تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

منوعات

من طفل لبناني هرب من الحرب اللبنانية… إلى الرجل الذي استجوب صدام حسين لأكثر من 500 ساعة!

جورج بيرو وكتابه الذي يكشف أسرار أشهر استجواب في القرن الحادي والعشرين

بيروت تايمز – تحقيق خاص من اعداد الاب البر حبيب الاسمر تعبك واهتماك

بين أزقة بيروت التي مزّقتها الحرب الأهلية اللبنانية، ودهاليز أحد أكثر الملفات الأمنية حساسية في العالم، تمتد قصة استثنائية بطلها رجل لبناني الأصل تحوّل من طفلٍ مهاجر هرب مع عائلته من أهوال الحرب إلى أحد أبرز ضباط مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI)، والرجل الذي أوكلت إليه مهمة استجواب الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بعد اعتقاله.

إنه جورج بيرو (George Piro)، الذي يروي في كتابه الجديد”The Interrogation of Saddam Hussein: My Six Months Inside the Mind of a Tyrant” تفاصيل ستة أشهر قضاها وجهاً لوجه مع صدام حسين، في تجربة وصفها كثيرون بأنها واحدة من أهم عمليات الاستجواب في التاريخ الحديث.

من بيروت إلى الولايات المتحدة

وُلد جورج بيرو في بيروت عام 1967، وعاش طفولته في لبنان قبل أن تضطر عائلته إلى مغادرة البلاد إثر الحرب الأهلية اللبنانية. هاجر مع أسرته إلى الولايات المتحدة عام 1979 عندما كان في الثانية عشرة من عمره، واستقرت العائلة في ولاية كاليفورنيا.

لم تكن بداياته مختلفة عن آلاف المهاجرين الذين سعوا إلى بناء حياة جديدة في أميركا. إلا أن إتقانه للعربية والإنكليزية والفرنسية، إضافة إلى خلفيته الشرق أوسطية، جعلاه يتمتع بصفات نادرة داخل المؤسسات الأمنية الأميركية.

بعد خدمته في القوات الجوية الأميركية، انتقل إلى العمل الشرطي ثم التحق بمكتب التحقيقات الفيدرالي عام 1999، ليبدأ رحلة مهنية قادته إلى قلب أهم ملفات الأمن القومي الأميركي.

مهمة لن تتكرر

في ديسمبر 2003، ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس العراقي السابق صدام حسين قرب تكريت. وبحثت واشنطن عن شخصية قادرة على كسب ثقته وفهم نفسيته واستخراج المعلومات منه.

جورج بيرو (عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي) - ويكيبيديا

وقع الاختيار على جورج بيرو.

السبب لم يكن معرفته باللغة العربية فقط، بل قدرته على فهم البيئة الثقافية والاجتماعية التي نشأ فيها صدام حسين. وبعد فترة قصيرة من التحضير، أصبح بيرو المسؤول الرئيسي عن استجواب الرجل الذي حكم العراق بقبضة حديدية لعقود.

أكثر من 500 ساعة مع صدام

يكشف الكتاب أن بيرو أمضى أكثر من 500 ساعة مع صدام حسين خلال ستة أشهر، ليس فقط في جلسات استجواب رسمية، بل أيضاً خلال أحاديث يومية وجلسات قهوة ونقاشات مطولة في ساحة التريض وزيارات الأطباء.

ويؤكد المؤلف أن نجاح المهمة لم يكن قائماً على الضغط أو المواجهة المباشرة، بل على بناء علاقة إنسانية ونفسية مع صدام، سمحت له بالدخول إلى عالمه الداخلي وفهم طريقته في التفكير واتخاذ القرار.

ماذا كشف صدام؟

بحسب المعلومات التي خرجت من الاستجوابات، أكد صدام حسين أنه لم يكن يتوقع أن تقدم الولايات المتحدة على غزو العراق عام 2003، كما أشار إلى أن العراق لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل عند الغزو الأميركي.

كما نفى وجود علاقة تنظيمية بين نظامه وتنظيم القاعدة أو أسامة بن لادن، موضحاً أنه كان ينظر إلى نفسه كحاكم علماني لا ينسجم مع توجهات التنظيمات المتشددة.

هذه الشهادات أثارت اهتماماً عالمياً واسعاً لأنها صدرت مباشرة عن الرجل الذي كان في قلب واحدة من أهم الأزمات الجيوسياسية في العقود الأخيرة.

The Interrogation of Saddam Hussein | Book by George Piro | Official  Publisher Page | Simon & Schuster

كتاب يتجاوز السيرة الشخصية

لا يقدّم الكتاب مجرد رواية أمنية أو مذكرات شخصية، بل يسعى إلى رسم صورة معقدة لصدام حسين باعتباره ديكتاتوراً وقائداً سياسياً وأباً وشاعراً في آن واحد، كما يتناول طبيعة السلطة وكيف يمكن للقرارات الفردية أن تغيّر مصير شعوب ودول بأكملها. ويعرض بيرو مقتطفات من يوميات صدام داخل السجن، إضافة إلى تفاصيل لم تُنشر سابقاً حول النقاشات التي جرت بينهما خلال فترة الاحتجاز.

مسيرة مهنية حافلة

بعد انتهاء مهمة استجواب صدام، واصل جورج بيرو صعوده داخل مكتب التحقيقات الفيدرالي، فتولى مناصب قيادية عدة، من بينها إدارة ملفات متعلقة بأسلحة الدمار الشامل، ثم أصبح مسؤولاً عن مجموعة استجواب المعتقلين ذوي الأهمية العالية، قبل أن يتولى إدارة مكتب الـFBI في ميامي.

كما حصد عدداً من الأوسمة والتكريمات الأمنية تقديراً لدوره في مكافحة الإرهاب والأمن القومي الأميركي.

قصة نجاح لبنانية عالمية

قصة جورج بيرو ليست مجرد حكاية ضابط أميركي ناجح، بل نموذج لرحلة مهاجر لبناني حمل معه ذاكرة الحرب والتهجير، ليصبح لاحقاً شاهداً على أحد أكثر فصول الشرق الأوسط إثارة للجدل.

فمن طفل غادر بيروت هرباً من العنف، إلى رجل جلس أكثر من 500 ساعة أمام صدام حسين محاولاً فك أسرار عقله وقراراته، يقدّم جورج بيرو شهادة نادرة على التاريخ، ويضع بين يدي القرّاء رواية من الداخل لأحد أهم الملفات السياسية والأمنية في العصر الحديث.