حسن الخطيب
"شو بقلّن لأهلي عن وطني الجريح... عن وطني المتوج بالخطر وبالريح". لم أجد أفضل من هذه الكلمات كي أعبّر عن المشاعر التي انتابتني بعد حادثة عبّارة الموت الأخيرة التي أودت بحياة عدد من الطرابلسيين الذين كانوا يحاولون الفرار من الجحيم الذي فرضته الطغمة الحاكمة عليهم. وها هو المِلَفّ على وشك أن يطوى ليصبح مجرّد ذكرى مثل الذكريات الأخرى التي طبعت الواقع اللبناني منذ اندلاع الأزمة الأخيرة.
على الرغم من أنّ الأزمة اللبنانية امتدت لتشمل كل المناطق والزوايا منذ البداية، لطالما عانت مدينة طرابلس من ظلم دائم على جميع الأصعدة. فهذه المدينة التي وصفت يوماً بالمدينة ألأفقر على الساحل المتوسط، عانت لسنوات طويلة من النسيان و من غياب أي مبادرات أو مشاريع من شأنها تغيير الواقع الطرابلسي وإعطاء المدينة الدور الريادي الذي تستحقه، نظراً لوجود طاقات وقدرات كبيرة لدى الشباب الطرابلسي الذي يستحق أن يحلم بغد أفضل.
قد يظنّ البعض من غير المضطلعين على تاريخ طرابلس، أنّ الأزمة التي تعانيها المدينة حالياً مرتبطة بالأزمة الشاملة التي تعصف بأرض الوطن. غير أنّ لطرابلس باع طويل مع المعاناة والأسى. كيف لنا أن ننسى أنّ شوارع هذه المدينة شهدت على أعتى المعارك والجولات القتالية التي سيطرت على معالمها لسنوات خلت. لا زلت أذكر حين كنت طالباً في مدرستي الحبيبة "مار الياس للآباء الكرمليين" كيف كنّا في الكثير من الأحيان نغادر الصفوف باكراً "لأنّو الوضع مش منيح" و"يمكن تعلق".
ارتفع صوت المعارك في أحياء طرابلس لسنوات طويلة، وتم استغلال فقر الناس بأبشع الطرق ومن خلال التجييش الطائفي لتحقيق مصالح سياسية رخيصة. بعد سنوات من الغرق في مستنقع القتال، أدرك الشباب الطرابلسي حجم المؤامرة التي حيكت ضدّه واكتشفت الأطراف المتناحرة أنّ المعركة الوحيدة التي عليهم خوضها هي ضد الحرمان والفقر والظلم الذين نهشوا أحلام طرابلس وضد السياسيين الذين جلسوا في أبراجهم يسخرون من معاناة شعبهم.
يجب ذكر أنّ نواب طرابلس الذين مثّلوا المدينة لسنوات طويلة يعتبرون من أغنى أغنياء الطبقة السياسية في لبنان. أذكر أنّني سمعت أحد المواطنين الطرابلسيين يقول يوماً: "لو كل نائب حط ربع من يللي عندو، كانت صارت طرابلس جنّة". يومها وفيما كانت جولات القتال مشتدة في طرابلس، وحين كان الإعلام يحاول أن يحصر المدينة في خانة الإرهاب و التطرف، أطّل أحد المواطنين على الكاميرا وقال: لقد سمعنا أنّ هناك هبة ستمنح للقوى الأمنية بقيمة ثلاث مليارات دولار، هم يقولون إنّ القوى الأمنية تجاهد كي تستطيع حفظ الأمن في طرابلس،
ولكنّني سأعطيهم حلاً، أريد فقط أن يعطوني مليار دولار من الثلاثة مليارات، عندها سأبني عدداً من المصانع وسأؤمّن فرص العمل لجميع الشباب الطرابلسي، عندها لن تحتاج القوى الأمنية لبذل الكثير من الجهد، فالأمن سيكون محفوظاً تلقائياً.
أردف المواطن: عندما تؤمنون للشباب فرص عمل وحياة كريمة، لن يقدم أحد منهم على ترك عمله والانخراط في تنظيمات قتالية، ولكن حين تتركون الشباب يجوبون الشوارع من أجل تأمين لقمة عيشهم، سيكون سهلاً على أي طرف إيقاعهم في شرك الضياع.
طرابلس لم تكن يوماً إلاً مدينة مفعمة بالحياة والطاقة والأمل. لا أنكر أنّني عندما كنت شاباً في المرحلة الثانوية، كنت أتوق لترك المدينة من أجل الالتحاق بالجامعة الأميركية في بيروت والبدء بمطاردة أحلامي. غير أنّه في هذه المرحلة من حياتي وبعدما قضيت عقداً من الزمن في بلاد الاغتراب، أصبح الحنين يشدّني أكثر فأكثر إلى المدينة. أجد نفسي دائماً في حالة من الاشتياق الدائم للتسكّع في شوارعها التي طبعت طفولتي. هذه الطفولة التي قضيتها مع أصدقائي نتنزّه بين شوارع "التل" و"الميناء" و"شارع السيتي كومبلكس".
كيف لي أن أنسى نهار الجمعة حيث كان التقليد المتبّع زيارة "قصر عبد الرحمن الحلاّب" من أجل التمتّع ب"كعكة بكنافة"، تلك الكعكة التي أصبحت سفيرة لطرابلس في عالم الاغتراب.
أكتب هذا المقال اليوم ويعتريني بعض الأمل. يا أصدقائي مع أنّ سوداوية الوضع الحالي في لبنان وطرابلس، لا يسعني إلاً التوقف عند عدد المبادرات الفردية التي يتم إطلاقها تباعاً في المدينة. من يتابع وضع المدينة مؤخراً، من السهل عليه ملاحظة العدد الملحوظ من الجمعيات والمبادرات والمنتديات الاقتصادية والأنشطة الاجتماعية وقنوات التواصل الاجتماعي التي يقوم الشباب الطرابلسي بإنشائها وإطلاقها.
يبدو أنّ الشباب الطرابلسي قد فقد الأمل كلياً بالحصول على أي مساعدة من الدولة، فقرّر الاعتماد على نفسه. نعم هذا الشباب الطرابلسي الواعد، الحالم، المعطاء و صاحب القدرات الكبيرة.
إنّ الجهد الذي يقوم به هؤلاء الشبان والشابات جعلني أشعر بالفخر. ولكنّ الأهم من شعور الفخر هو شعور الواجب، حيث إنّ هذا الجهد المبذول يضع مسؤولية على كل شاب طرابلسي قادر على المساعدة ولو بالقليل. وفي هذا الصدد، بدأت بالتواصل مع عدد من الجمعيات بهدف النقاش حول عدد من المبادرات التي يمكن إطلاقها في المستقبل القريب تحت عنوان: تجرؤوا على الحلم.
تحية لكل شباب طرابلس، لا أطيق الانتظار حتى أكون بينكم من جديد كي نحلم سوياً ونكبر ونردد مع فيروز: الإيام الجايي جايي وفيها الشمس مخباية.













05/04/2022 - 14:34 PM





Comments