اللبنانيون والحرب في أوكرانيا (2)

03/25/2022 - 13:28 PM

Your Ad Here

 

 

السفير د. هشام حمدان

 

كتب أحد الزملاء تعليقا على مقالتي السابقة أيّد فيه موقف وزير الخارجية اللبنانية الدكتور عبدالله أبو حبيب بالنسبة إلى إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، معتبرا أن منطق الإجتياح الروسي لذلك البلد، تمّ بحجة أن أوكرانيا ليست دولة مستقلّة، وهي جزء من روسيا، وأنّ رؤساء الإتّحاد السوفياتي هم الذين أعطوها إستقلالها. وقد لفت بهذا الصدد، إلى خطاب الرئيس بوتين عشية الغزو معتبرا أنّ هذا الكلام خطير جداً، لأنّ دولاً كثيرة يمكن أن تبني مواقفها عليه، وتستطيع عندئذ تركيا مثلا، المطالبة باستعادة سوريا ولبنان، كونهما كانا جزءا من الإمبراطورية العثمانية.

أنا أتّفق مع سعادة الزميل بأنّ هذا الكلام مرفوض. ومن المؤسف أنّه لم يتمّ شجبه خلال كلمات معالي الوزير، أو مندوبة لبنان في الأمم المتّحدة، خلال تبرير الموقف اللبناني من التصويت والإدانة. لكنّ هذا الموقف الروسي التصعيدي ليس السبب الحقيقي للإجتياح. علينا أن نذكر أنّ الإتحاد الروسي حذّر مرارا من قبول مطلب أوكرانيا الإنضمام إلى حلف الناتو معتبرا أنّها تشكّل تهديدا لأمنه القومي. يمكن أنّ أوكرانيا وجدت في سابقة دول البلطيق التي انضمّت إلى حلف ناتو عام 2020، سببا يشجّعها على السير بطلبها. لكنّ حسابات روسيا لها وجهة أخرى.فحلف الناتو ليس حلفا إقتصاديا أو بيئيا، بل هو حلف عسكري معروف، لكنّه يحمي في آن معا تحالفات إقتصادية أوروبية لها أثرها الأكيد على المصالح الروسية.

لم يأخذ الناتو بالتحذيرات الروسية، وتجاهل أنّ الأمن القومي ما زال يطغى على الإستراتيجيات الوطنية للدول. فعلى الرغم من تقدّم النظرة العالمية للعالمية الليبرالية، التي بشّر بها "إيمانويل كانت"، في القرن الثامن عشر، حين دعا إلى إخضاع المصالح الوطنية للدول القومية، إلى الصالح العام والقانون الدولي، فتجلّت هذه النظرة في إنشاء الأمم المتّحدة والحوكمة العالمية، إلا أنّ كبرى الدول، ومنها الولايات المتّحدة الأميركية وروسيا اللتان دفعتا قدما بالأمم المتّحدة، ما زالتا تعتمدان فكرة الدولة القومية وفلسفة توماس هوبز الذي يعتبر أنّ "قوانين الطبيعة (العدالة والإنصاف والتواضع والرحمة، وبالمجمل معاملة الآخرين المعاملة نفسها التي نرتقبها منهم)، نقيضاً لأهوائنا الطبيعية التي تحملنا على التحيّز والغرور والانتقام إلخ." ورأى أنّ أهواءنا الطبيعية هي موضع إحترام كونها "تثير الذعر". كما اعتبر أنّ "الاتفاقيات البعيدة عن السيوف، ليست سوى كلمات خالية من أيّة قوّة تؤمّن الحماية لأيّ كان".

قد لا يكون الخوف الروسي من الصواريخ النووية هو عامل القلق بالنسبة لتمدد الحلف نحو أوكرانيا. فقد تعايش الإتّحاد الروسي مع إنضمام دول البلطيق، التي تشاركه بحر البلطيق، إلى حلف الناتو. قد تكون مخاوفه بالنسبة لأوكرانيا، ناجمة عن عوامل إقتصادية. لكن وبكلّ الأحوال، فإن تلك الخطوة شكّلت تهديدا لأمنه، وبالتالي للأمن والسلم الدوليين.

وباعتقادي أنّه علينا أن نذكر ما حصل أوائل الستينات من القرن الماضي عندما تمّ اكتشاف منصّات للصواريخ النووية السوفياتية في كوبا. في حينه، وصل العالم إلى شفير الحرب النووية. وقام الأميركيون بغزو كوبا في خليج الخنازير. لم تنجح عملية الغزو، لكنّ الثابت أنها لو نجحت، لتابع الأميركيون غزوهم لإسقاط نظام فيديل كاسترو. وعليه، إذا كان القانون الدولي وميثاق الأمم المتّحدة يرفضان التهديد باستخدام القوة، او استخدامها في العلاقات الدولية، إلا أنّهما يرفضان أيضا أي إجراء يهدد السلام والأمن الدوليين. القبول بانتشار الناتو على الحدود الروسية، شكّل تهديدا للأمن والسلم الدوليين.

ثم هل ننسى أخيرا، أنّ ثمّة أقلّية مهمة تعيش في شرق أوكرانيا، هي الأقلية الروسية؟ إنّ تجاهل العواطف والروابط العرقية والتاريخية للأقليات، يؤدي إلى زعزعة الإستقرار والأمن الوطنيين. في الواقع، إنّ بلدا مثل أوكرانيا يعيش على حدود الإتّحاد الروسي، وهو قوّة عظمى، ولديه أقلّية روسية كبيرة، كان جديرا به أن يرفع شعار الحياد منذ زمن بعيد، وأن يمنح الأقليات فيه ما يكفي من الحريات التي تمنع عن البلاد أي تبرير لتدخّل خارجي.

وحياد أوكرانيا صار الآن موضوعا أساسيا في الحوار الدولي، لإخراج ذلك البلد من مأزقه. كان على الأوكرانيين أن يتذكّروا أنّ النمسا لم تتحرّر من الإحتلال السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية، كما أنّ فنلندا والسويد لم تنجوان من لعنة ستالين، إلا بحيادهم . وقد بدأت دول البلطيق تشعر بدورها، بالقلق بعد أحداث اوكرانيا، وتخشى أن تلحقها من جديد لعنة ستالين.

من واجب اللبنانيين في هذه المرحلة، أن يقرأوا هذه الوقائع بدقّة. لا يجوز لشعب مؤلّف من عدّة أقليات، أن يذهب بعيدا في إندفاعاته العاطفية تجاه الأحداث في أوكرانيا. هذا الأمر سيتحوّل إلى مادة إشتباك وتباعد إضافيين بيننا. أعتقد أنّ المصلحة الوطنية تقضي بتحييد لبنان عن هذا الصراع الدولي الخطير. لقد رفعنا شعار حياد لبنان طريقا لإخراجنا من نفق الحروب المستمرّة على أرضنا، فكيف نتجاهل هذا الشعار؟ نحن ما زلنا نعاني من الحروب التي دمّرت بلدنا منذ خمسين سنة، بسبب حماس سكاننا لخدمة صراعات الآخرين تحت شعارات العدالة والحق. دور لبنان ليس في التحوّل إلى ساحة لهذه الحروب، بل إلى خدمة السلام بين المتصارعين من خلال دعم ودفع آلية القانون الدولي ونظام الأمم المتّحدة.

في الحلقة الثالثة: مسارات الحرب العالمية الجديدة

*سفير لبنان. دكتور في القانون الدولي باحث زائر في جامعة تكساس. كاتب وناشط اجتماعي

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment