
السفير د. هشام حمدان
2- ألتّحوّلات الإقتصاديّة والماليّة في العالم خلال القرن التّاسع عشر
مقدمة: شكرا لكلّ من تفاعل ويتفاعل، مع هذا البحث، ويتابعه. وقد قرأت التّعليقات العديدة، التي وردت على الفقرة الأولى من هذه السلسة من المقالات. وبالطبع، أوافق على النتيجة الأوّليّة التي أبرزتها التعليقات بشأن العامل الطائفي. لكنني أقول، أنّ هذه النتيجة، لايمكن أن تكون قاعدة التغيير بإطار منعزل عن الجوانب الأخرى التي سابرزها تباعا في سلسلة مقالاتي. هناك عدّة عوامل أخرى، يجب أن نأخذ بها في تحليل واقعنا، وما وصلنا إليه حتّى الآن. وفيما يلي، أقتطع فقرة من بحثي، ألذي أتابع إنجازه، بعد أن وجدتها تتناسب مع السياق العام لهذه السلسة.
ألمقالة: أدّى التّقدّم العلمي والصّناعي في أوروبّا والولايات المتّحدة، ومن ثمّ في اليابان، وتراكم الأموال الناجمة عن الحركة التّجاريّة، وقيام الثّورة الصّناعيّة، إلى ازدهار إقتصادي كبير في هذه الدّول. تطوّرت وسائل النّقل، ووسائل الإنتاج والتّسويق. إختلفت أساليب الزّراعة، والصّناعة، والتّجارة.
وقد أدّى تطوّر وسائل إلى النّقل، كبروز سكك الحديد، والنّقل البحري البعيد المدى، إلى اختصار المدّة الزمنيّة في الحركة التّجاريّة والشّحن وغيرهما. كما اختلفت نسبة الجودة في المنتوجات، وحجم الإنتاج والكلفة. دخلت أساليب زراعيّة وتقنيّات جديدة، رفعت من المحاصيل، ودفعت لإنشاء ملكيّات زراعيّة مختلفة كبيرة، متخصّصة في أنواع معيّنة من الإنتاج الزّراعي.

برزت مصادر جديدة للطّاقة، وارتفع تدفّق المعادن الأوّليّة من حديد وصلب وغيرهما، ممّا ساعد في إقامة صناعات جديدة. تطوّر عمل المصارف، فدخلت سوق التّمويل من خلال القروض، وبدأت تلعب دور المحرّك للحياة الإقتصاديّة في هذه الدّول. إتّسعت المؤسّسات الصّناعية مع تدفّق مصادر التّمويل، لتتحوّل إلى شركات كبرى، تعمل من خلال تركيز إنتاجها، أفقيّا أو عاموديّا، على إنتاج مواد مشابهة، والعمل في إطار اتّفاقيّات مشتركة بينها، على إنتاج مادّة معيّنة يمكن أن تحفظ الشّخصيّة القانونيّة للشّركة، بغية الحدّ من المنافسة (الكارتيل)، أو يمكن أن تسمح بالإندماج في مؤسّسة واحدة (التّراست)، أو تسمح بتجميع الشّركات، ولو مختلفة النشاطات الإقتصاديّة، تحت مسمى هولدنغ. كلّ ذلك، عزّز النّظام الإقتصادي في كلّ هذه الدّول، وزاد من الدّخل القومي الصّافي لها، وأنشأ مفهوما جديدا للنّظام الإقتصادي، بدلا من نظام الإقطاع، هو النّظام الرأسمالي.
هذا التّوسّع في المصالح الإقتصاديّة والتّجاريّة والماليّة، ألذي أدّى إلى نشؤ ما يسمى بالنّظام الإقتصادي العالمي، بات يحيط بكلّ أشكال العلاقات الإقتصاديّة بين الدّول والشّعوب. كان لا بدّ من تنظيم هذه العلاقات، سواء داخليّا أو دوليّا. وقد خلق واقع إقامة مستعمرات لهذه الدول، وراء البحار، حاجة لتنظيم التّنافس. إختلفت النّظم المحليّة في تلك الدّول، لكن سادها قاسم مشترك، هو منح القطاع الخاصّ، أي القوى النّاشطة خارج الحكومة، حرّيّة العمل الإقتصادي. كما وضعت شروطا معيّنة مماثلة، تضمن الإستقرار الدّاخلي، بما في ذلك، الضّمانات الإجتماعيّة، والضّمانات القضائيّة، لتسوية النّزاعات المحليّة، والأحكام الإداريّة الماليّة، ألتي تضمن عائدات للدّولة، من نشاط الشركات عبر الضّرائب.
أما على الصعيد الدّولي، فقد أشرنا إلى الطّرق التي اعتمدتها هذه الدّول، لتحقيق تسويات سلميّة لنزاعاتها، وكذلك إنشاء الإتّحادات التي تنظّم العلاقات بينها، بغية الإستفادة من تقدّمها العلمي والتّكنولوجي، وكذلك الإقتصادي. وقد لاحظنا مثلا، نشؤ الإتّحاد الدّولي لنشر التعريفة الجمركيّة بينها، عام 1890. فرض هذا التطوّر، على القوى الكبرى خارج أوروبّا، مثل السّلطنة العثمانيّة واليابان، إعتماد هذه النّظام للّحاق بها، كما أشرنا آنفا. وعليه، يمكن القول، أنّ هذا التطور الإقتصادي خلال القرن التّاسع عشر، كان بداية التّحوّل الكبير، نحو العولمة.
لاحظنا أنّ اليابان، أمكنها فعلا إجراء التّحوّلات المتوافقة مع النّظم الإقتصاديّة الجديدة، ولاسيما بانهاء الحكم الإقطاعي فيها، ومن دون إعاقة من الغرب. أما في السّلطنة، فقد رأينا أنّ الغرب لم يسمح لها بتحقيق التّقدّم المنشود، ما لم تقم بإصلاحات عميقة، كانت ستفرض عاجلا أم آجلا، إدخال العلمنة إلى نظامها السّياسي في الحكم (هذا ما حصل لاحقا، مع تولّي أتاتورك للسّلطة في تركيّا).
لقد رأينا في حينه، نتيجة الصّراع الذي قام بين الإصلاحيّين اللّيبراليّين في السّلطنة، ألذين كانوا يريدون تبنّي النّظم الغربيّة، مع إقامة حكم ذاتي للشّعوب الخاضعة للسّلطنة، والإصلاحيّين القوميّين الذين غلبهم الحسّ القومي، فأرادوا تبنّي هذه الإصلاحات أيضا، لكن في إطار إتّحاديّ مع هذه الشعوب، يفرض عليها، بشكل أو بآخر، ألعثمنة. هذا لم يكن مقبولا إلى الغرب، ولا إلى شعوب الدّول الخاضعة للسّلطنة. ألغرب كان يريد في المحصّلة، إنهاء إلإسلام السّياسي، والإستيلاء على الدّول وشعوبها، الخاضعة للسّلطنة.

أمّا الدّول الخاضعة للسّلطنة، أو إلى الإستعمار الأوروبّي والأميركي والياباني، فلم تكن قادرة على تقرير مصيرها، واختيار نظمها. فظلّت خاضعة لإرادة السّلطنة والمستعمرين. وعليه، فقد فرض هؤلاء، نظما محليّة في هذه الدّول، وفقا لمصالحه. فأقام الإستعمار في الدّول التي خضعت له، نظما تسهّل مصالح شركاته، وتعيق شعوبه على استنباط طرق لمنافسته، أو اللّحاق به، بل تمنع عمليّا قدرة اللّحاق به، والتغيّير لديها، حتّى لو رغبت بذلك. وفي هذا الإطار، قامت الدّول المستعمرة، بالتّوريّة، على ممارسات شركاتها الوطنيّة في تلك الدّول.
بل أنّها عمدت إلى حماية هذه الشّركات بالأعمال العسكريّة. وقد لجأت الشّركات، إلى إنتاج الفساد بين الحكّام في تلك الدّول، من خلال إثراء هؤلاء على حساب شعوبهم. جبل لبنان كان يخضع نظريّا للسّلطنة العثمانيّة، لكنّه كان خاضعا عمليّا للإستعمار الأوروبّي. وعليه فقد قام نظام فيه، مشابه للنّظم التي صنعها الإستعمار، فتمنع التّغيير، وتحمي منعه، وتدفع بالفساد.











11/03/2022 - 09:49 AM





Comments