لا تعيش مرة واحدة

05/26/2021 - 10:06 AM

Bt adv

 

 

 أحمد علام - المحامي

 

غاية ما هنالك كثرة هائلة من التجارب الإنسانية، تترامى في كل الإتجاهات بألوان لا تنتهي؛ ولكل لون مشاعره الخاصة بقدر عدد المخلوقات التي ترى ما يحيط بها بعين مختلفة، تساهم في بلورة أفكارها الخاصة وبذلك لن يجدي معها حصراً ولا إحصاءاً، بل تظل تلك الموجات تتسع قطرها إلى مالا نهاية، وراية التنوع والتعدد في وجهات النظر والخبرات الحياتية الخاصة المحدودة، في زمن تتعالى عن الهبوط والإنتكاس حيث لا تتوقف توالد الأفكار، وزراعتها في بيئة مناسبة لها لا تتعدي أحداً آخر أو حتى تشبهه؛ وذلك بفضل الكيمياء الخاصة لكل مخلوق.

لا يخفى عن ذي لب سراديب الحياة التى تتقاطع، وتتقابل ما بين حماس للعمل وآخر للزواج، وتارة للإنتقام عن تجربة قاسية ظالمة وموجة من الإنفعال الشديد، للوصول للحق وتدفق من الهجمات الغوغائية، ولمحات من رومانسية وشظايا من حرائق الغرام وخطط إبليسية لا تضمر إلا شراً؛ وتراشق مادي ومعنوى بين أعداء، وضحكات ناعمة بين أطفال يلعبون وشغف طالب لتحصيل العلم وصومعة عابد لا تجف دموعه؛ وبهجة فتاة بجمالها؛ وحنان أم يسرى فى عروق الهواء لإطفالها وحضن الأمان للأب.

وهكذا تتنوع المعايش والمشاعر في كل أركان المعمورة، وينفرد كل مخلوق بحالة خاصة جداً من المشاعر؛ والظروف والإستعداد المختلف عن غيره.

لم يعد للإنسان مفر فى عمره المحدود بنقطة بداية ونهاية؛ إلا أن يكسر تلك الأسوار الحائلة دون إثراء حياته، وتزكيتها والإرتقاء بها من خلال الإستفادة من تجارب الآخرين وحياتهم المتناثرة في كل صوب، ولا ريب أن الحياة الواحدة لا تثمر إلا ثمرة واحدة؛ حيث أنها تتألق من وجهة نظر واحدة بتفاصيل خاصة لشخص معين تتناسبت مع إنفعالاته وردود أفعاله.

 لكل موقف ظروف معينة، فكان من الضروري لكل عاقل أن يتفهم حياة الآخرين، ويتقمص أدوارهم كاملاً حتى تنفعل مشاعره مثلهم ويرى بعيونهم مالا يراه بعينه فتتجلى له الصورة أكثر إيضاحاً؛ ثم يعود لحياته الخاصة بمزيد من الفهم والنضج، اللذان ينعكسان على دوره الحقيقي بالحياة فيصبح أكثر إتزاناً وإنسجاماً مع الكون كله.

تتألم صورة الإنسان الأحادى التفكير في إتجاه واحد، ولا يفهم غيره حتى يتصلب إدراكه للأشياء؛ وتشذ ردود أفعاله تجاه مسلك الآخرين ولا تقوى نفسه على الإندماج المجتمعى؛ والإنصهار فى العقل الجمعى للأفراد فيتصرف وكأنه أحد الأغنام الشاردة عن القطيع، ولا يأكل الذئب من الغنم إلا القاصية فتتزاحم عليه السموم القاتلة من الأفكار، التى لم يستعد لها بلقاح الفهم لحياة الآخرين.

ما أجدى من أن يُشبع الإنسان عطش نفسه للأفكار والفهم والتعقل، لكل ما حوله حتى يشبع حاجاته النفسية والعقلية، التى تدور حولها كل أحواله وما من سبيل لذلك، إلا القراءة والتأمل لكل ما يجرى من حوله والعيش بخياله لكل حالة وظرف، لدرجة التأثر الكامل لآلام الآخرين؛ ومعاناتهم ليستحق شرف وصفه بإنسان ويصل بذلك لأفضل نسخة منه لأنه لم يعيش مرة واحدة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment