السفير د. هشام حمدان
حصل ما توقعته بعد فشل مجلس الأمن في إدانة الإجتياح الروسي لأوكرانيا. فقد التأمت الجمعية العامّة للأمم المتّحدة عملا بالقرار 377 "الإتحاد من أجل السلام" لعام 1950، للبحث في هذا الموضوع، وتبنّت قرارا وصفه البعض بالتاريخي، "يشجب" بأقوى العبارات الإتّحاد الروسي، ويطالب بحل دبلوماسي للنزاع.
لا أريد في هذه المقالة أن أناقش في أبعاد هذا القرار، وسأتوقف فقط عند ما يعنيه بالنسبة للبنان. فمن حيث الشكل أحيي كلمة مندوبة لبنان في الأمم المتحدة أمل مدللي لتبريبر الموقف اللبناني من عملية التصويت على القرار، وسرّني كثيرا أنّ التبرير الذي قدّمته أحال إلى العمق القانوني والميثاقي الذي تسعى كل الدول المحبة للسلام دائما إسناد مواقفها له في الأمم المتّحدة.
لبنان نموذج عن المعاناة سواء بالنسبة للحروب التي عانى ويعاني منها، أو بالنسبة للإجتياحات الإسرائيلية لأراضيه. لقد انسجم هذا الموقف ليس فقط مع ظروفنا التي أحالت إليها سعادة المندوب الدائم، بل وقبل كل شيء، مع أحكام القانون الدولي، ومع روحية ميثاق الأمم المتّحدة وأهدافها وأحكامها. وشكّل هذا الموقف ضد دولة عظمى موقفا مبدئيا تاريخيا يستجيب للدور اللبناني الذي ساهم عام 1945 في إنشاء الأمم المتّحدة، وصياغة ميثاقها. " نحن نرفض اللجوء إلى استخدام القوّة في العلاقات الدولية. ولا يمكن اللجوء إلى العمل العسكري، إلا في إطار الدفاع عن النفس وفقا للمادة 51 من الميثاق، ووفقا للشروط التي نصّت عليها هذه المادة."
إن استناد الدبلوماسية اللبنانية إلى المواقف المبدئية، كما اعتدناها، لا يخدم لبنان فحسب، بل يشكّل خدمة لكلّ الدول الصغيرة والضعيفة إزاء القوى الكبرى، بما في ذلك الولايات المتّحدة وأوروبا. وقد اعتدنا أن تكون مواقفنا منسجمة مع مواقف الدول الأعضاء في حركة عدم الإنحياز والمجموعة العربية. ولذلك، فقد أسفت في حينه، لسرعة صدور بيان الخارجية بإدانة الإجتياح الروسي، معتبرا أنّه رغم كل شيء، لم يبرز على أساس أنّه موقف مبدئي، بل هو موقف لأسباب غرضية وخدماتية تخدم الولايات المتّحدة. ولا أخفي أنني أرجو أن لا يكون التصويت إلى جانب القرار في الجمعية العامّة لأعراض خدماتية ولو تمّ تغليفه بالمبادئ المشار إليها.
لا أعتقد أنّه كان من الضروري التصويت إيجابا على القرار، وكان يكفي الإمتناع عن التصويت، كما فعل العراق الذي عانى مثلنا وأكثر. ومن يقرأ التبرير الذي قدّمه مندوبا العراق والجزائر، يفهم أهميّة النظرة الاستراتيجية الوطنية التي تجمع بين المصلحة الوطنية والمواقف المبدئية. كنت أتمنى أن لا يخرج لبنان عن طريقة تعاطيه الدقيق في العلاقات مع القوى العظمى. فكلّ هذه القوى لها تاثيرها البالغ على مصالحه
أقول هذا الأمر لأنّني لاحظت عدّة أمور لها صلة بهذا الأمر، الأول: سرعة تعليقات بعض المعنيين على صحّة موقف وزارة الخارجية في حينه، لجهة إصدار بيان من الخارجية يدين الإجتياح الروسي لأوكرانيا. وثانيا: المعلومات التي أشارت إلى استلام رئيس الجمهورية رسالة من المفاوض الأميركي بالنسبة إلى ترسيم الحدود البحرية، وإلى استقباله السفيرة الأميركية التي نقلت له تهديدا ضمنيّا بشأن الأضرار التي قد تلحق بلبنان إذا لم يكن مؤيدا للقرار. وثالثا: سرعة إعلان رئيس الجمهورية إثر ذلك بأنّ هو من يمسك قرار التفاوض حول ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. ورابعا: الإعلان عن استدعاء قائد الجيش والضباط الكبار في قيادة الجيش، بسبب تفجير "التليل" في الشمال .
