السعودية تتجه نحو ملء الفراغ .. ورافعة الاستقرار .. والقيادة الإقليمية
د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
ما يدور في المنطقة ليس بمعزل عما يدور عالميا بين قوة صاعدة الصين وقوة مهيمنة الولايات المتحدة، وقوة راسخة الاتحاد الأوروبي، تود السعودية قيادة المنطقة نحو ريادة إقليمية تماشيا مع التحولات العالمية لصياغة اقتصاد عالمي، بعدما شعر العالم خطر الاعتماد الآحادي على مصادر الاستيراد من الصين نتيجة الحروب في أوكرانيا وغزة والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والحرب في اليمن من أجل القضاء على المشاريع الأيديولوجية التي تعيق تحقيق التحول الجديد في المنطقة بقيادة سعودية، لتحرير سلاسل الإمداد ووقف تصاعد الضغوط التضخمية، وتسريع التحول الرقمي.
الفراغ القيادي الدولي في المنطقة غير قادر على مواجهة الأزمات، ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية تراجع الدور الأمريكي عن القيادة رغم انها ليست قوة ضعيفة بل بحاجة إلى شركاء، فالخطر في غياب قوة عظمى تقود العالم يؤدي إلى انزلاق العالم نحو الفوضى، فأصبح العالم بين فخين تتصارع أمريكا والصين على الرقائق والرسوم الجمركية، والذكاء الاصطناعي.
العالم بين فخ مصيدة ثوسيدس النزعة نحو حرب حتمية عندما تهدد قوة صاعدة في إزاحة قوة مهيمنة، وبين فخ كيندل برجر الانسحاب الأمريكي تحت غطاء أمريكا أولا، التراجع الأمريكي ومخاوف الفوضى، تغير الأولويات الأمريكية، في التركيز على المحيطين الهندي والهادئ، ومواجهة الصعود الصيني، مقابل الانكفاء والتردد الصيني في سلامة واستقرار الممرات المائية، رغم أن الرؤية التي يتبناها الحزب الشيوعي بتطوير الصين لتصبح دولة متقدمة متوسطة المستوى بحلول عام 2035، وإلى قوة عظمى على مستوى الولايات المتحدة عام 2050، فالشرق الأوسط بالنسبة للصين يحظى بثقل سياسي بالتزامن مع صعود الصين ويعد ركيزة جغرافية وقيمة سوقية مهمة لمشروعات الربط الاقتصادي الصيني العملاق على المستوى الدولي من خلال مبادرة الحزام والطريق .
فالمنطقة شهدت خلال السنوات الماضية تحولات جيوسياسية عميقة جعل السعودية تتجه نحو تبني سياسة خارجية أكثر استقلالية لتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية، ومبادرة لملء الفراغ الذي خلفه التراجع النسبي للانخراط الأمريكي التقليدي في المنطقة، فرض على السعودية بحكم مكانتها نحو صياغة نظام أمني إقليمي مشترك ومتكامل حتى لا يفتح الباب أمام استمرار النزاعات والفوضى في جيوب غير مستقرة مثل اليمن وسوريا وليبيا والسودان فضلا عن التصعيد المستمر في الأراضي الفلسطينية ولبنان، اتجهت السعودية نحو تحقيق الدبلوماسية الاستباقية، جعلها تتجه نحو تصفير المشكلات، وبناء تحالفات متنوعة مع الصين وروسيا إلى جانب الولايات المتحدة وتعزيز شراكاتها مع الاتحاد الأوروبي، لتأمين مصالحها بعيدا عن المظلة الأمريكية التقليدية.
من أجل نظام جديد لابد من وجود شركاء جدد، ولابد من وجود تكتلات وشراكات جديدة، فرض على السعودية أن تملء هذا الفراغ وتتجه نحو تشكيل شراكات جديدة لتقليل المخاطر في المنطقة، تمثلت هذه السياسة في توقيع الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية، لكن شعرت ولأول مرة أمريكا ان هيمنتها بدأت تتآكل، وبدأت تهتز على يد السعودية، ووافقت أمريكا على إعادة سوريا وانتزاعها من المحور الإيراني، خصوصا وأن السعودية تقود جهود التوازن الاقتصادي والسياسي فيما يتعلق بملف استقرار أسواق الطاقة عبر تحالف أوبك بلس مما منحها ثقلا يفرض على القوى الدولية التعامل معها كقطب مستقل، ازدادت أهمية هذا التحالف بعد الحرب الأمريكية على إيران بعدما أثبتت السعودية انها الضامن لملف الطاقة، ولم تستعر الأسعار إلى ارقام فلكية كما كان يعتقد بعض المحللين او كما أرادت إيران.
تضع السعودية استقرار المنطقة كشرط أساسي لنجاح رؤيتها الإقليمية العالمية، مما يدفعها لتجنب الصراعات العسكرية والتركيز على الدبلوماسية الاقتصادية، وهي تدرك أنها معادلة أمنية صعبة، لكن إذا ظلت المنطقة تواجه تحديات هيكلية تتعلق بنفوذ مليشيات وتنافس مشاريع أيديولوجية برفع شعارات تستثمر قضايا تاريخية أو استعمارية كالقضية الفلسطينية، مما يجعل حسم الانتقال نحو الاستقرار الكامل أمرا يتطلب وقتا وتوافقات أعمق.
