لبنان، هل نفقد الأمل؟

03/26/2022 - 12:26 PM

Prestige Jewelry

 

 

حسن الخطيب

 

منذ زمن بعيد وأنا أريد الكتابة عن الوضع في لبنان، غير أنّ التردّد كان سيد الموقف نظراً إلى أنّني لم أكن قادراً على تحديد المنظار الذي يجب استخدامه لمقاربة الموضوع اللبناني. منذ زمن بعيد،  أشعل أحدهم فتيل القنبلة اللبنانية و بدأ الجمر ينتشر بهدوء تام تحت الرماد الذي خلّفته الحرب الأهلية. كانت الحرب قد ألقت بمركب الوطن على جزيرة صغيرة في منتصف المحيط العاتي الأمواج.

ظنّنا أنّنا نجونا وأنّنا أصبحنا على اليابسة من دون أن ندرك أنّنا استقرّينا على جزيرة نائية قد يغمرها البحر في أي لحظة. منذ العام 1990، حاول اللبنانيون نسيان الحرب ومآسيها، انصرفوا إلى محاولة بناء حياتهم عن جديد، عاشوا في وهم السعادة ، في وهم استقرار استمر حتى العام 2005 الذي شهد انفجاراً جزئياً دخل الوطن معه درب جلجلة أدّت إلى الهاوية التي نقبع في داخلها حالياً.

منذ العام 2005، أصبح لبنان في عين العاصفة. توالت الإغتيالات، توالت الإنهيارات، تراكمت الصراعات الطائفية والحروب المناطقية، نهشت السياسات الخاطئة جسد الإقتصاد الهش والمتهالك، وتربى جيل بأكمله على أسس الحقد والغرائز الطائفية إلى أن حان وقت الانفجار.  

لم يعد الوطن المتهالك يستطيع أن يتحمّل الضغوط، فسقطنا في عمق المحيط لندرك أنّنا لم نكن يوماّ على اليابسة. بكل بساطة رمى بنا الموج على جزيرة صغيرة وأمهلنا بضع سنوات قبل أن يغمرنا من جديد. في خضمّ سنتين انهار كل شئ. تهاوى الاقتصاد، انفجرت الصراعات الطائفية، وفتحت أبواب الجحيم على مصراعيها.

لطالما آمنت بمنطق جبران: لكم لبنانكم ولي لبناني. لطالما آمنت بمقولة فيروز: الإيام الجايي جايي وفيها الشمس مخيابة. ولطالما تسلّحت بهاتين المقولتين لمحاربة الإحباط والواقع الصعب الذي رافقنا منذ الطفولة ونحن نسمع آباءنا وأمّهاتنا يرددون: با ابني الوضع مش منيح. أحببت لبنان الذي يشبهني: لبنان فيروز، لبنان عبد الحليم كركلا، لبنان جبران، لبنان عاصي الرحباني، لبنان مقاعد الجامعة الأميركية،  لبنان العيش المشترك، لبنان العلم والنور، لبنان الرسالة. ولكنّني لا أنكر أنّ الشعارات والأحلام والآمال التي لطالما تمسّكت بها انهارت أمام قوة كرة النار التي أحرقت أوصال الوطن في السنوات الأخيرة.

كيف يمكن إيجاد حلول في ظلّ سوداوية الوضع الحالي؟ من أين نبدأ؟ من الوضع الاقتصادي؟ ألم تكن الحكومة الحالية حكومة طوارئ أطلق عليها اسم حكومة إنقاذ نظراً لخطورة الوضع القائم الذي يستلزم إجراءات يومية طارئة؟ أين هذه الإجراءات؟ ماذا عن الإشتباك السياسي والطائفي؟ هي نفس الشعارات الرنّانة، هو نفس التحريض، هي نفس لغة الخوف من الآخر، هي تلك الخطابات الفارغة التي لا تزال للأسف قادرة على جذب العقول الفارغة التي لم تتعلّم من التجربة.

لا أنكر أنّني في مرحلة من المراحل كنت كسائر الشباب منجذباً إلى شعارات بعض الأطراف السياسية، لكنّني عدلت عن أي تأييد لأي طرف بعدما رأيت عبر السنين آداء كل الأحزاب والأطراف والذي أثبت أنّ لغة المصالح والفساد هي اللغة المشتركة بين هؤلاء.

أعتقد أنّ المشكلة التي يعاني منها الشعب اللبناني هي ضعف الذاكرة. نقترب حالياً من الإنتخابات وها هي الأحزاب تطلق حملاتها المبنية على تخوين الآخر وإيهام الناخبين أنّ الطرف الآخر هو المذنب فيما وصلنا اليه. وهنا يطرح السؤال؟ هل فقد الناس الذاكرة؟ وفي حال فقدوا الذاكرة، يمكنهم اللجوء إلى موقع اليوتيوب. أصدقائي، هذه الأحزاب من دون استثناء كانت طرفاً في اللعبة الجهنمية التي أوصلت الوضع اللبناني إلى قعر جهنم. عودوا بالذاكرة قليلا إلى الوراء. ألم تتحالف هذه الأحزاب في عدة استحقاقات ومواقف؟ ألم يخوّنوا بعضهم قبل أن نجدهم في اليوم الثاني يتشاطرون المائدة لمناقشة التحالفات؟ ألم يجتعموا حول قوالب الحلوى للإتفاق على كيفية إدارة شؤون الفساد؟. اللعبة هي كما يلي: إذا كنّا على اتفاق فأنت شخص جيد ونزيه، وعندما نختلف تصبح مجرماً وفاسداً.

تتراءى لي يومياً أخبار الحملات الإنتخابية والإحصاءات والحواصل الإنتخابية فأشعر بالإحباط وتنتابني الحيرة من حالة الإنكار التي تتجسّد في هذه الأخبار. غير أنّ مصدر الإحباط الرئيسي بالنسبة لي هو مواقع التواصل الإجتماعي التي تحوّلت إلى منبع للفساد والحقد. أتصفّح هذه المواقع يومياً فأرى شباباً من المفترض أنّهم على درجة عالية من الثقافة يمضون وقتهم في السباب والتهجّم والدفاع المستميت عن زعيمهم. أحاول فهم وجهة نظرهم فأفشل في ذلك مراراً وتكراراً.  

من حق كلّ إنسان لا بل من واجبه أن يؤمن بثقافة معينة أو بفكر معين أو بمنظار معيّن يرى من خلاله الوطن. ولكن على الشباب اللبناني أن يدرك أنّ هؤلاء السياسيين الذين يدّعون حماية هذه الشعارات والأفكار هم في الحقيقة تجّار وبائعي وهم. إيّاكم أن تصدقوهم،  لقد امتهنوا الكذب، إياكم أن تنجرّوا وراء لعبة الدين والطائفة، فالدين بكل بساطة هو نمط حياة وأعمال وعلاقة الإنسان مع خالقه الذي سيكون الحكم الوحيد على أفعاله. الدين ليس الخوف من الآخر كما قالوا لنا في لبنان على مدى سنوات. اقرؤوا قصيدة نزار قباني الذي يقول فيها: في حارتنا ثمة ديك أمي يرأس احدى الميليشيات، لم يتعلم الا الغزو والا الفتك والا زرع حشيش الكيف وتزوير العملات، كان يبيع ثياب أبيه ويرهن خاتمه الزوجي ويسرق حتى أسنان الأموات. كيف سيأتي الغيث الينا؟ كيف سينمو القمح؟ كيف يفيض علينا الخير وتغمرنا البركة. هذا وطن لا يحكمه الله وانما تحكمه الديكة.

يقولون لنا أنّه لا بديل عن الأسماء الموجودة، ويا لهذه الكذبة. دعوني أردّد عليكم بعض الأسماء التي لطالما حلمت أن أراها تتصدّر المشهد السياسي اللبناني: غسان سلامة، راغدة درغام، طارق متري، جهاد أزعور، زياد بارود وأخرين كثر. كيف يجرؤ البعض على القول بأنّ لبنان غير قادر على تصدير أسماء ووجوه جديدة؟ من قال أنّ قدرنا هو التعايش مع أصحاب الوجوه المكفهرّة والإنجازات الخالية و الخطابات الفارغة. لا يا أصدقائي، نحن أفضل من ذلك بكثير.

لا أريد أن أدخل في بورصة الأسماء ولا أريد أن يكون كلامي دعماً لأي شخصية أو مرشّح ولكنًني أستطيع أن أرى بعض الوجوه المرشحّة التي تبعث القليل من الأمل من دون أن يعني ذلك أنّ هؤلاء هم في مصاف المخلّصين. إن أردت إعطاء أمثلة، فيمكنني ذكر الشاب جان كلود صعب الذي كان لديه ما يكفي من الجرأة والنضوج للترشح في بعبدا، المرشح كميل موراني الذي يملك خطاباً متزناً وواعياً، لائحة شمالنا التي تضم وجوه جيدة، السيدة غادة عيد التي أظهرت ثباتاً في مواقفها، السيدة كارن بستاني التي تشكّل رمزاً إعلامياً راقياً ووجوه وشخصيات أخرى.

أصدقائي، لبنان لم يمت بعد، هو على فراش الموت و مسؤولية إنقاذه تقع على عاتقنا. تحرّروا يا شباب لبنان من كل القيود وتذكروا مقولة غوته: "يتوقف مصير كل أمة على شبابها". تجرؤوا على الحلم، كي يصبع الغد ملكاً لنا.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment