ألسفير د. هشام حمدان
هل الدّين أفيون الشّعوب؟ الأفيون مادّة مخدّرة تستخرج من نبات الخشخاش. يستخدم لاستخراج المورفين، ألذي يعتبر مادّة طبيّة، وأيضا لصناعة الهيروين، التي تعتبر مادّة مخدّرة للجهاز العصبيّ المركزيّ، ويسبّب إدمانا جسديّا ونفسيّا قوّيّا يجعل من متعاطيه، أداة طيّعة لمن يوّفره له. وهو معتبر من المخدّرات الممنوعة.
إذا، الأفيون له استخدامات مفيدة، وأخرى سيئة. وهكذا الدّين، فهو حاجة لتهدئة النّفس الطّمّاعة، ولترقية الحسّ عند الإنسان من مرتبة الحسّ الحيواني الغريزي، إلى مرتبة الحسّ الإنساني، عبر تغذية العقل بالفكر الإيجابي، الذي يغلّب منطق التّفاعل السّلمي بين النّاس، والمشاركة في تعزيز الفرح والمحبّة. لكن، وللأسف، فإن الطبيب الذي حمل هذا الدواء للإنسان، جعل منه مادّة تجاريّة تغنيه وتزيد من سلطانه، فاستخرج الفقه والإجتهاد ليجعل منهما مخدّرا يطوّع النّاس في خدمته.
هكذا كانت عليه الحال منذ وجدت البشريّة. كان الإنسان يفتّش دائما في الغيب، ومظاهر القوّة الطّبيعيّة ليجعلها آلهة له. فلما نزل الوحي الدّينيّ، صار المعبود واحد، هو الله عزّ وجلّ. ولكنّ الكهنة، ورجال الدّين، تحوّلوا إلى فقهاء ومجتهدين. تناسوا المعبود الواحد، وراحوا يتقاتلون على أساليب العبادة والطّقوس. وكلّ ذلك، لتعزيز قوّة هذه الجماعة أو تلك، وبالتّالي تعزيز قوّة هذا الفرد أو ذاك. برزت مؤسّسة الكنيسة والجامع، فصار الإنسان يعرّف بانتمائه إلى هذه الكنيسة أو تلك، أو إلى هذا الجامع أو ذاك. حتى عبادة الله لم تعد حصانة. ألحصانة تقيمها المؤسّسة، فهي من تمنح الشّهادة والبراءة، أو تصدر الأحكام والإدانة.
لست أسعى إلى مناقشة نصوص الكتب السّماويّة. ولن أتحدّث عن قناعاتي الشّخصيّة، بل أريد أن أقرأ في تاريخ العلاقات الدّوليّة، كي أبرز كيف تحوّل الدّين إلى سبب للصّراع بين الدّول والشّعوب، وكيف تتطوّر تفاعل الدّول مع هذا العامل.