بالطبع تدرك السعودية أن الولايات المتحدة تقبل بملء السعودية الفراغ في المنطقة، وفي نفس الوقت تدرك الولايات المتحدة أهمية السعودية لأمن العالم ولأمن الولايات المتحدة بشكل خاص، وفي تصريح للرئيس بايدن عندما زار السعودية عام 2022 بعدما فشل في عزلها في تصريح له قائلا لن نترك فراغا في الشرق الأوسط تشغله الصين وروسيا، واعتبر أن انكفاء الولايات المتحدة في عهد أوباما كان خطأ جعل الصين وروسيا تتقدم إلى المنطقة، وكذلك كوريا الجنوبية لملء هذا الفراغ، فالسعودية تملك القدرة على ملئ هذا الفراغ، وقادرة على تشكيل قطبية جديدة لما تحتله من مكانة، يجعل السعودية معادلة صعبة لا يمكن تجاوزها ولا يمكن المرور من خلالها، بل هي قادرة على الموازنة بين جميع القوى العالمية دون أي اصطفاف، وأن تتحول إلى شريك فاعل ومؤثر في صناعة السياسات العالمية.
خصوصا بعدما أدركت الولايات المتحدة انها بعدما زرعت الفوضى في منطقة الشرق الأوسط ثم انسحبت إلى المحيط الهندي والهادئ، أدركت بعد الحرب الروسية الأوكرانية ان منطقة الشرق الأوسط محورية لأمن واستقرار العالم والطاقة، اضطرت الولايات المتحدة بتقديم تنازلات كبرى للسعودية القادرة على مكافحة الإرهاب في المنطقة، وبعدما كانت ألمانيا وبريطانيا وفرنسا يدعمون إيران، وكانت تطالب أمريكا برفع العقوبات عن إيران، وتطالب باحتواء إيران، لكن بعد الحرب في أوكرانيا تحولت بوصلتهم نحو السعودية بعيدا عن إيران، وقبلوا جميعا بان تكون السعودية مركز تصنيع عالمي، والموافقة على توطين جزء كبير من الصناعات الحربية في السعودية، وان تتحول إلى مركز صناعي عالمي.
أعادت الحرب في غزة صياغة موازين القوة، والنفوذ الإيراني يتراجع بعد الضربات التي أصابت بنيته العسكرية، ويشهد لبنان تصدعا في المعادلات التي حكمته طيلة عقود، واليمن يشهد تحولات جذرية نحو استعادة اليمن لشرعيته، وزيارة سمو ولي العهد لواشنطن اعادت تعريف العلاقة بين البلدين من المعادلة التقليدية الأمن والنفط إلى الأمن والاقتصاد والاستقرار الإقليمي لصالح الأمن الاقتصادي العالمي، باعتبار أن واشنطن بحاجة إلى شريك قادر على إدارة التحولات في منطقة الشرق الأوسط، ومنح السعودية حليف من خارج الناتو لتثبيت الرياض ضمن منظومة الأمن الأمريكي، تعيد رسم خطوط النفوذ في الشرق الأوسط بقيادة سعودية من اجل هندسة التوازنات الجديدة في المنطقة مدفوعة برؤية سياسية واقتصادية، مقابل تحييد نفوذ القوى المنافسة في المنطقة التي تراجعت قدراتها او لم تعد قادرة على مواكبة التحولات الإقليمية والعالمية.
لم يعد دور السعودية محصورا في ملء الفراغ الذي خلفه نهاية النفوذ الإيراني المدعوم غربيا في المنطقة، بل أيضا سد الفراغ الاستراتيجي الإسرائيلي الغير قادر على ملء الفراغ الذي تركته إيران، نتيجة عجز بنيوي، وعدم القبول بدورها إقليميا ودوليا، فأصبحت السعودية شريكا في صياغة مقاربة امنية أوسع للمنطقة في فلسطين وسوريا ولبنان والسودان وليبيا، بعدما أصبحت الولايات المتحدة غير قادرة على لعب دورا منفردا فيما هي بحاجة إلى قوة السعودية من أجل بناء منظومة جديدة تقودها الرياض من أجل شراكة ستتحول إلى رافعة لاستقرار مستدام في المنطقة لرسم ملامح شرق أوسط أوروبا الجديدة.
وبدأت ملامح السعودية رافعة الاستقرار والقيادة الإقليمية تتحقق بارتفاع عدد الشركات التي اتخذت من السعودية مقرات إقليمية لها ارتفع العدد من 5 مقرات عام 2018 إلى نحو 780 مقر لشركات عالمية، هذا إلى جانب بروز تكتلات إقليمية لضمان الاستقرار في المنطقة ممثلة بتحالف مكة الثلاثي الردعي، وتحالف إسطنبول الرباعي بجانب الترويكا الأوروبية الرباعية، والقمة الخليجية الأوروبية.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا