السفير د. هشام حمدان
لم يفاجئني نبأ المساعي الروسية لتجنيد مرتزقة سوريين للقتال في أوكرانيا. فقد حصل ذلك سابقا في ليبيا. السوريون أصبحوا الآن، وتحت مسمّى مرتزقة، جنود احتياط للنظام الروسي الذي يسيطر على ذلك البلد العربي، يستخدمونهم في حروبهم أينما كانت. كما أنّ ما يبرز في وسائل الإعلام الأميركية والدولية من حملات على روسيا، والحملات الروسية المقابلة، هي أيضا أمر متوقع في مثل هذه الحالة. ألصّراع الدولي على أشدّه. الصّراع بين الاتحاد الروسي والمعسكر الغربي، تحوّل الآن من صراع بين شركاء في النظام الدولي القائم إلى حرب بينهم.
حتّى الآن تبدو هذه الحرب باردة. لكن مجرياتها تدل إلى أنّها لا بدّ أن تتحوّل إلى حرب ساخنة. نحن في الواقع، في مرحلة دولية، مفصلية وتاريخية، يفترض بشعبنا اللبناني أن يتنبّه إليها. شعب لبنان مشغول عن هذه الحرب الآن، بموضوع الإنتخابات النيابية المقبلة. وهذا الواقع هو نموذج لحالة هذا الشعب طوال خمس وأربعين سنة. فقد كنّا دائما منشغلين بأمورنا الداخلية، الساخنة والحامية، وغائبين عن التحوّلات الجارية من حولنا، مما سمح بخداع الرأي العام طويلا، وإخضاع تصرّفاته لمصالح القوى الفاعلة خارجيا. أصلّي أن تخدم الوسائل التكنولوجية وعي المواطن، فلا يُخدع أحد لاحقا فيندفع للقتال كمرتزق أيضا في هذه الحرب.
أولا: ما هو الفارق بين "الصراع بين الشركاء في النظام الدولي" و"الحرب بينهم"؟ وثانيا لماذا "تدلّ مجريات الحرب في أوكرانيا على أنّها لا بدّ أن تتحوّل إلى حرب ساخنة؟"
من تابع مسار النظام الدولي الجديد، يمكنه بالتأكيد أن يدرك معنى هذا الفارق. فمنذ انهيار الإتّحاد السوفياتي عام 1991، وانعقاد قمّة لمجلس الأمن لأوّل مرّة في تاريخ الأمم المتّحدة عام 1992، بدأ مسار تعاونيّ بين مختلف تشكيلات المجتمع الدولي. سقط مفهوم الغلبة الذي كان قائما بين تشكيلات المجتمع الدولي في صناعة القرار الدولي، وبرز مفهوم التوافق فيما بينها بشأن مثل هذه القرارات. شمل هذا التحوّل كلّ الجوانب التي تعني العلاقات الدولية: الأمنية، السياسية، الإقتصادية، الإجتماعية، القانونية وغيرها. وكنت قد أشرت في حلقة سابقة، إلى أنّ الولايات المتّحدة وحلفاءها قبلوا سريعا أن يكون الإتّحاد الروسي شريكا في صناعة القرارات في كل هذه الجوانب، بما فيها الأمنية والسياسية. فقد تمّ قبول الإتّحاد الروسي خليفة للإتّحاد السوفياتي، كعضو دائم في مجلس الأمن. كما توافق الإتّحاد الروسي والولايات المتّحدة وكذلك الصين، على إلغاء قرار الجمعية العامة رقم 3379 لعام 1975، الذي قضى بمساواة الصهيونية بالعنصرية، واعتبارها شكلا من أشكالها. كما أنّهما تعاونا على إنتاج مجموعة إتفاقيات دولية لمكافحة الإرهاب، ومن دون تعريف للإرهاب مما جعلها إتفاقيات سياسية أكثر منها قانونية. وعملا على إضعاف دور المحكمة الجنائية الدولية، وتعاونا على صياغة مضمون القرارات الحاسمة بشأن الشرق الأوسط.
من جهة أخرى، تفاعل الإتحاد الروسي، والصين، وكلّ دول عدم الإنحياز مع الدول الغربية، بغية إنجاز إتّفاقية دولية نشأت بموجبها منظّمة التّجارة العالمية. هي المنظمة التي كان الغرب يطالب بها طويلا كمؤسّسة تعاقديّة تحكم وتنظّم علاقات الدول في التجارة. كان الغرب يرفض فكرة منظّمة تجارية عالمية (الأونكتاد) ويصرّ على أنّ التجارة يجب أن تخضع لآحكام تنظّيمية متساوية، مهما كان حجم البلاد إقتصاديا وسياسيا وماليا. لا مراعاة تفضيلية في العلاقات التجارية بين الأطراف.
لكن يمكن لهذه الآليات القائمة، أو أيّة آلية جديدة، أن تساعد الدول النامية في تعزيز قدراتها الوطنية للإنخراط الناشط في حركة التجارة الدولية. ومع قيام هذه المنظمة، إكتمل المثلث ألرأسمالي (ألبنك الدولي، منظّمة النقد الدولية، ومنظّمة التجارة العالمية)، الذي قام عليه فكر الإقتصاديين الذين وضعوا نظام بريتون وودز لعام 1944، بغية تنظيم العلاقات الإقتصادية بين أعضاء المجتمع الدولي. ففي ذلك المؤتمر، وُضعت خطط لإقامة إستقرار في النظام المالي العالمي، وأيضا لتنمية التجارة العالمية، وإزالة العقبات بشأن الإقراض، ولكن وفقا للمفهوم الرأسمالي. وكان أبرز قراراته، تثبيت سعر العملات الأجنبية مقابل الدولار، إذ أنّه اعتُمد لتحديد سعر الأونصة من الذهب. وعليه صار الدولار العملة المرجعيّة، مما نقل الهيمنة الأوروبية على الإقتصاد العالمي، إلى الولايات المتّحدة الأميركية. ومع اكتمال هذه الهيئات، يمكن القول أنّ الفكر الرأسمالي وضع يده على النظام الإقتصادي.
عرضت الدول الرأسمالية وهيئات بريتون وودز المالية، أفكارا تحفيزيّة لإشراك الدول الأخرى بشكل متواز في نظام العولمة، وذلك من خلال الدّفع بفكرة ما سمي "مفهوم الليبرالية الجديدة". وقد شاركت بنفسي بمناقشات بهذا الصدد في الأمم المتّحدة، عام 1998-1999،
حيث سعى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى التّرويج لفائدة فتح الإقتصادات الوطنية، بكلّ قطاعاتها التشغيلية والإنتاجية، أمام الشراكة الدولية، وذلك من خلال الخصخصة، وتحويل ملكيّتها إلى القطاع الخاص المحلي والدولي. كان مفهوم التنمية يقوم على إسقاط دور الدولة في تسيير مثل تلك القطاعات التي تعتمد عادة على سياسة الدّعم بالمال العام لتغطية الخسائر، وخلق منافسة بين شركات القطاع الخاص، تؤدّي ليس فقط إلى الأرباح، بل أيضا إلى تخفيض الفاتورة وزيادة الكفاءة، وزيادة مداخيل الدولة من العائدات الضريبيّة.
الرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم وافق على هذه الفكرة، وكذلك رئيس حكومة لبنان في حينه، رفيق الحريري. ومن حسن الصّدف أنّني عُيّنت عام 2000، وخلال رئاسة الرئيس الحص للحكومة، سفيرا للبنان في الأرجنتين، فتابعت ما حصل نهاية عام 2001، عندما انهار الإقتصاد الوطني، وأعلنت الأرجنتين إفلاسها. ونقلت رؤيتي التحذيرية من مغبّة الخصخصة، وتولية القطاع الخاص على القطاعات التشغيلية والإنتاجية للدولة، محذّرا من تضاعف الفساد ومن مصير مماثل لمصير الأرجنتين. لكن من دون نتيجة.
لم تقبل الحكومات وخاصة الدول الإقتصادية متوسّطة الحجم، بهذه الأفكار، بل ذهبت إلى خلق آلياتها الرأسمالية الخاصّة. فبرزت بين العام 2000 و2009 منظّمتان كان لهما التأثير البالغ على الفكر السياسي والإقتصادي الأميركي. ففي عام 2001 برزت منظّمة شانغهاي للتّعاون، التي ضمّت الصين وروسيا ودول آسيا الوسطى ومن ثم الهند وباكستان، ثم برزت عام 2008 منظّمة بريكس التي ضمّت البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا. شكّلت منظّمة شانغهاي هيئة إقتصادية وسياسية وأمنية لها مقوّمات عسكرية وجغرافية وإقتصادية وسياسية، أقلقت الغرب كثيرا. ولم تكن خافية الإندفاعة الصينية والروسية لإضعاف السيطرة الأميركية على النظام الإقتصادي المالي الدولي. وفي قمّة أستانا في تموز عام 2005، طلبت المنظّمة من الولايات المتّحدّة، وضع جدول زمني واضح لسحب قوّاتها من الدول الأعضاء فيها (أوزبكستان وقيرغيزستان) بل وأنّ أوزبكستان طلبت من الولايات المتّحدة فعلا، مغادرة قاعدة كيه 2 الجوية فيها.
وسائل الإعلام الغربية قالت صراحة في حينه، أنّ مواقف القمم لهذه المنظمة، شكّلت "ضربات شديدة مخيفة في واشنطن." وضاعف تمدّدها نحو الخليج ولاسيما من خلال العلاقة مع إيران، من قلق الغرب، لاسيما وأنّ الغرب كان يدرك أنّ أحد أهداف المنظّمة، هو ضمان عدم تمكّن الديمقراطية الليبرالية من تحقيق مكاسب في هذه الدول. أمّا منظمة بريكس التي تجمع الدول الأسرع نموّا في العالم وهي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، فقد أعلنت في أوّل قمة عقدتها في روسيا عام 2009، عن "تأسيس نظام عالمي ثنائي القطبية".
لقد تابعت عن كثب تطّور السياسة الأميركية لمواجهة هذا الواقع. ولطالما شرحت انّ ما حصل في الشرق الأوسط منذ عام 2011، مرتبط إرتباطا كليا بهذه التطورات. وقد تأثرت هذه السياسات بتبدل الحزب الحاكم في واشنطن. فبينما نحا الحزب الديمقراطي نحو سياسة "الجزرة"، لجأ الحزب الجمهوري إلى سياسة "العصا". إستطاعت واشنطن خلال حكم الديمقراطيين، إقامة منظّمة مقابلة لمنظّمة بريكس، هي منظّمة ميكتا بقيادة المكسيك التي كنت مقتنعا أنّ الولايات المتّحدة تدفع بها لتكون الصين القرن الحادي والعشرين.
اتّجهت واشنطن أيضا نحو آسيا من خلال إتّفاق عبر الباسفيك، لإقامة سوق تجاري حرّ يواجه السوق الذي كانت تبشّر به الصين دول منظمة شنغهاي. لكنّ الرئيس الجمهوري ترامب، ضرب كل هذه السياسة، واتّجه إتّجاها تصادميا، شكّل الخطوات الأولى في إعادة العالم إلى الحرب الباردة، وربّما إلى حرب ساخنة.
العالم كله ساخط على سطوة الولايات المتّحدة الأميركية، سواء على دور منظمة النقد الدولية، أوعلى البنك الدولي، وتحكّمها بقرارات هذه المنظمات بشأن منح القروض لهذه الدولة أو تلك. الولايات المتّحدة هي الدولة الوحيدة بين الدول الأعضاء في هاتين المنظمتين، التي تملك حقّ الفيتو الذي استخدمته لتعزيز مصالحها. كما أنّ هاتين المنظمتين تدفعان بسياسات رأسمالية صارمة، من خلال رفض أيّة قيود على النّقد الأجنبي، ورفض المراقبة على سعر الصرف، وكلّ تدخّل من الحكومات بشأن السياسات النقدية. وهما تدفعان أيضا إلى سيطرة القطاع الخاص على القطاعات التشغيلية والإنتاجية في الدول، من دون أيّ اهتمام بتمايز الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية بينها. صندوق النقد الدولي متّهم بأنّه أحد أدوات الشركات العالمية لبناء إمبراطورية تسيطر على إقتصاد العالم.
لذلك رأينا تصاعد الإهتمام الدولي سنة بعد سنة، بمنظّمتي شانغهاي وبريكس. وبلغ الأمر أنّ تركيا وهي العضو في حلف الناتو، بدأت تسعى للإنضمام إلى هاتين المنظّمتين. إسرائيل أيضا تسعى للحصول على عضوية حوارية في منظّمة شانغهاي، وكذلك مصر وسوريا وإيران. وقد لاحظت منذ بضعة أشهر، أنّ تحالف دول ميكتا الذي قام عام 2014، وتألّف من المكسيك وإندونيسيا وكوريا الجنوبية وتركيا وأوستراليا، ليكون قوّة إقتصادية وسطية بين المجموعتين سبعة وبريكس في لقاء المجموعة العشرين، بدأ يتفكّك منذ عام 2017 ،مع طلب المكسيك وإندونيسيا ومن ثم تركيا الإنضمام إلى منظّمة شانغهاي. كما طالبت الأرجنتين عام 2018، وهي عضو في المجموعة العشرين، الإنضمام إلى منظّمتي بريكس وشانغهاي. وقد وجدت الولايات المتّحدة أنّ ثمّة تهديدا حقيقيا لسيطرتها على الإقتصاد الدولي .الحرب في أوكرانيا تذكّرنا ببدايات الحرب العالمية الثانية.
في الحلقة القادمة آثار ذلك الصراع الإقتصادي وما ينحو إليه، على لبنان والمنطقة.
* سفير لبنان. دكتور في القانون الدولي باحث زائر في جامعة تكساس. كاتب وناشط اجتماعي










04/06/2022 - 10:49 AM





Comments