الحروب الأهلية: نموذج لبنان

04/09/2022 - 12:07 PM

Arab American Target

 

 

السفير د. هشام حمدان

 

أثار التمرد الذي وقع في مبنى الكابيتول في واشنطن في السادس من كانون الثاني (يناير) 2021، وصعود التطرف الداخلي العنيف، أجراس الإنذار حول احتمال اندلاع حرب داخلية أخرى في الولايات المتّحدة الأميركية. وقد جرى نقاش في الولايات المتّحدة وخارجها عن مثل هذه الاحتمال. واعتبر البعض أنّ ما يمكن أن يثير القلق هو أن الحرب الأهليّة الأميريكية ومن نواحٍ عديدة، لم تنتهِ فعليًا، وربما كانت في الواقع تتعزز. والأحداث التي حصلت في حينه جعلت خطر العنف السياسي الأوسع واضحًا بشكل مؤلم.*

ويضيف هؤلاء بأنّ الحروب الأهليّة فريدة في أسبابها وفي الطرق التي تتصاعد بها بدءا من تضارب المصالح إلى العنف وصولا إلى طرق خفض التصعيد. لكن جميع الحروب الأهلية تشترك في ثلاث سمات مشتركة على الأقل.

أولاً، أنّ معظم الحروب الأهلية تتبع صراعًا سابقًا (غالبًا حرب أهلية سابقة أو، بشكل أكثر دقة، ذاكرة شديدة الانحراف والتسييس لحرب أهليّة سابقة). ولا يجب أن تكون الأطراف المتحاربة الجديدة، ولا القضايا المسببة للنزاع هي نفسها تماما كالقديمة. في أغلب الأحيان، ينشر زعيم ذو شخصية كاريزمية رواية عن مجد الماضي أو الإذلال الذي يناسب أيديولوجيته أو طموحاته السياسية (كما فعل الرئيس ترامب)، أو حتى ينبع من الجهل التاريخي البسيط.

ثانيا، تنقسم الهوية الوطنية على أساس بعض الأسس الحرجة، مثل العرق أو الدين أو الطبقة. يوجد في جميع البلدان خطوط انقسامات وانقسامات، لكن بعض الانقسامات أعمق من غيرها. حتى الانقسامات الطفيفة في البداية قد يتم استغلالها من قبل جهات فاعلة محلية أو أجنبية ملتزمة بإعادة توزيع الثروة أو السلطة. على سبيل المثال، كرّس الاتحاد السوفيتي (وروسيا الآن) بنجاح موارد جادة لزعزعة استقرار الولايات المتّحدة والديمقراطيات المتحالفة معها من خلال تكثيف الانقسامات القائمة.

ثالثا، على الرغم من ضرورتهما ، فإن هاتين السمتين الأوليين - حرب سابقة وانقسامات عميقة - ليستا كافيتين لإشعال حرب أهلية. لذلك ثمة حاجة إلى عنصر ثالث: التحوّل من القبلية إلى الطائفية. فمع القبلية، يبدأ الناس في الشك بجدية فيما إذا كانت الجماعات الأخرى في بلدهم تضع مصالح المجتمع الأكبر في الصميم. لكن في البيئات الطائفية، تعتقد النخب الإقتصادية والإجتماعية والسياسية ومن يمثلونها أنّ أي شخص يختلف معهم هو شرير ويعمل بنشاط على تدمير المجتمع. هنا يأتي أعداء الدولة ليحلوا محل المعارضة الموالية، حيث يُنظر إلى أولئك الذين كانوا داخل قبيلة أخرى على أنّهم الأكثر خيانة. إنها مشابهة لكيفية تعامل بعض الأديان مع المرتدين والكفار. غالبًا ما يكون المرتدون، أتباع الإيمان السابقون، أكثر استهدافًا للكفار، الذين هم أولئك الذين كانوا دائمًا في الخارج. من الصعب عدم رؤية أصداء هذه الديناميكية في اللعب حيث يدين الجمهوريون الجمهوريين الآخرين بسبب ولائهم (أو عدم ولائهم) للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

