حرب أوكرانيا وآثارها على لبنان: مسارات النظام الدولي الجديد (3)

04/05/2022 - 10:11 AM

Arab American Target

 

 


السفير د. هشام حمدان *

 

قرأت على صفحة الصديق د. عازي المصري الذي يعيش الآن في روسيا، مقالة منقولة عن مدوّن فنلندي يشيد فيها بـ "الإتحاد الروسي"، وذلك للدور الذي قام به "الاتحاد السوفياتي" خلال القرن العشرين. وقد عدّد المدوّن الدور "الروسي" في تحقيق عدد كبير من دول أوروبا لواقعها القومي الراهن. وخلص إلى أنّ نصف العالم يدين "لروسيا" مدى الحياة، لهذا السبب فإنّ الجميع مذنب أمام هذا البلد العظيم. وأضاف: "أرسل هذا المِلَفّ لذكرى من قتل في الحرب العالمية الثانية." وقد حصد المقال ضعف ما حصدته مقالتي السابقة من أصوات معجبة، ونقله أكثر من ثلاثة أضعاف عدد الذين نقلوا مقالتي.

توقّفت كثيرا عند هذا المقال، وابتسمت. فقد جاء في الوقت المناسب، حيث كنت أعدّ لهذه المقالة الثالثة من سلسلة مقالاتي بشأن آثار الحرب في أوكرانيا على لبنان. فالمقال منحني مدخلا ممتازا أوضح فيه أفكاري. فهو أكّد لي أنّ مشكلة الضياع في الفكر السياسي في لبنان، ليست مشكلة الشعب اللبناني فقط، بل هي مشكلة الكثير من الشعوب، إن لم أقل كلّ الشعوب. ففي مقالة المدوّن خلط كبير بين الاتحاد السوفياتي والإتّحاد الروسي.

لا يهمّني التمايز الجغرافي بين الإتّحادين، لكنّني أعجب كيف أنّ الفكر السياسي في لبنان وغيره، لم يفهم بعد أنّ هناك فكرا فلسفيا، وعقلا سياسيا، ورؤية عقائدية جديدة للإتّحاد الروسي تختلف عن الفكر الفلسفي والعقل السياسي والرؤية العقائدية التي سادت حقبة الإتّحاد السوفياتي. وإذا كان البعض يمكن أن يظن ولو للحظة واحدة، أنّ الرئيس بوتين يريد إحياء الفكر الماركسي اللينيني من جديد، فهو واهم ويعيش في حلم بعيد كل البعد عن الحقيقة والواقع.

أود أن أؤكد أولا، إنّني لا أرى نفسي أكثر فهما من غيري لا سمح الله، لكنّني أقول أنّ الله أنعم عليّ بفرصة نادرة كدبلوماسي في السلك الدبلوماسي اللبناني، عندما تمّ اختياري مندوبا للبنان في منظّمات الأمم المتّحدة وهيئاتها، وفي عدد من الوكالات المتخصّصة، إبتداءا من جنيف عام 1987، وصولا إلى نيويورك عام 1994، مرورا بلندن بين الأعوام 1991 وأواخر العام 1993. لقد كان من حسن حظي أن أكون في هذه المواقع الدولية قبل، وخلال، وبعد سقوط الإتحاد السوفياتي، إذ عايشت عن كثب كلّ التحوّلات والتطوّرات التي رافقت تلك المرحلة، بل ساهمت مساهمة ناشطة بإعداد الكثير من الإتّفاقيات والإعلانات والبرامج الدولية التي تمّ إقرارها في حينه، وأسّست لمرحلة النظام الدولي الجديد. وقد سعيت جاهدا أن أنقل إلى الإدارة والرأي العام في لبنان، وبكل أمانة وتفصيل، كلّ هذه التحوّلات والتطورات. كتبت التقارير شارحا التفاصيل. وكتبت العشرات من المقالات والأبحاث في الصحف والمجلّات والدوريات العلمية.

وأصدرت حتّى اليوم عشرة كتب. وألقيت عشرات المحاضرات. لكن عبثا. فالعقل الرسمي اللبناني كان يعيش أسير الهيمنة الخارجية على القرار الوطني، كما أنّ المواطن كان يعيش أسير فكرة "الوفاء" لمن قاده في مرحلة الحرب وسفك الدماء. عقل المواطن المسؤول والمواطن العادي، كان محكوما وما زال، بهذه الظروف المأساوية المستمرّة.

نعم، الإتّحاد السوفياتي شكّل منذ بدايات القرن العشرين، قوّة متناقضة فكريا، وإقتصاديا، وفلسفيا، وإيديولوجيا مع الإمبراطوريات الإستعمارية التي سادت منذ القرن الثامن عشر وما بعد. ألإتّحاد السوفياتي لعب دورا هاما في حركة تحرير الشعوب من الإستعمار، وأيضا في إقامة دول جديدة بناء على مفهومه لحق الشعوب في تقرير المصير.

ألإتّحاد السوفياتي لم يساعد فحسب دولا أوروبية كرومانيا وبولونيا وبلغاريا ولاتفيا وفنلندا وغيرها، ليكون لها شخصيتها القانونية الدولية الراهنة، بل ساعد أيضا في إنشاء دولة إسرائيل في فلسطين، وكان أول دولة تعترف بها حتى قبل الولايات المتّحدة الأميركية وبريطانيا. ألإتّحاد السوفياتي كان يرفض السماح بهجرة اليهود السوفيات إلى إسرائيل، لكنّ الإتّحاد الروسي فتح لهم الباب فتزايدت أعدداهم في ذلك البلد حتى صاروا قوّة أساسية أوصلت من بينهم رئيسا للوزراء.