أنا واثق أنّ الوزير أبو حبيب الذي هو من الطاقم المميّز في العمل الدبلومانسي، يشاركني الرأي بأنّ الظروف قد تتغير وأن المبادئ هي الثابت الوحيد الذي يبقى لنا. لكنّه في الواقع يخضع لرئيس جمهورية من طراز آخر يختلف عن كل الذين شهدهم لبنان منذ استقلاله. هو وصهره لا ينظران إلى الأمور ببعد مبدئي، بل ببعد ميكيافيللي. ولذلك فأنا أخشى أن يغتنم الرئيس وصهره هذه الواقع للتجاوب سريعا مع الإرادة الأميركية بشأن ترسيم الحدود البحرية، بالاستناد إلى الخط 23، وليس الخط 29، الأمر الذي يربحه سياسيا ويقتطع من لبنان مجانا، أجزاء من مياهه الإقليمية، مما يفقده ثروة نفطية وغازية كبيرتين، إضافة إلى إضعاف موقعه في التفاوض في حينه، على الحدود النهائية البريّة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي.
ومن الواضح أن الرئيس يسعى إلى ضرب الحديد وهو حام. ففي ظل هذا الإنقسام الدولي، والتشدّد الأميركي، والتهديد القضائي لقيادات الجيش، واقتراب موعد الإنتخابات النيابية في لبنان، واقتراب إقرار الإتفاق النووي بين أميركا وايران، فإنّ القوى السياسية الطائفية ولاسيما في المعارضة كالقوّات اللبنانية والتقدمي الإشتراكي والمستقبل، قد تجد أنّ من مصلحتها الصمت على ما يقوم به رئيس الجمهورية كما فعل حزب إيران، فلا تغضب أميركا ولا تخسر الإنتخابات، وتحتفظ بالنقد والتجريح إلى ما بعد الإنتخابات. وفي حينه يكون الذي "ضرب قد ضرب، ومن هرب هرب".
أيها اللبناني، حذار. يجب المحافظة على سياستنا الدائمة بالإصرار على اعتماد مواقفنا بالاستناد إلى قواعد القانون الدولي والشرعية الدولية. هذا الأمر لن يغضب أميركا بل سيجعلها ترضخ. التهديد والترهيب لا يعني المعاقبة فعلا، بل هي جوانب من المفاوضات، تستخدمها القوى الكبرى. المواقف القانونية تمنحنا حقوقنا، ولا تعارض حقوق الآخر. لذلك من الضروري الإصرار على الالتزام بخط الهدنة، وبترسيم الحدود البرية الذي تبعه بموافقة إسرائيل والأمم المتّحدة. فانطلاقا من هذا الخط، يبدأ تحديد الحدود البحرية بين الجانبين. وقد يقع خلاف بينهما كما حصل بالنسبة لموضوع طابا بين مصر وإسرائيل، لذلك فعلى لبنان الإصرار على إحالة الموضوع إلى المحاكم الدولية المعنية ولا سيما محكمة قانون البحار.
*سفير لبنان. دكتور في القانون الدولي باحث زائر في جامعة تكساس. كاتب وناشط اجتماعي










03/23/2022 - 10:44 AM





Comments