يا شباب لبنان.. اخلعوا ثوب الخوف وتجرؤوا على الحلم

04/22/2022 - 14:28 PM

Your Ad Here

 

 

 

حسن الخطيب

 

ها هي الإنتخابات أصبحت على الأبواب، حيث تفصلنا فترة قصيرة عن فتح صناديق الإقتراع. من الصعب مقاربة الوضع اللبناني بسهولة، نظراً لعمق وتشّعب وصعوبة الأزمات التي عاثت خراباً في جسد الوطن الحبيب. عندما أردت كتابة هذا المقال، تذكرت مقطعاً من مسرحية "صيف 840" للأخوان رحباني. في أحد أجزاء المسرحية، يدخل الثائر سيف البحر "غسان صليبا" على أصدقائه الثوار ويسألهم: حدا خايف منكن شي؟ حدا متأسف عشي؟ فيجيبونه: عشو بدنا نخاف؟ عشو رح نتأسف؟ كلنا مطلوبين،  كلنا مشردين،  والذل متوج ليالينا،  وابراهيم باشا ينهب مواسمنا، يزرع الجوع بأراضينا. أليس هذا حال اللبنانيين الذين خسروا كل شئ؟ خسروا جنى أعمارهم، خسروا الأمان، خسروا العيش كريم، خسروا القدرة على الحلم، خسروا طعم الحياة.

مع اقتراب الموعد المنتظر، بلغت حفلة الجنون أقصى مراحلها. لا صوت يعلو فوق صوت المعركة وصوت الإستطلاعات والتخوين ونبش القبور. كنت قد ذكرت سابقاً أننّي وكأي مواطن لبناني كنت جزءاً من مرحلة الصراع الذي طبع المرحلة اللبنانية منذ العام 2005، والتي شكّلت تربة خصبة لجيل كامل من الشباب الذين انخرطوا في صراع 8 و14 آذار والذي أرخى بظلاله على جيل الشباب آنذاك. منذ العام 2005، شهد الوطن مراحل لا تحصى من الصراعات والجولات الحربية، والمشاكل والحروب التي مزّقت أوصال لبنان. جاءت ثورة 14 آذار كبادرة أمل في نفق الظلام الدامس، فظنّنا أنّ الخلاص اقترب، قبل أن تندثر الثورة تحت أقدام الاغتيالات والصراعات والمصالح و الخيانات. استمرّت حفلة الجنون حتى أتت ثورة 17 تشرين. ظنّنا مرة أخرى أنّ الإنقاذ أتى كي ينشل الوطن الغريق من أمواج الليل العاتية،  قبل أن تنهار الثورة مرة أخرى أمام مارد الخوف والمصالح و التخوين. غير أنّ هذه المرة كانت الضربة قاضية، فسقط الوطن في أتون النار وفتحت أبواب الجحيم على مصراعيها.

أطالع يومياً المقالات التي تنشرعن الانتخابات، ورغم كثرة التحليلات والأخبار، يكاد يجمع الجميع على أنّ الطبقة الحاكمة عائدة رغم كل ما حصل، وأنّ تحالف المجتمع المدني والثورة لن يستطيع أن يحدث أي خرق من شأنه قلب المعادلات. وهنا يطرح الإنسان السؤال: ما هي مشكلة البنانيين؟ ما هو هذا المرض العصّي على الفهم الذي فرض تعتيماً كاملاً على بصيرة وذاكرة اللبنانيين. إذا تحدثنا عن الجيل القديم، فمن المفترض أنّ هذا الجيل حضر الحرب ومآسيها والويلات التي تبعتها، وكان شاهداً على المسرحية اللبنانية التي تتالت فصولها حتى أصبح الولد الصغير قادراً على فهم اللعبة. مع هذا، نجد أنّ جزءا مهماً من الجيل القديم لا زال متمسّكاً بشعارات بالية و أناس سرقوا ماضيهم وحاضرهم. أمّا اذا تحدثنا عن جيل الشباب، فيكفي إلقاء نظرة على مواقع التواصل الإجتماعي لتحسّس كمية الحقد والجهل والكره المسيطرة على عقول وقلوب وبصيرة الشباب.

قبل أن ندخل على تفاصيل الوضع اللبناني، لا بدّ من ذكر أنّنا ندخل على اعتاب الانتخابات بعد ثلاثة سنوات من تجربة قاسية شّلت مفاصل العالم و كان من المفترض أن تغيّر طريقة تفكير كل شخص عاشها. هي تجربة الكورونا التي سجنتنا في منازلنا، فغدونا أسرى مع عائلاتنا، نهرب من شبح الموت الذي يتجول بحريّة بيننا، ويصطاد الضحايا كي يسرق حياتهم.

من المنطقي التفكير بأنّ أي شخص عاش تجربة الكورونا كان يجب عليه استخلاص الدروس التي لا تحصى من هذه المرحلة. تقدير الحياة، تقدير النعم الصغيرة، تقديرأهمية الصحة الجسدية والعقلية، تقدير الحب والتسامح. إنّ تجربة الكورونا لم تكن حكراً على لبنان فقط، بل امتدّت لتشمل العالم أجمع. وعلى الرغم من أنً الكورونا فعلت فعلها في لبنان، عاد الشعب وتناسى المرض أمام هول أزماته التي تحيط به من كل الجوانب. أحاول تحليل الأسباب التي لا تزال تدفع بالناس إلى تأييد هذه الطبقة الحاكمة، فلا أجد أي مبررات منطقية لما يحصل. المضطلع على الواقع اللبناني يدرك أنّ العبارات الأكثر شيوعاً في الأوساط اللبنانية هي التالية: الطائفة، المال، الإتنماء الى الخارج.

إذا أردنا أن نتحدث عن عنصر الطائفة والسلاح الديني التي لطالما استخدمته الطغمة الحاكمة للسيطرة على عقول الناس، لا أجد المنطق في ذلك. ما هو الدين؟ هو مجموعة التصرفات والمبادئ التي تطبع حياة الإنسان وقراراته. الدين هو المسيرة التي يمشيها الإنسان في حياته قبل أن يقابل الخالق في نهاية المطاف، حيث يكون الربّ هو الحكم الأخير على الأخطاء والحسنات التي راكمناها في مسيرتنا. نحن لا نختار ديننا ولا طائفتنا، بل نرثها من آبائنا. ولكنّ الدين والطائفة المذكورين على بطاقة تعريفنا لا يخبرون شيئاً عن شخصيتنا. أصدقائي، تنشئة الإنسان الدينية تتأثر بعدة عوامل بدءاً من العائلة والبيئة والمجتمع ووصولاً إلى الوضع المادي للشخص. في المبدأ، كل شخص بيننا لديه دين وطائفة على بطاقة تعريفه، ولكن هذا لا يقول شيئاً عن الإنسان وعن صفاته. فالمجرم لديه دين وطائفة، والسارق لديه أيضاً دين وطائفة. حتّى الملحد الغير المؤمن بالله، إذا سحبنا بطاقة تعريفه لوجدنا دين وطائفة. إذا اتبعنا هذا المنطق، تنتفي كل المقولات الهادفة إلى تخويف الناس من بعضها. هل الفقر الذي يسيطر حالياً على الوطن قد أُثر على المسلمين فقط؟ هل الإنفجار الذي دمّر بيروت قد أذى المسيحيين فقط؟ هل انقطاع الكهرباء قد استهدف مناطق الدروز فقط؟ إنّ المشاكل لم تستثني أحدأً وأرخت بظلالها على كلً أطياف الشعب. دعوني أخبركم أنّني من أبناء طرابلس التي شهدت أعتى أنواع الحروب في السنوات الأخيرة. كانت هذه الحروب تقام باسم حماية الطوائف، وبعد سنين من القتال العبثي، أدرك الشعب الطرابلسي أنّه كان ضحية سياسيين استغّلوا وضعه وفقره، وتركوه في نصف الطريف. لا تخافوا من الآخر يا أصدقائي، صدقوني في بلدنا، الألم لم يستثني أحدأً.

إذا أردنا الحديث عن المال، فلا أريد أن أبدو ساذجاً. أنا أعرف أنّ الوضع المادي للأغلبية الساحقة من اللبنانيين أصبح مأساوياً، وأنّ المائة دولار اليوم أصبح لها شأن. ولكنّ المعادلة بسيطة هنا بالنسبة لي: يمكن للشخص المحتاج ان يأخد المال تحت الضغط، وأن يدخل وراء الستار ليضع قناعته في صندوق الإقتراع. أحداً لن يتبعك إلى ما وراء الستار. في هذه الحالة أيضاً، تنتفي قدرة المال على التأثير.

تابعت مؤخراً فيلم "من التشرد إلى هارفرد" التي يتحدث عن قصة الشابة "ليز ماري" التي حاربت الجهل والفقر ونجحت بالإنضمام إلى جامعة هارفرد. أعجبت جداً بالفيلم، ولفتتني إحدى العبارات التي مرّت في أحد المشاهد، حيث كانت الشابة تشعر بالإحباط من قسوة الظروف، فيبادرها الأستاذ بالقول: تجرأي على الحلم، فالحلم يحتاج إلى جرأة.

أصدقائي، يا شباب لبنان، تجرؤوا على الحلم. اخلعوا جلباب اليأس، اخلعوا ثوب الخوف، واتخذوا القرار الجرئ. ربما يكون هناك فرصة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإلاً تحضّروا لستة سنوات أخرى من قعر الجحيم. أنهي مقالي بمقطع من مسرحية "جبال الصوان" عندما تعود غربة "فيروز" كي تخلّص الشعب من دوامة التسّلط، فتقول لهم: خزقولي هالتياب السود، خزقوا هالخوف والفرح يرجع، وراية العز القديمة تعود، رجّعوا إلفة هاك الايام، ايامنا الحلوة بجبالنا السمرة، وبيوت توعى عالهنا وتنام، مجدنا ينعاد والهوى ينزاد، ونرد الأعراس ونرد الاعياد، تزلغطوا وترقصوا ويكبروا الاولاد.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment