الإنتخابات النيابية مفصل تاريخي

05/04/2022 - 14:45 PM

Your Ad Here

 

 

بسام ضو

 

ثمّة عدّة حوافز تُلزمنا وتضعُنا في دائرة الاهتمام والمتابعة إلى ما يكمن أن يُسفر عنه الاستحقاق الانتخابي المبني صُوريًا على قاعدة الديمقراطية شكليًا وبينما هو عمليًا مبني على قواعد تزويرية لا تٌخفى على أحد. إنّ الاستحقاق الانتخابي القادم هو مُجرّد عملية تضليلية للرأي العام محصورة بهدف رئيس وهو الإطباق على النظام الديمقراطي واستثماره من ناحية واحدة وهي للأسف الاستمرار في الإطباق على كل مفاصل السلطة، وهذا الأمر لم يَعُدْ خافيًا على أحد من المتابعين لمجرى الحياة السياسية في لبنان.

 

أكثر من يؤلمنا كباحثين أنّ كل المكوّنات السياسية والروحية التي تدّعي حرصها على النظام الديمقراطي في لبنان لم تُحرِّكْ ساكنًا طوال الفترة الممتدّة منذ آخر انتخابات ولغاية الاستحقاق الحالي لناحية إعادة النظر أولاً في صيغة القانون المعمول به وثانيًا لفرض تعديلات وثالثًا لناحية إلغاء هذا القانون واعتماد قانون آخر يُلّبي حاجات الديمقراطية السليمة ورابعًا توعية الناخبين على أهمية الإنتخابات في الأنظمة الديمقراطية السليمة التي من شأنها إحداث تغيير ما في بعض مفاصل الحياة السياسية اللبنانية. بطبيعة الحال كل هذه الأمور المذكورة لم تحصل، والأمر المؤسف أنّ هذه القوى تدعوا ولا تفوِّتْ أي مناسبة إلاّ وتوّجه الدعوة للناخبين بضرورة الاقتراع الكثيف، وكأني بها ترفع الملامة عنها وتضعها في ملعب الرأي العام في يوم الحساب.

مرّد هذا الإحساس يكمن بالضرورة في إمكانية النظر بجديّة إلى عملية الإنتخابات وأبعادها وإدراك أهميتها لدى القيّمين عليها والتعريف حتى التسويق لها لأنها الآلية التي تهييء هؤلاء السّاسة للانقضاض على نظام الحكم في لبنان والهدف تشكيل مجموعة سياسية من لون واحد لمصادرة الحياة السياسية اللبنانية على مستوى كل السلطات التشريعية – الإجرائية – التنفيذية – القضائية – الأمنية – الرقابية، الذي يُفترض دستوريًا وقانونيًا أنهم إنتخبوا بالطريقة الديمقراطية وإنهم أهل للقيام بأداء ذي خصوصية يدخِلْ المنفعة على الحياة السياسية اللبنانية ويتوّسع ليشمل حقوق الناس وإحتياجاتهم والدفاع عن مصالحهم وتلبية متطلباتهم وإحتياجاتهم المعيشية والخدماتية والحضارية، هذا في الشكل أما في المضمون فتحت هذه العناوين الفضفاضة ستتُم مصادرة البلاد بالكامل وستُكّم الأفواه وسيأتي رؤساء دول ليعلنوا فوز التوتاليتارية المُقنعة على حساب الديمقراطية الصادقة والتي نُكِئَتْ على أعين الجميع وبشهادتهم. 

 

 في البلدان المتطورة والصادقة في ممارسة العمل السياسي الطاهر إذا جاز التعبير تؤدي الإنتخابات التي تُجرى إلى إنتقال ديمقراطي واضح وسليم، وهي فعليًا إنتخابات تنافسية لإختيار الحُكّام في مؤسسات صنع السياسات وإتخاذ القرارات السليمة المبنية على قواعد العلم السياسي. إنّ الإستحقاق الإنتخابي المنتظر ما هو إلاّ لتطوير أساليب بعيدة كل البُعد عن النظم السياسية وللتلاعب في عملية الإنتخابات بغرض تحقيق مقاصد غير تلك التي تُرجى من الإنتخابات الديمقراطية وعلى رأسها الحصول على الشرعية أمام الشعب وأمام الرأي العام الدولي والتخفيف من حدّة الضغط والمطالبة بالإصلاح وإحترام حقوق الإنسان، وعمليًا هذه الإنتخابات لن تؤدّي إلى مبتغاها القانوني والدستوري بل هي مُجرّد لعبة مكشوفة للإستيلاء بطريقة شيطانية على ما تبّقى من الجمهورية. 

 

 نظرًا لأنّ الآلية الإنتخابية المعتمدة حاليًا في لبنان تستخدم النظم الديمقراطية شكليًا وتعتمد على مبادىء التسلُّط والشمولية لتحقيق مقاصد ووظائف متباينة فإنّ ثمة معايير يمكن من خلالها التفرقة بين الإنتخابات الديمقراطية التنافسية وبين ما إعتمدته السلطة القائمة التي لا يُمكن وصفها إلاّ بالإنتخابات المزوّرة والمجيّرة. والإنتخابات التي ستحصل تحت أعين لبنانية وبالإسم دولية وتحت ستار الرقابة الدولية وهذه الرقابة عمليًا ليست فاعلة على ما تُظهره السنوات السابقة لن تتمتّع بالحد الأدنى من النزاهة المطلوبة ويكفي الإستناد إلى التقارير الأولية التي صدرت عن هيئة الرقابة والتي توّثق بعض الأحداث كالتي حصلت وعلى سبيل المثال كإطلاق النار على بعض التجمعات الإنتخابية والضغط على مّرشحين بغية إنسحابهم من اللوائح عدا عن إعتماد الحرب النفسية على المُرشحين والناخبين في مناطق نفوذ بعض المُسلّحين والتي عمليًا لا تخضع لسلطة الدولة.

 

 أيّها الناخبون الكرام، دروس كثيرة ستُفرزها الأيام القادمة ولكن ما سيجري في الإستحقاق الإنتخابي شبيه بما جرى في الإستحقاق السابق، حيث كانت النتيجة إيذانًا بضرب الديمقراطية وتزوير إرادتكم. وما سيحدث غدًا هو نتيجة طبيعية لتراكمات بداتْ منذ أن تمّ إقرار هذا القانون الذي تمَ التسويق له في كل مراكز القرار والذي مُرِّرَ على غفلة من الزمن بإصرار قوى السلطة مجتمعة على الإحتفاظ بدورها في الإنقضاض على السلطة اللبنانية لمواصلة مصادرة الأجهزة الرسمية في الجمهورية اللبنانية وضرب السيادة الوطنية وغزو الديمقراطية.

 

 أيُّها الناخبون الكرام، كونوا حاضرين وهو شعار يتردّد بكثرة في أوساط اليقظة الذهنية التي يرى فيها ممارسوها وسيلة تُمكِّنْ الإنسان ان يصل من خلالها إلى حالة من الخيار السليم وتقبُّلها ومن هذا المنطلق أنتم مُطالبون بإعتماد خيارين لا ثالث:

  • الأول: وهو الخيار الأسلم مقاطعة الإنتخابات وما ستفرزه من ضرب للأصول الديمقراطية هذا على المستوى الأكاديمي أما على المستوى السياسي ما سينتج عن هذه الإنتخابات من إستحقاقات تكونون أنتم براء منها وخصوصًا لناحية مصادرة مراكز القرار في الجمهورية اللبنانية إستكمالاً لخيار تسليم أعلى مراكز الدولة لسلطة الدويلة مقابل مركز رمزي لا يُقدّم ولا يؤخر.... أهذا هو خياركم يا شرفاء أمتنا اللبنانية؟.
  • الثاني: وهو خيار مبدئي تكتيكي ربما يمكن الإعتماد عليه لناحية عرقلة مشروع تسليم ورهن لبنان إلى الدويلة، وهو التصويت للوائح تُعتبر في الحد الأدنى معارضة للنهج القائم، والتي ربما تكون في المستقبل القريب نوّاة معارضة لهذا النهج الإستسلامي القائم.

 

 أيُّها الناخبون الأعزّاء إنّ الإنتخابات مُفصّل تاريخي في حياتكم الوطنية حكّموا ضميركم ولا تتأثروا بما يطلقونه من شائعات أنتم والوطن مستهدفان، خياركم بين أيديكم، وعليكم أن تختاروا إمّا العيش بكرامة والتمرُّد على الأمر الواقع المأزوم أو الانصياع، ولحين الاستحقاق الانتخابي وما سينتج عنه نستودعكم الله.


*كاتب وباحث سياسي



 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment