حسن الخطيب
كنت أتابع مؤخراً مقابلة لأحد النواب السابقين والذي لست من المعجبين به على الإطلاق نظراً لحدّة أسلوبه وانتمائه إلى خط سياسي لا أؤمن به. غير أنّ ما حثّني على متابعة المقابلة هو إحدى الجمل التي استرعت انتباهي، حيث قال النائب: من ليس لديه ذاكرة قوية، لا يجب عليه أن يعمل في الحقل الوطني والسياسي. ما إن سمعت هذه الجملة، حتّى أدركت أنّه محق فالذاكرة مهمة في الحياة نظراً إلى أنّها تساعد الشخص على تقييم تجاربه وأخد العبر من مطبّاته و تطبيق دروس تجارب الماضي على الحاضر والمستقبل. منذ ان استمعت إلى هذه الجملة، حتى وجدتها التوصيف الأمثل لحالة الشعب اللبناني. نعم، إنّ الشعب اللبناني ليس لديه ذاكرة.
إنّه من الطبيعي على كل شخص متابع ولو بشكل سطحي لمجريات الوضع اللبناني أن ينتبه إلى أنّ الشعب العظيم يتقن تحويل كل إنجاز أو حدث إلى حفلة شتائم وتناحر لا تنتهي إلاّ عند ظهور حدث آخر كفيل بإشباع أحقاد الجمهور الدفينة. في عالمنا الإنساني، يعتبر المرض من أقصى أنواع المحن والتجارب التي قد تمرّ على الإنسان، وعادةً ما يترفّع الإنسان عند المرض عن الصغائر و الضغائن كي ينحني أمام ألم الشخص المقابل، ومن هنا تأتي عبارة: لا شماتة في المرض.
ما ان اندلعت أزمة جائحة الكورونا في لبنان، وبدلاً من أن تدفع هذه المحنة بالشعب المقسّم والمجزّء إلى الترفّع عن الأحقاد و السلبيات، سرعان ما تحوّلت المحنة إلى آداة استخدمها كل فريق لمعايرة ومحاربة الآخر. أتذكر تماماً وإن أسعفتني ذاكرتي أنّ أوّل سيدة مصابة بالكورونا كانت على متن طائرة قادمة من إيران، وما هي لحظات حتى انهالت التعليقات من معارضي سياسة الفريق المتحالف مع الإيران لتؤكد أنّ كل المصائب مصدرها هذا البلد. بسطت كورونا مجدها على أرض الوطن، وكان أن أعلنت حالة الطوارئ في مدينة بشري، فتصدّرت تعليقات الشماتة مواقع التواصل لتذكّر الفريق الذي هاجم إيران أنّ القدر عاقبه وأنّ بشري أصبحت منكوبة.
من غير المجدي التحدث عن ثورة 17 تشرين و ما تبعها من أزمات والتي شلّعت أوصال الوطن بشكل غير مسبوق. حتى انفجار المرفأ تحول إلى حرب عالمية بين الأطراف الذين تبادلوا الإتهامات حول الطرف المسؤول عن الإنفجار. كما تحوّل الإنفجار إلى صراع طائفي، فتعالت الأصوات المطالبة بتحرك النواب المسيحيين لمعالجة المناطق المنكوبة، وذهب أحد الكهنة المتطرفين إلى اعتبار الإنفجار رسالة من الله إلى الشعب المسيحي الذي ضلّ الطريق.
جاء حدث الترسيم، فأصبح الجميع خبراء في الجغرافيا والنفط والسياسة. دارت حرب شرسة بين مؤيدي الخطوة والذين اعتبروا أنّ الترسيم هو حدث استثنائي يسجّل لرئيس الجمهورية و الفريق الموالي له، ليردّ الفريق الخصم بحملات التخوين والتسخيف مستخدماً العبارة الشهيرة: ما يكونوا هنّي يللي حطّوا النفط ونحنا مش عارفين؟
دقت ساعة نهاية ولاية رئيس الجمهورية، فقرعت طبول الحرب على صفحات التواصل الإجتماعي وأصبح كل شئ مرتبط بالحدث مادة للتناحر، بدءاً بخطاب الوداع، وأرقام الحشد الذي ودّع الرئيس السابق وصولاً إلى القيمة المالية للمنزل الذي أصبح المقر الجديد للرئيس المنتهية ولايته.
خضع رئيس حزب القوات اللبنانية البارحة لعملية جراحية في عينه، فانهالت التعليقات المتمنية الموت له. أقامت السيدة داليا جنبلاط حفل زفافها، فأصبحت عرضة لحملة تنمر واسعة تعرّضت لشكلها.
وماذا بعد؟ في الفترة التي تلت الإنتخابات كان الرهان على التغيير، وعلى الرغم من أنّ الإنتخابات استطاعت الإتيان بوجوه جديدة، لم يستطع النواب الجدد إحداث أي فرق، فانقسموا على أنفسهم وأصبح آداءهم المخيب للآمال محطّ سخرية الجماهير. وفي الواقع، فإنّ النواب الجدد لم يفهموا طبيعة نظام الحكم ولا طبيعة المنطومة الحاكمة، ولم يتصرفوا على أساس أنّنا في حالة طوارئ تستدعي منهم الترفع عن أي اختلافات في الرأي من أجل التضامن في وجه دهاء المنظومة الحاكمة، فقدموا آداء غير ناضج و خسروا كل معاركهم حتى اللحظة.
كيف يمكن لشعب مرّ بكل هذه الويلات منذ العام 1975 ألاّ يملك القليل من الذاكرة؟ ألم ير هذا الشعب الذي كاد أن يأكله الحقد قبل إجراء الإنتخابات صور النواب المتخاصمين يتبادلون العناق و المزاح بعد النتائج؟ ألم يروا زعماء لبنان يطبّقون مقولة محمود درويش يومياً: "ستنتهي الحرب ويتصافح القادة وتبقى تلك العجوز، تنتظر ولدها الشهيد وتلك الفتاة، تنتظر زوجها الحبيب وأولئك الأطفال، ينتظرون والدهم البطل. لا أعلم من باع الوطن". مؤسف ما يحصل.
في الحياة الأمل مهم من أجل الإستمرار، فبالأمل نستطيع انتظار الغد. ولكنّ الصراحة أنّ الشعب في لبنان أصبح مدعواً لمراجعة حساباته و تقييم خياراته في ضوء كل ما حصل. وعلينا أن لا ننسى أن استمرار المنظومة الحاكمة طوال هذه السنوات ما كان ليحصل لولا استخدام السلاح الطائفي القائم على التخويف من الآخر، فالطائفية المزروعة في نفوسنا هي من سمحت لهؤلاء الحكام بالتربّع على عرش الوطن لسنوات سنوات.











11/04/2022 - 13:43 PM





Comments