مثل هذا الرأي يمكن أن ينطبق على دول عانت تجارب سابقة وتمكنت من التغلب عليها وأرست حالة من الإستقرار والنشاط السلمي الثابت. ولبنان نموذج مميّز لهذه الدولة. فلبنان عاني حربا داخلية خلال القرن التاسع عشر، ووقع ضحيّة سياسيين ملكوا شخصية كاريزمية على غرار ترامب، وروى كل منهم عن مجد الماضي أو الإذلال الذي يناسب أيديولوجيته أو طموحاته السياسية. وقد انقسمت الهوية الوطنية فيه بشكل خاص على أساس الدين وكذلك الطبقة، وتمّ استغلال هذا الإنقسام من قبل جهات فاعلة إقليمية وأجنبية ملتزمة ليس فقط بإعادة توزيع الثروة أو السلطة في البلاد بل بمجمل صلاته وعلاقاته الخارجية. كما إن هاتين السمتين - الحرب السابقة والإنقسامات العميقة – لم تكونا كافيتين لإشعال الحرب الأهلية.

لذلك جرى التحوّل إلى إثارة العوامل الطائفية كما فعل حزب الكتائب منذ السبت الأسود عام 1975**. ومع الإنقسامات السابقة (المتعلقة بشكل خاص بالدور الفلسطيني، بدأ الناس من مسيحيين ومسلمين في الشك بجدية فيما إذا كانت الجماعات الأخرى في بلدهم تضع مصالح لبنان العليا في الصميم كالحفاظ على السيادة أوكالإستمرار في وطن واحد. لذلك جرى التحول نحو الإثارة الطائفية إذ أنّ البيئات الطائفية، تدفع النخب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومن يمثلونها إلى إعتبار أنّ أي شخص يختلف معهم هو شرير ويعمل بنشاط على تدمير المجتمع.

وقد جاء الفلسطينيون (أعداء الدولة) ليحلوا محل المعارضة االوطنية (الأحزاب اليسارية الديمقراطية)، ولذلك صارت النظرة إلى هذه المعارضة على أنّهم الأكثر خيانة.

*- المقصود هنا التذكير بالحرب الأهلية الأميركية التي حدثت داخل الولايات المتحدة في الفترة من عام 1861 إلى 1865. فقد واجه فيها الاتّحاد (الولايات المتّحدة) الانفصاليين في إحدى عشر ولاية جنوبية مجتمعة معا لتكون الولايات الكونفدرالية الأمريكية. وقد فاز الاتّحاد بهذه الحرب التي ما زالت تعدّ الأكثر دموية في تاريخ الولايات المتحدة.

**- في 6 كانون الأول/ديسمبر 1975، وفي خضَمّ الشحن المذهبي والسياسي للحرب الاهلية اللبنانية، عثُر على جثث أربعة مسيحيين من حزب الكتائب في منطقة الفنار في جبل لبنان، فقامت الميليشيات المسيحية بوضع نقاط تفتيش في منطقة مرفأ بيروت وقتلت المئات من الفلسطينيين والمسلمين اللبنانيين بناء على بطاقات الهوية (التي كانت آنذاك تدون مذهب حاملها). أدت عمليات القتل لاندلاع الاشتباكات على نطاق واسع بين المليشيات. فانقسمت بيروت ولبنان معها، إلى منطقتين عرفتا بالمنطقة الشرقية وأغلبها مسيحيين، والمنطقة الغربية التي كانت مختلطة مع أكثرية إسلامية.

)من بحثي في جامعة تكساس في أوستن عن بناء السلم في لبنان(*

 

* سفير لبنان. دكتور في القانون الدولي باحث زائر في جامعة تكساس. كاتب وناشط اجتماعي

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment