د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
ذكرت رئيسة المفوضية الأوربية أورسولا فون دير أن الاتحاد الأوربي حصل على 90 في المائة من غازه من الواردات، ويأتي 45 في المائة منها من روسيا، بالطبع ترى أوروبا أن استيراد الغاز السائل يقلل من هذا الاعتماد، لكن الاتحاد الأوربي اتخذ إجراءات منذ اتفاق المناخ في باريس 2015 التحول نحو الطاقة المتجددة، لكن زيادة الأسعار في سوق الطاقة في الوقود الأحفوري مثل النفط والغاز والفحم يثبت أن مسار التحول نحو الطاقة المتجددة لم تؤتي أكلها، رغم أن تكاليف الطاقة المتجددة تنخفض على نحو متواصل منذ سنوات، لذلك ... فهل تنجح دعوة حظر استيراد النفط الروسي بسبب الحرب الروسية في أوكرانيا التي تكلف موسكو المليارات؟.
الحرب الروسية في أوكرانيا تصب في صالح الراعي الأمريكي التي أعاقت الاندماج الروسي في أوروبا، وهو من أهم أهداف بايدن التي أتى من أجل تعزيز التواصل بين ضفتي الأطلسي، بعدما تزعزعت الثقة بين الجانبين في عهد ترمب، وتخويف أوروبا من قلب الأرض وفق نظريات جيوبولتيكية عديدة منها نظرية ماكندر وغيرها الذي هزم نابليون وهتلر الذي مساحته اكثر من 17 مليون كيلومتر مربع وتحتوي أراضيه على أكثر من 30 في المائة من ثروات العالم الطبيعية، تقدر بنحو 75 تريليون دولار، لكن ناتجها المحلي لا يتجاوز 1.57 تريليون دولار عام 2021، أقل من ثلث الاقتصاد الياباني، وأكثر قليلا من ثلث الاقتصاد الألماني، وأقل من الاقتصاد الإيطالي، فيما تبلغ مساحة أوروبا بأكملها نحو 10 مليون كيلو متر مربع، رغم ذلك يعتبر اقتصاد أوروبا البالغ نحو 22 تريليون دولار يوازي اقتصاد الولايات المتحدة، لكن الاتحاد تعرض لأزمة خروج بريطانيا التي تشكل 14 في المائة من ناتج الاتحاد الأوربي، وتعتبر بريطانيا القوة الضاربة الثانية بعد ألمانيا، فأزمة البريكست أضعفت من مكانة الاتحاد الأوربي سياسيا واقتصاديا وتجاريا.
استثمرت روسيا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي في مطلع عام 2020 مما فتح شهية روسيا في غزو أوكرانيا، بسبب أن الولايات المتحدة شجعت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي في عهد ترمب حتى لا يتحول الاتحاد الأوربي إلى قطبا عالميا يحمي نفسه من جهة، ويقف بوجه قيام أي نظام يعتمد على قوة عالمية واحدة تتحكم بالعالم أو أي تنافس بين قوتين.
وغزو روسيا أثبت لدول الاتحاد الأوربي حاجتهم لحماية الراعي الأمريكي بعدما كانت أوروبا تبحث عن الاستقلال الدفاعي الذي دعا له ماكرون حين وصل إلى السلطة في تشكيل قوة دفاع أوربية كثقل موازن لتحالف الناتو خشية أن يكون الحلف رهينة الولايات المتحدة في زمن ترمب، ولكن المستشارة السابقة أنجيلا ميركل طلبت من ماكرون تأجيل المشروع حتى لا يحدث تصادم مع ترمب، حيث تطالب دول البلطيق وبولندا منذ زمن طويل بحماية أكبر من خلال الاتحاد الأوربي.
كان يفترض أن يؤدي انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة إلى عودة أوروبا إلى واجهة التاريخ بسبب أن الاتحاد الأوربي فشل في الدفاع المشترك عام 1954، فيما أصبحت الولايات المتحدة تتكفل بحماية وأمن واستقرار أوروبا الغربية والدفاع عنها ودرء أي خطر يتهددها من الاتحاد السوفيتي آنذاك، أي أن الاتحاد الأوربي أصبح يجد صعوبة في مواجهة ثلاث قوى الولايات المتحدة والصين وروسيا، وقد تكون صدمة الحرب في أوكرانيا سببا في تحويل الاتحاد الأوربي إلى لاعب عسكري مهم في الخريطة العالمية، لكن بعد الحرب الروسية في أوكرانيا تحركت الدول الأوربية بحزم واتحاد غير مسبوقين في مجال الدفاع، فقد بدأت حكوماتها في زيادة الانفاق العسكري، فقد رفعت ألمانيا أكبر اقتصاد في أوروبا الإنفاق العسكري من 52 مليار يورو إلى مائة مليار يورو، وتنفق أوروبا 250 مليار يورو سنويا على الدفاع ولكنها بحاجة إلى مزيد من الإنفاق.
أيضا جاء إعلان ماكرون عن موقع فرنسا في مقعد القيادة الدورية للاتحاد الأوربي عما يسمى بوصلة استراتيجية أمنية لأوروبا، وإرسال وحدات لحماية الحدود الشرقية لحلف الناتو، وطلبت دول الشمال السويد والنرويج وفنلندا الانضمام إلى الناتو بعدما أعادت روسيا الحرب إلى أوروبا بعد 77 عاما، وعلى الرغم من امتلاك أوروبا القوة الاقتصادية والإمكانيات التكنولوجية لتوليد قدرات دفاعية كبيرة، لكن بعدما اتضحت التهديدات الروسية، فإن أوروبا لا تستطيع مواجهة هذا التحدي بمفردها، كما أن الولايات المتحدة بحاجة إلى الاقتصاد الأوربي لأنهما يشكلان أكثر من نصف الاقتصاد العالمي لمواجهة التحديات الاقتصادية الناشئة عن الصين، فقد سلطت الحرب في أوكرانيا الضوء على الأدوار غير التابعة للاتحاد الأوربي وفي مقدمتها الولايات المتحدة كضامن أمني إلى جانب تعزيز الدفاع الوطني.
أيضا أثار الغزو الروسي لأوكرانيا مخاوف تتعلق بأمن الطاقة، وبعدما كانت أوروبا تركز على نقل الاستثمارات من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة، وحذرت السعودية وقتها من تأثير هذه الخطوة على أمن الإمدادات، وطرحت بديلا لهذه الرؤية بخطط مزيج الطاقة واليوم أوروبا تتبنى تنويع إمدادات الطاقة حيث لجأ الاتحاد الأوربي إلى تبني خططا لتنويع إمدادات الوقود الأحفوري في أوروبا بعيدا عن روسيا مع التحول بشكل أسرع إلى الطاقة المتجددة، إلى بناء مشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية بشكل أسرع، ولكن السؤال هل يقع الاتحاد الأوربي في مأزق جديد عندما يطرح خطط تقليل الاعتماد على النفط والغاز الروسيين في غضون سنوات وتخفيض واردات الاتحاد الأوربي بأكثر من النصف في غضون عام الذي يتطلب تبديل غلايات الغاز بمضخات حرارية، إلى زيادة الغاز الطبيعي المسال، حيث هناك سبع محطات الغاز الطبيعي المسال في اسبانيا، وأربع في فرنسا، لكن لا توجد ولا محطة في ألمانيا، وستحتاج إلى إجراءات طارئة مثل إغلاق الصناعات الكثيفة الاستخدام للغاز من أجل التعامل مع وقف واردات الغاز الروسي بالكامل على غرار التوجه السابق نحو الطاقة المتجددة بدلا من التحول التدريجي الذي أثبت فشله بعد الغزو الروسي لأوكرانيا؟.
بالفعل الدول الأوربية منقسمة بشأن ما إذا كانت ستفرض عقوبات فورية على إمدادات الطاقة الروسية، لكن رفضت ألمانيا أكبر مشتر للنفط الخام الروسي، في المقابل نرى خلال مؤتمر عبر الفيديو بين بايدن ونظيره الفرنسي ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون حيث ذكر البيت الأبيض أن الزعماء الأربعة عازمون على مواصلة زيادة التكلفة المفروضة على روسيا ردا على غزوها أوكرانيا.
لكن البيان الذي أصدرته برلين فلم يتطرق إلى العقوبات، بل أوضح انه ناقش فقط إمكانات جديدة لتقديم مساعدة إنسانية إلى أوكرانيا، لكن في داخل الولايات المتحدة يتعرض بايدن إلى ضغوط من المشرعين على اختلاف انتماءاتهم لقطع هذا المصدر الرئيسي للعائدات بالنسبة لموسكو، وهناك فرق بين الولايات المتحدة وأوروبا حيث أن أمريكا منتجة للنفط والغاز الصخريين، بينما أوروبا غير منتجة.
لذلك حذر وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك من انهيار اقتصادي حاد في حال فرض حظر على واردات النفط والغاز من روسيا، وفي تصريحات هابيك لمحطة آر تي إل التلفزيونية أنه عقب تطبيق مثل هذا الحظر ستحدث أزمة اقتصادية خطيرة في ألمانيا وبالتالي في أوروبا، وذكر أن إعلان الولايات المتحدة عن وقف محتمل لواردات النفط الروسي وحده أدى إلى ارتفاع سعر النفط بنسبة 50 في المئة في 7/3/2022، وحذر هابيك أن كل من يطالب بالاستغناء عن النفط والغاز الروسي يجب أن يكون واضحا لهم الآتي لن نتحدث حينها عن قفزات في الأسعار، ولكن عن ارتفاع دائم لأسعار الوقود الأحفوري، مضيفا أنه ينبغي أن نكون واضحين بشأن الثمن الذي سندفعه جراء اتخاذ مثل هذه الخطوة.
لذلك يستبعد هابيك فرض حظر في أوروبا وألمانيا لواردات النفط من روسيا على غرار ما نوقش في الولايات المتحدة، لأن حصة واردات أميركا من النفط الروسي 7.5 في المئة بينما تبلغ حصة واردات ألمانيا 35 في المئة، وتعتمد واردات الغاز في ألمانيا بنحو 40 في المئة منخفضة من 55 في المئة، وتعتمد فرنسا على 20 في المئة من واردات الغاز الروسي، فيما يبلغ المتوسط الأوربي 40 في المئة، وبعض الدول تعتمد كليا عليه مثل فنلندا التي تحصل على إمداداتها من الغاز بنسبة 100 في المئة من روسيا، أي إن أوروبا تعاني صدمة الغاز.













05/09/2022 - 10:42 AM





Comments