بقلم: ألفة السلامي
عودة مذهلة لماسح الأحذية لويس إيناسيو لولا دا سيلفا إلى مسرح السياسة في ولاية ثالثة كرئيس للبرازيل. وماسح الأحذية ليست سبّة طبقية مهينة كما قد يتخيل البعض بل هي تدعو للفخر من منظور الحراك الاجتماعي، حيث أثبت لولا أن الطبقة العاملة التي ينتمي لها يمكن أن تُهديَ البلاد رئيساً يحمل مشاغل "الغلابة" وطموحاتهم. وكان لولا قد فاز بانتخابات الرئاسة لأول مرة في 2002. لمستُ ذلك الطموح وتلك الفلسفة الاجتماعية المنحازة للطبقات الفقيرة والمهمشين عندما زرت البرازيل مع الجامعة العربية لتغطية أول قمة عربية لاتينية عام 2005. رأيتُ شعبيةً جارفةً تجاه الرئيس لولا من طرف قطاعات واسعة من الشعب. وعندما زرتُ مدرسة نموذجية للتعليم الفني وداراً لرعاية الأيتام والمشردين وشاهدت أتوبيسات تجوب شوارع ساوباولو لالتقاط أطفال الشوارع وكبار السن والمهمشين.. فهمتُ أكثر مصدر تلك الشعبية وقوة التجربة.
النموذج البرازيلي للتنمية:
لأول مرة أفهمُ معنى ودور سياسات الحماية الاجتماعية في تطبيق العدالة وبناء مجتمع مترابط وتقوية أوتاده بفضل دعم الطبقة الوسطى والفقيرة ومنحها التمكين لتعزيز دورها المحوري في التنمية، في الوقت الذي تآكلت وتدحرجت إلى أسفل سافلين في العديد من المجتمعات الحديثة. كما فهمتُ جيداً دور الرياضات والفنون في تهذيب الشخصية وتعديل السلوك وإنجاح منوال التنمية. قرأت عن تلك السياسات مطوّلاً من قبل في التجربة الناصرية لكنَّ الجدلَ حولها وملف سلب الحريات من بعض الفئات هزمها.
والرئيس لولا أخذ طريق السياسة من تحت مثلما يقال ولم ينزل بالباراشوت على كرسي الرئاسة كما ساعده ذلك في فهم عميق لمشكلات بلاده مما جعله يبلور نموذجاً مناسباً لطبيعة تلك المشكلات خاصة وأنه يحمل فكراً تنموياً مؤثثاً بالعديد من تجارب الدول الأخرى واستطاع أن يختار منها ما يناسب بلاده. ورغم انتقاد رجال المال والأعمال لسياساته لكنهم ما لبثوا أن تفاعلوا مع مشروعاته وحفزهم أيضاً دعمه للعملة المحلية الريال التي فرض التعامل بها في التبادل التجاري مع جيرانه ونجاحه في توسيع شراكات عديدة مع أفريقيا والدول العربية التي هاجر منها ملايين المهاجرين الأكفاء وساهموا في نهضة البرازيل الحديثة. واكتشفت خلال زيارتي للبرازيل أن قرابة 10 ملايين عربي أو منحدرين من أصول عربيّة وبعضهم يحتل مراكز بارزة في الدولة. وذكرهم الرئيس لولا بكل فخر وأثنى عليهم في حواري معه آنذاك. كما أكد على دعمه الثابت للقضية الفلسطينية ومطالباته في خطابه إلى الأمم المتحدة سنويا بمساندة الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة. وحدثني عن ذلك الانحياز أيضا للقضايا العربية في المحافل الدولية والسعي لعقد شراكات مثمرة مع مصر والدول العربية والأفريقية المهندس عادل عشماوي وهو من المصريين الناجحين هناك، رحمة الله عليه، هاجر في بداية الخمسينات إلى البرازيل بصحبة زوجته سلوى الغلاييني وهي فلسطينية الأصل تعمل بالتدريس. وقد تعرفت عليهما في ساوباولو من خلال ابنتهما صديقتي الصحفية المعروفة في الأهرام ابدو آنذاك رندا عشماوي، واستضافوني خلال مروري بالعاصمة حيث انعقد منتدى الأعمال العربي البرازيلي على هامش القمة التي احتضنتها العاصمة السياسية الجديدة برازيليا. وأكد عشماوي على النجاح الذي حققه لولا عند زيارته للدول العربية عام 2003 للترتيب للقمة وحجم التعاون والزخم الاقتصادي الذي رافقها، حيث كانت تلك الزيارة الأولى التي يقوم بها رئيس برازيلي إلى المنطقة منذ زيارة الامبراطور "دون بيدرو" في أواسط القرن التاسع عشر.
المناكفة وتعكير صفو القمة:
كان لولا يقود التحرك نحو تعزيز الحوار بين الجنوب جنوب تحت شعار مهم وهو تغيير جغرافيا العالم لتقوية الموقف التفاوضي لدول "الجنوب" مع دول "الشمال" الغنية التي حاولت استغلال مناخ العولمة لفرض أقسي وأقصى شروطها على حساب الدول النامية والفقيرة. كما حدثني عشماوي عن دور لولا في تعزيز تجمع "ميركوسور" أو سوق الجنوب لزيادة الشراكة الاقتصادية بين دول أمريكا اللاتينية والذي أدى إلى خلق منافسة حادة مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن وجدت في نجاح هذا التجمع تهديداً لخططها ومصالحها الحيوية التقليدية في هذه المنطقة وبدأت تتألم من انخفاض معاملاتها التجارية. وفهمت حينئذ أسباب الهجوم الأمريكي على القمة العربية اللاتينية 2005، وممارسة ضغوطها على القادة العرب حتى أنه لم يحضر منهم القمة سوى ستة. وكانت تلك القضية محور أسئلة توجهت بها خلال المؤتمر الصحفي للأمين العام للجامعة العربية وللرئيس البرازيلي، وتساءلت عن حقيقة رفض الرئيس لولا حضور أمريكا للقمة بدرجة مراقب والإشارات الأمريكية التي صدرت معبرة عن رغبة الولايات المتحدة في عدم انعقاد القمة. ثم تابعت بتساؤلات أخرى عن مغزى تصريح المتحدث باسم البيت الأبيض، ريتشارد باوتشر، بأن إعلان القمة العربية الأمريكية الجنوبية هو مجرد مسودة لن يتم إقرارها على الأرجح. وأذكر أن الأستاذ سعد هجرس رئيس تحرير العالم اليوم كتب مقالاً في 11-5 علّق فيه على مادار في المؤتمر الصحفي ووصفني بالزميلة المناكفة التي لاحقت القادة بالأسئلة المزعجة، ومنهم من قاطعني محاولاً إغلاق هذه القضية التي عكرت صفو القمة بلاشك.
من السجن إلى كرسي الرئاسة:
أعود لشخصية لولا المقاتلة أو "فايتر "- كما يقال بالانجليزية - وكيف أنه لم يكنْ يخاف من الضغوط الأمريكية أو يتراجع عن مبادراته التي تحقق مصالح شعبه وشعوب الدول النامية. وذكر لي في حوار متلفز نشرت بعض مقتطفاته بجريدة العالم اليوم في شهر مايو 2005 – إذا كانت ذاكرتي تسعفني- وتزامن ذلك مع انعقاد القمة في العاشر من مايو، ذكر أنه لولا فشله في محاولته ليصبح حاكم ساو باولو عام 1982 لما أصبح رئيساً للبرازيل بعد ذلك. الفشل يعلّمُ الطريق إلى النجاح، والتحديات ودروسها تصنع نموذجاً متميزاً في التنمية، يضاف إلى ذلك التميز الشخصي والفردي الذي يصنع حاكماً قادراً على قيادة بلده نحو التطور. ولولا دي سيلفا من هذا النوع من الحكام الذين يتميزون بالإرادة القوية، وهي التي أعادته أيضاً هذه المرة لسدة الحكم بعد أن حُكِم عليه بالسجن لمدة اثني عشرة عاماً في عهد الحكومة اليمينية السابقة بتهمة الفساد على خلفية التحقيقات في شركة النفط الحكومية. وأُطلق سراحه بعد ثلاث سنوات على إثر إلغاء المحكمة العليا إداناته، مما سمح له بالترشح مرة أخرى. وعاد على الفور إلى المعترك السياسي في سيناريو برازيلي قد يكون فريدا من نوعه.
وقسوة تجربة السجن لعجوز في أواخر السبعين من عمره لم تضعف عزيمته، ذلك أنه سياسيّ متمرس عنيد، لا يرمي المنديل في حلبة الملاكمة بل يتلقى اللكمة وينهض من جديد ويسدد اللكمات القوية وينتصر. وقد اعتبر مراقبون انتصاره على اليميني المتطرف، جائير بولسونارو، مفيداً ليس للبرازيل فقط بل أيضًا للعالم بأسره. أما لماذا هو انتصار للعالم فهذا يمكن أن نستدلَّ عليه من تجربة سلفه وما ألحق بالعالم من ضرر فادح. وهذا الضرر وخسائره أحد الموضوعات الذي تناقشها قمة الأمم المتحدة للمناخ المنعقدة حاليّاً في مدينة شرم الشيخ المصرية.
اختناق رئة العالم:
منذ أن تولى الرئيس بولسونارو منصبه في عام 2019، ارتفعت حرائق الغابات وإزالة الغابات في منطقة الأمازون، حيث تغاضت الحكومة الفيدرالية عن قطع الأشجار غير القانوني وأنشطة التعدين والرعي الجائر وتحولت الغابات المطيرة في البرازيل من بالوعة الكربون إلى مصدر الكربون. ولو كان قد استمرّ بولسونارو في الحكم، فإن الضرر الذي لحق برئة العالم سيكون لا رجعة فيه، مع آثار كارثية على أنظمة الطقس العالمية والأمن الغذائي. لذلك سوف يتنفس العالم بسهولة أكبر مع لولا دا سلفا.
وكان بعض المراقبين قد أطلق على بولسونارو لقب "ترمب المناطق المدارية" ، حيث أنه، مثل الرئيس الأمريكي السابق، طبق سياسات عدوّة للبيئة إضافة إلى كونه سلح أنصاره وسمح بإغراق البلاد بالأسلحة كما هاجم النساء والأقليات واستخدم عبارات لا تحترمهم. وفشل في إدارة أزمة كوفيد حيث أودت الجائحة بحياة ما يقرب من 700 ألف شخص مما رفع أعداد الفقراء في البرازيل إلى أعلى مستوى على الإطلاق خلال عقود.
لذلك فإن البرازيل التي عاد لولا دا سيلفا ليحكمها هي بلد مختلف تمامًا الآن عن البلد الذي ترأسه آخر مرة. عندما ترك منصبه في 2010 كانت البرازيل سابع أكبر اقتصاد في العالم، وتراجعت الآن إلى المرتبة الـ13. وتواجه حاليّاً تحديات خطيرة مع ارتفاع الديون وتعميق الانقسامات. ومن غير المرجح أن يستمر الانتعاش الاقتصادي المتواضع في البرازيل حيث يواجه العالم ركودًا لن يفلت منه البرازيل. كما أن انتصار الرئيس لولا لم يغير حقيقة أنه يواجه الكونغرس الذي يهيمن عليه المحافظون المتحالفون مع بولسونارو.
قد يحتاج الرئيس لولا إلى إبرام صفقات للحصول على تمرير أي تشريع جديد. ومن المحتمل أن تكون الإصلاحات الهيكلية الكبيرة التي تحتاج إلى تغييرات في الدستور غير مطروحة على الطاولة. لكنه سيحظى بدعم بعض القوى الخارجية بفضل سياساته البيئية. عرض الرئيس جو بايدن مؤخراً إنشاء صندوق بقيمة 20 مليار دولار لمنطقة الأمازون بمجرد أن تبدأ البرازيل في حماية غاباتها المطيرة. ورغم كون الأمريكان كانوا على خلاف مع دا سيلفا طيلة فترتي حكمه نظراً لكونه يساريَّ الهوى والنهج يرتبط بعلاقة وطيدة مع كوبا وفيدال كاسترو زعيمه الروحي، وفنزويلا ورئيسها الأسبق هوغو شافيز، و كلاهما عدوّان لدودان للولايات المتحدة.
دروس من صاحب الأصابع التسعة:
الولايات المتحدة قد تكون أدركت الآن أن حكم اليميني المتطرف بولسونارو أفقد البرازيل طريقها وعقلها وأن انتصار لولا يمكن أن يعود بها إلى طريق العقل. قبل الانتخابات الرئاسية وخلال الحملة الانتخابية كان معظم أنصار حزب العمال يصدِّقون لولا دا سيلفا عندما يقول إنه كان ضحية مؤامرة لمنع عودته إلى السياسة. بينما يعتقد فئة من رجال الأعمال أنه لصٌّ ومحتالٌ لدرجة أن أحدهم نعته باللصّ "ذي التسع أصابع" حيث فقد لولا أحد أصابعه في حادث بأحد المصانع أين كان يعمل عندما كان شاباً. ورغم هيمنة دعاية المنافسين على الحملة الانتخابية وملاحقتها للرئيس لولا بتهم غسيل الأموال والفساد والتي حُكِمَ عليه فيها بالسجن لمدة 12 عاماً إلاَّ أن الملايين من الناخبين الذين رجحوا كفته في الانتخابات طووا هذا الملف على ما يبدو، وتذكروا إنجازات فترة حكمه خاصة برامج الحماية الاجتماعية التي نفذها خلال فترتي رئاسته الأولى بين 2002 و2010 وكيف انتشلت الملايين من براثن الفقر، ناهيك عن القضاء عن ظاهرة أطفال الشوارع التي كانت الأكبر والأخطر في العالم وكيف أدخلهم دور الرعاية وتم تعليمهم وتدريبهم مهنياً كما تم تعديل سلوكهم وأصبح منهم الآلاف محترفين في لعبة كرة القدم ومختلف الألعاب الرياضية وفنيين في صناعة الهواتف المحمولة وإصلاحها وصناعة الألعاب "الجيمز" وبرامج الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات والبرمجة وصناعة محركات الطائرات، إضافة للفنانين ومصممي الموضة. وكانت فلسفته التي استمعت إلى شرحها منه شخصيا أن أطفال الشوارع لديهم ذكاء خارق لم يُستخدم، فتمردوا وخرجوا للشارع في غياب البديل التربوي الذي يحتويهم، لذلك عندما يتوفر البديل الذي يلائم هواياتهم فإن مهاراتهم تتفتق ويبدعون أفضل من غيرهم.
والدرس هنا أن الشعوب تتذكر جيداً حكامها وتنصفهم عندما يأتيهم الأسوأ ، عندها يعضون أصابعهم حسرة على كل ما فقدوه من مكاسب لم يكونوا ليدركوا قيمتها لو لا حرمانهم منها. فقيمة الشيء غالباً ما نعرفها عندما نفقدها. وأتذكر أن جريدة التايم اختارت لولا دا سلفا عام 2010 الزعيم الأكثر تأثيراً في العالم، واعتبرته جريدة لومند الفرنسية عام 2009 شخصية العام. وكان أمراً لافتاً أن تختار صحافة الدول الليبرالية شخصية يسارية مثل لولا كنموذج للنجاح. ومازال لدى لولا الكثير على ما يبدو لتقديمه ليس فقط للبرازيل بل للعالم الذي يمر بأزمة طاحنة تحتاج قادة من نوع خاص مقاتلين مثله ليس بالسلاح وإنما بالسواعد التي تزرع وتصنع وبالخيال الذي يفكر ويحلم وهو القائل "لا يستطيع أحدٌ أن يحصدَ الثمارَ قبل أن يزرعَ الأشجارَ".











11/09/2022 - 14:05 PM





Comments