عندما برز العبرانيون وهم قوم من الكنعانيين، إنتشروا في أجزاء من فلسطين في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، قالوا أنّ الله منحهم الأراضي الكنعانيّة (ما عدا فينيقيا) فأقاموا عليها سلطانهم. حوّل العبرانيون الرّسالة الدّينيّة إلى هيكل زمني تمثل في مؤسّسة الكنيس، وبمنطقة جغرافية محدّدة، وبهويّة قوميّة (ألمملكة الإسرائيليّة). وعليه، صاروا ضحيّة الغزاة والملوك الطامعين في تلك المنطقة الجغرافيّة.
جاء السيّد المسيح عليه السّلام، كانت رسالته من داخل جغرافيا العبرانيين، أنّ الله للجميع، وأنّ المطلوب هو نشر رسالة الله بغية بعث الحسّ الإنساني بين كلّ الشّعوب. صلب السيّد المسيح أمام جبروت المادّة والثّروة والسّلطة. إنتشر تلامذته يحملون رسالته. لم يحملوا السّلاح ولم يخرجوا جيوشا. فبلغوا قلب الإمبراطوريّة الرّومانيّة. آمن الإمبراطور الرّوماني بالمسيحيّة فانتشر في كل أصقاع الأرض التي كانت تحت الإحتلال الرّوماني.
تحوّلت المسيحيّة من رسالة، إلى مؤسّسة كنسيّة لها طقوسها. وأصبحت الكنيسة القوّة الأفعل في أوروبّا. وزادت قوّتها مع الحملات الإسلاميّة على أوروبّا. رفع المسلمون شعار الجهاد لنشر الدّين الإسلامي، فقابله المسيحيون بشعار من حقّ المسيحيّين ألقتال لاسترداد المناطق التي انتشرت فيها المسيحيّة قبل الإسلام. تحوّل العامل الدّيني إلى سبب في الحروب العربيّة الأوروبّيّة.
شكّلت إندفاعة العثمانيّين في أوروبّا، سببا لإستهداف السّلطنة، في كلّ مكان كانت تتواجد فيه. فقد ورثت السّلطنة كل أعباء الدّولة الإسلاميّة، وفوائدها، فتابعت الحروب في أوروبّا وفي أمكنة أخرى. كلّ ذلك، تحت العلم الإسلامي، ممّا جعل الأوروبّيّين، يحملون العلم المسيحي في مواجهتها. وقد تضافر التّطوّر العلمي في أوروبّا، مع العامل الدّيني، ليجمع بين العلم المسيحي، والعلم الإستعماري. وفي حين أدّى التطوّر العلمي في أوروبا، إلى متغيّرات هيكليّة عديدة في دولها (كنهوض الفكر الإصلاحي الدّيني، والفكر اللّيبرالي والقومي)، كان التّراجع العلميّ في السّلطنة، يؤدّي إلى إزدياد التمسّك بالعامل الدّيني للمحافظة على قوّتها وتماسكها.
دفعت أوروبّا غاليا، ثمن التطوّر العلمي، فوقعت الحروب الدّينيّة لأكثر من مئة سنة، وقامت إنقسامات وحروب بين الدّول، واختلفت التّحالفات بين مكوّناتها السّياسيّة. كلّ هذه الحروب، إنتهت إلى توافق معيّن، حمل بدوره، متغيّرات، سواء في أهداف الحروب الأوروبّيّة مع السّلطنة العثمانيّة، أو في حروبها الإستعماريّة في المناطق الأخرى. ظلّ العامل الدّينيّ، عاملا يجمع أوروبا المسيحيّة على مختلف كنائسها الإصلاحيّة، لخوض الحروب مع الدّولة العثمانيّة، ولاسيّما لإخراجها كليّا من أوروبّا، ووراثة الأراضي التي تسيطر عليها. وهو شكّل حجّة مشتركة أساسيّة بينها، للتّدخّل في شؤون السّلطنة، حيث يوجد مسيحيّون. أمّا غير ذلك، فقد تمايزت في التعاون بينها، في الحروب التي خاضتها كلّ منها ضدّ السّلطنة، وذلك وفقا لمصالحها القوميّة الإستعماريّة.
ولا ننسى أنّ العثمانيّين كانوا دولة لها خصوصيّاتها. هي قامت أساسا، بعد حروب لها الطّابع التّنافسي مع قوى إقليميّة أخرى، رغم أنّها قوى إسلاميّة. كانت الهويّة القوميّة، والرّغبة بالتّوسّع والثّروات عند الشّعوب الأخرى، هي العناصر الطاغية، لكلّ هذه القوى، في اندفعاتها للحرب أو للسّلام. ألدّين كان أداة للتجيّيش، سواء داخليّا أو بين سكّان القوى الأخرى. فخاض العثمانيّون ألحروب مع الفرس، ومن ثمّ مع المماليك، ووصلوا إلى مصر حيث كان مركز الخليفة العباسي. هناك، تمّ التّنازل لهم عن الخلافة الإسلاميّة وسمي سلطان العثمانيّين بخليفة المسلمين. وقد ساد بين العثمانيّين وجيرانهم الفرس، حروبا عديدة رغم أنّ الجانبين يؤمنان بالدّين الإسلامي. حروبهما لم تحمل راية الكتاب، بل راية الفقه والشريعة اللذين حوّلا الإسلام إلى مذاهب. المذهبيّة صارت أقوى من الدّين، كما صارت الكنائس المسيحيّة المختلفة، أقوى من الدّين. الإيمان صار للطقوس، وليس للمعبود.
نحن في لبنان، نستمرّ جزءا من هذا الصّراع المذهبي المستمرّ منذ تلك الفترة التّاريخيّة. خدعنا أنفسنا في ستينات وسبعينات القرن الماضي، فصدّقنا أنّنا أصبحنا ليبراليّين كالأوروبّيّين، ويمكننا أن نتجاوز لعبة الدّين والمذهب، لنختار القوميّة والقضيّة. كذبة أخرى عن ذكائنا اللّبنانيّ. فسرعان ما تبيّن كم نحن ما زلنا أدوات يلهو بها المستعمّر ألأوروبّيّ منذ أن أدرك خضل الصّراع المذهبي بين شعوبه، وأهمية تغذية هذا الصراع عند غيره، والإستفادة من التطوّر العلمي لتعزيز قدراته، وجمع الثروات، وبدأ شراكة، لتفكيك الإمبراطوريّة العثمانيّة (عفوا، السّلطنة العثمانيّة الإسلاميّة) فيما بين دوله. متى نستفيق كما استفاق شعب أوروبّا؟











11/07/2022 - 10:48 AM





Comments