احمد علي*
استخلاص إمكانية التغيير السياسي في العراق، عن طريق الانتخابات المقبلة (المزمعة في أكتوبر القادم)، يستدعي تمحيص كمٍ هائل، مِنْ المناقشات والتحليلات والعبارات، و وضعِها في جهازٍ للطرد المركزي التنظيري، يُشرِف الوعي على سُرعة دورانه المطلوبة.
هذا التمحيص بشكلٍ كبير و واضح، يجب أن يهرُب بعيداً عن العواطف الإيجابية والسلبية، لأن الوقت المتبقي، ليس فيه تلك المساحة الكبيرة، حتى يتمكن الفرد من الاختيار الصحيح، أو العشوائي، للنُخب الكلاسيكية، و التي هي للطرافة، ابتكرت طُرُقاً لغلقِ الثغرات، أمام كُلِّ محفلٍ انتخابي، لتضمن بالنهاية ابقائها على رأس السُلطة.
هذهِ النُخب السياسيّة المُزمنة، تضع القوانين بنفسها، و تصيغُها صياغةٍ مُتقنة، مِنْ
أجل ابقاء الناخب، عدَّاءً يمتلِكُ القُدرات، لكن بدون ساحاتٍ للركض. الأهم أن يفقد صوتُه الانتخابي، بوصلة الاتجاهات نحو التغيير.
هنا أيضاً، تبرُزُ مشكلة الجمهور: المُتقلِّب، الثابت، و الرافض للفكرة أساساً. اعتقِدُ أن الطِراز المُتقلِّب هو الأهم في الانتخابات القادمة، لكسبِ وصناعة موانئ قابلة للتأهيل التغييري. الطِراز المُتقلِّب، و الذي عادةً ما يجري تعريفُه بـ " الصوت المُتردد" في الأدبيات الإعلامية السائدة، لهُ أهمية حيويةّ في القادم، لأن مشاركة هذا النوع مِنْ الجمهور، سيكون اختبار ورقة عباد الشمس، في امتحانِ نيّة الأحزاب العراقية المُزمنة، في تقبُّل الآخرين، بعيداً عن التشنج الطائفي، التصنُّع الديمقراطي، التكذيب والترهيب الأمني، و خلق روح التفاؤل والتعامل، وفق الأحكام المؤسساتية المقبولة لدى الجميع.
يهمُنا كذلك، معرفة المشاكل والحلول المُضمَّنة، في سياق عملية الانتخابات، بدءً مِنْ خلطة بطاقة الناخب، التحضير للانتخابات وصولاً الى يوم الاقتراع، مشاكل اختفاء الاسماء، عدم وضوح المراكز الانتخابية، وغيرها مِنْ المُعرقلات الطبيعية وغير الطبيعية. أهمُّها كيف نُعيد قناعة المواطن بالعملية الانتخابيّة. بعدها؛ كيف نُقنِعُه أن صوته لن يزوَّر، ولم يسقُط في شِباك الفاسدين.
رصاصة انتخابات 2010 ما زالت تغتالُنا
المسالة كُلُّها بدأت حين خرجت الجماهير للانتخابات في عام 2010. كانت القائمة العراقية و التي تحمِلُ الرقم (333)، و برئاسة رئيس الوزراء الأسبق؛ اياد علاوي، قد حصدت المرتبة الأولى (91 مقعداً)، لكنها جاءت بالمركز الثاني! بعد ائتلافِ دولة القانون (89 مقعداً)؛ برئاسة رئيس الوزراء الأسبق أيضاً نوري المالكي.
وقتها خرجت جموعٍ غفيرة مِنْ المواطنين إلى الشوارِع فرِحة. انتابها هاجس: إنَّ مرحلةٍ جديدة مِنْ مراحل العراق قد حان قِطافُها، و إنَّ صور الدمار والانفجارات والعوز انتهت. إضافةٍ الى مسألةٍ أُخرى، مثَّلت توجه الناخبين الفكري، ولا أقول أغلبهم: مَنْ خرج لينتخب "العراقية"، انتخَبَ عنوان "العلمانية المحافظة". اعتقِدُ أن المصطلح غير موجود فعلاً، لكن وبسبب طبيعة المجتمع العراقي التي أفهمُها، وجدتُ أنهُ مِنْ الممكن مزجُها ، لأنها تُنتِج المجتمع التالي: مجمتعٌ هاضِم لآراء الاخرين وتوجهاتهم، سواء كانوا في الداخل أم في الخارج .
انتخابات 2010، لم تنتهِ بالفرحة، و شطبِ الصور المرعبة، مِنْ الشاشةِ السياسيِة؛ بل جاءت بنتائجٍ مُعاكِسة، حيث انقلبت النتائج، و جاء تفسير المحكمة الاتحادية لـ " الكتلة الأكبر"، مُختلِفاً عمّا اعتقدتهُ الجماهير؛ فانهار كُلُّ شيء في غضون أيّام، و عادت الكفَّة إلى الفائز الثاني، ليُشكِّل الحكومة، و التي بدأ فيها العراق؛ السَّير نحو الهاوية بِسُرعٍ ضوئيّة. زعيم ائتلاف الوطنية الحالي؛ اياد علاوي، دْرَجَ بعدها على ترديدِ عِبارةٍ، أصبحت ماركة مُسجَّلة باسمه: " إنَّ العراق أمام مفترق طُرُق "، و أيضاً: " العراقُ يسيرُ في نفقٍ مُظلِم ونحو الهاوية". جاءت الهاوية في 2014، بدخولِ تنظيم " داعش" الإرهابي إلى البِلاد، مُسقِطاً أربع محافظات، بالضربةِ الطائفيّة القاضية.
هنا؛ يجب التفكير ملياً في هذه المرحلة بالتحديد، و قراءتُها وفق أُطرِها العميقة، لاستنتاجِ الأخطاء التي وقعت، لغرضِ ترسيم السيناريوهات والاتفاقات الإقليمية والدولية؛ التي لعِبت وما تزال تلعب دوراً كبيراً، في فترة الانتخابات، وتشكيل الحكومة. هي تلعبُ منذُ ثمانية عشر عامّاً، دون أن تُحقِقَ أي تقدُّمٍ، في مجال إدارة الدولة ومأسستها، ورفع النمو الاقتصادي فيها.
تشخصُ بالدورِ بعدها، عدّةُ نقاطٍ مُهمة، يجبُ الوقوف عليها؛ فيما لو كان هناك تفكيرٌ جدّي نحو إحداثِ تغييرٍ و لو بسيط، على طريقة قضم مقاعد قليلة، و تبديل العقد السياسي، بين رؤساء الكتل؛ التي تحاوِل سرمديّاً، تمرير ما ينفعُها، و تُخطِطُ لذلك، بإصدار قوانينٍ، يُصوَّت عليها بسرعة البرق! أمّا ما ينفعُ الناس؛ فيمكثُ في أدراج المكاتب، لحين اكتشاف إنّها عقيمة، و غيرُ قادِرةٍ على وضع بيضةٍ أو وليد.
التفكير في أن أحزاب السلطة تموت الآن سريرياً غير صحيح. لو عُدنا إلى قانون الانتخابات، نجِدُ فيه ضمانات كبيرة للأحزاب؛ التي تمتلِكُ السُلطة والنفوذ والمال.. معاييرٌ مهمة جدّاً، و مِنْ غير الممكن أن تُعطي إشاراتٍ، بأن تلك الاحزاب تُعاني شيئاً، ولو في الفترةِ الحاليّة وحتى ما بعد الانتخابات.
المُراهنة على قبول نتائج الانتخابات، مرهونٌ بقبول الأفرقاء السياسيين أولاً لها، بعيداً عن تفاهمات ما بعد تقسيم الكعكة.. مِنْ رئاسةِ الوزراء إلى رئاسةِ الجمهورية، و حتّى ضِفاف رئاسة البرلمان. باقي المناصب سهلةٌ جدّاً، أمام الفائز؛ حامِل سكّين التقطيع. فو مَنْ يدفع تلك القطعة الكبيرة والصغيرة لخصومه، محاولاً إسكاتها في فترة التصويت.
النتيجة: جدائل فشل الحكومة، ستضربُ وجه المواطن. هذا يؤكِّدُ أن الأحزاب المُزمِنة حاليّاً، تسيرُ بأسنانٍ كبيرة، قادِرةٍ على قضمِ الحصَّة الأكبر، مِنْ مقاعد البرلمان، و مِنْ ثمَّ البدء في تسويف مطالب الجماهير بداعي كورونا مثلاً، أو الدَّين الخارجي و الداخلي، المُكبلين للنمو الاقتصادي، و حتَّى قضية إعادة الإعمار، غيرُ القادِرة على الفِرار من الزنازين الإعلاميّة.
*إعلامي عراقي











05/06/2021 - 11:24 AM





Comments