناخ وإيران، وهما ملفان يهم السعودية، لكن نجد أن إدارة بايدن استبقت حدوث مثل هذا الصراع، وصرح المتحدث الإقليمي وربرغ باسم الخارجية الأمريكية خلال حديثه مع صحيفة الشرق الأوسط أن العالم ليس مؤهلا للاستغناء عن الوقود الأحفوري، خصوصا بعدما فشلت خطط بايدن الطموحة في احداث تحو لكبير في الطاقة في الداخل، وأعاد تنشيط القيادة الأمريكية بشأن هذه القضية الوجودية في أوروبا، ولكن أفشلت السعودية هذه الخطط، وباتت خطة بايدن لتغير المناخ خطة ميتة، على الأقل ذلك الجزء الذي الكبير الذي يتطلب تشريعات، وهنا يلتقي الجمهوريين بالسعودية في هذا الملف.
واعتبر أن رسالة السعودية الشرق الأوسط الأخضر رسالة مهمة في أن المستقبل للطاقة المتجددة، وأردف المهم في هذه المرحلة كيف يتم تأمين الوقود الأحفوري من دون بنية تحتية دائمة، كأن تكون هناك مثلا بنية تحتية لإنتاج الغاز، يمكن تحويلها لاحقا لإنتاج الوقود الهيدروجيني، واعتبر التوتر بين السعودية وأمريكا حول خفض إنتاج النفط سحابة صيف مشددا على عمق العلاقات مع السعودية، والتي يعد ملف الطاقة جزءا بسيطا منها.
قبل هذه الانتخابات النصفية تمكنت السعودية من خلال تحالفات إقليمية ودولية وفي الداخل الأمريكي بالتحالف مع الجمهوريين وبعض الديمقراطيين من إماتة الملف النووي الإيراني، خصوصا بعد الحرب الروسية في أوكرانيا، فمثل هذا الملف لن يتأثر كثيرا بتلك الانتخابات، رغم أن بعد مجئ ترمب انسحب من الاتفاق النووي بشكل آحادي ووضع عقوبات مشددة على إيران أثرت على الناتج القومي الإيراني وانخفض من 600 مليار دولار إلى 250 مليار دولار ثم انخفض مجددا إلى 192 مليار دولار في 2022، وأصبحت العملة الإيرانية تنخفض بشكل دراماتيكي من 140 ريال مقابل الدولار في 1980 إلى 260 ألف بداية 2022 إلى 332 ألف ريال مقابل الدولار في بداية أكتوبر 2022.
* أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى بمكة سابقا











11/10/2022 - 11:07 AM





Comments