لا أحد ينكر دور الإتحاد السوفياتي في إنهاء الحكم النازي في أوروبا. ولا ننسى دوره في إنشاء الأمم المتّحدة. لكنّ الإتّحاد السوفياتي هو الذي فرض "حق" الفيتو في مجلس الأمن، وذلك خلال المفاوضات بين ستالين وروزفلت وتشرشل أثناء المؤتمرات التحضيرية من أجل إطلاق هذه الهيئة الدولية.

"حق" الفيتو هو الذي عزّز من سيطرة القوى العظمى على السياسة الدولية، وأضعف دور الأمم المتّحدة. كان همّ الإتّحاد السوفياتي في حينه، أن يرسّخ سيطرته على الدول التي وقعت تحت سيطرة قوّاته خلال الحرب العالمية الثانية، ولاسيما في أوروبا الشرقية. هذا إضافة إلى أنّ الإتّحاد السوفياتي هو الذي دفع الأوروبيين للقبول بالدولار كالعملة الجديدة لتحديد سعر أونصة الذهب، وذلك بعد أن تلقى ستالين وعدا أميركيا بدعمه بـ 15 مليار دولار لإعادة إعمار الإتّحاد السوفياتي، في إطار خطّة مارشال لإعادة إعمار أوروبا. البريطانيون الذين كانوا ممتعضين من هذا الأمر، أضطرّوا للموافقة أخيرا على هذا الشرط الأميركي لتمكين أوروبا من النهوض مجدّدا. وقد كانت خطّة مارشال تشمل كذلك، إعادة بناء دول أوروبا الشرقية. لكنّ الإتّحاد السوفياتي رفض ذلك.

لا أريد أن أذهب بعيدا في هذا المدخل. لكن من الواضح أنّ الجيل السياسي والفكري الذي عايش الحرب الباردة، بما في ذلك في لبنان، ما زال يقيم فكره على أساس الصّراع الفكري العقائدي، الذي كان يغلب الفكر السياسي الدولي حتى نهاية التسعينات من القرن الماضي، وسقوط الإتّحاد السوفياتي، وقيام النظام الدولي الجديد. فبعد سقوط الإتّحاد السوفياتي طغى مفهوم فكري جديد على مختلف دول العالم بما في ذلك الإتّحاد الروسي. لطالما أعطيت مثالا بسيطا في محاضراتي الجامعية، يساعد في فهم واقع المتغيرات. كنت أقول أنّ العالم كان موزعا قبل العام 1990، على سطوح ومقصورات حاملات بحرية مختلفة.

حاملة ضخمة يقودها الربّان الأميركي، تحتل سطحها ومقصوراتها الدول المتحالفة معه. وحاملة ضخمة أخرى، يقودها الربّان السوفياتي، تحتل سطحها ومقصوراتها الدول المتحالفة معه. وهناك حاملة كبيرة ثالثة، لا يقيم فيها سوى ربّانها الصيني. وكذلك وجدت حاملات مختلفة الأحجام لدول عدم الإنحياز، بعضها يقترب من الحاملة الأميركية أحيانا، ومن الحاملة السوفياتية حينا آخر. وعندما غرقت الحاملة السوفياتية، صعد جميع ركاب الحاملات الأخرى، إلى الحاملة الأميركية. في حينه، بدأ النزاع بشأن من سيكون الربّان في تلك الحاملة التي تمثّل اليوم العولمة.

ألنزاع بشأن من سيكون الربّان، يمثّل الصراع بين الدول الكبرى. ربابنة الحاملات، وبشكّل خاص الإتحاد الروسي والصين والهند والبرازيل، التي انضمّ ركابها إلى الحاملة الأميركية، لا يقبلون الوقوف خلف الربّان الأميركي ولا يبغون إزاحته من مقعده، بل يبغون مقاعد إلى جانبه في قيادة الحاملة. ترى متى نفهم هذا الواقع، فننظر في طريقة مغايرة إلى كيفية تعاطينا مع صراعاتهم؟.

يأتي السؤال التالي: ماذا يريد الكبار من الربّان الأميركي؟ كلّ الكبار لديهم ما يكفي من السلاح النووي كي يفرضوا جلوسهم إلى جانب المقعد الأميركي. وقد تبلوّر هذا الأمر فعلا، بقبول الولايات المتّحدة للشراكة السياسية للإتّحاد الروسي في قيادة العالم بدلا عن الإتّحاد السوفياتي، عندما قبلت به خليفة لهذا الأخير في عضوية مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة، وامتلاكه بالتالي، "حق" الفيتو الذي يمنع أي قرار بشأن السياسة العالمية دون موافقته. لكنّ الإتحاد الروسي والصين ودول أخرى يريدون أيضا الجلوس إلى جانب الولايات المتّحدة في قيادة العالم إقتصاديا. السيطرة العالمية اليوم ليست للسلاح وحده، بل للإقتصاد. إنطلاقا من هذا الأمر يأتي السؤال التالي: كيف يسير هذا الصراع وأين نحن منه؟

أجيب في الحلقة القادمة على هذا السؤال.

*سفير لبنان. دكتور في القانون الدولي باحث زائر في جامعة تكساس. كاتب وناشط اجتماعي

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment