تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

بين القلم والخيال… حين تختبر الحياة أحلامنا

 رشيد ج. مينا

أخذني عقلي هذه المرة إلى أداة الكتابة. لا أعرف لماذا، لكن الفكرة حضرت عندما هممت بتدوين بعض خواطري، وإذا بي أمسك بهاتفي المحمول لأبدأ الكتابة.

إنه التطور الذي رافق الإنسان عبر الزمن، من الريشة والخشب والقلم والورقة، إلى الآلة الكاتبة، ثم الكمبيوتر، وصولًا إلى الهاتف المحمول الذي جمع الكثير من تلك الوسائل، ومنحنا خيارات لم تكن متاحة من قبل؛ من اختيار الحرف وحجمه ونوعه ولونه، إلى النسخ واللصق والحذف والتعديل، والاحتفاظ بما نكتب واستعادته متى نشاء. ومع كل هذا التطور، أجد أن تلك الوسائل، على ما توفره من سهولة وسرعة، لا تمنحني الشعور نفسه بمتعة الكتابة بالقلم.

لماذا؟ لا أدري على وجه اليقين.

لكنني أعتقد أن هناك علاقة خاصة تنشأ بين الفكرة واليد والقلم والورقة، وكأن هذا الرباعي يشكل ائتلافًا تتولد من خلاله مشاعر يصعب تفسيرها. فالقلم لا ينقل الفكرة وحسب، بل يرافق ولادتها ونضوجها، واليد تتحرك مع العقل، والورقة تستقبل ما يجول في الخاطر، حتى تصبح الكتابة رحلة استكشاف لا مجرد عملية تدوين.

رحلة فيها الجميل والقبيح، والسهل والصعب، والحقيقة أو التوهم بامتلاكها، وصدق التعبير أو التعبير عما يُراد قوله، لا عما يؤمن به العقل ويختزنه الوجدان.

فكم من كلمات كُتبت لتعبر عن قناعة، وكم من كلمات صيغت لتخدم غاية لا يؤمن بها كاتبها! وكم من أفكار ولدت حرة، ثم ضاقت بها حدود المصالح والحسابات والخوف من قول الحقيقة!

لكن الغريب أن القلم، حين يأخذني إلى الحديث عن المرأة والحب والوطن، ينساب وكأنه لا يعرف التوقف، وكأن هذه الثلاثية تختزن في داخلي ما لا تستطيع سائر الموضوعات استحضاره من مشاعر وذكريات وأحلام.

المرأة، ذلك النصف الآخر الذي يكتمل معه الكثير مما ينقص حياة الرجل، والحب الذي يمنح العلاقة معناها الإنساني، ويجعل للجمال حضورًا يتجاوز الملامح إلى الروح والفكر والإحساس.

والوطن، ذلك الانتماء المتجذر في الوجدان، بما يحمله من تاريخ وطفولة وشباب وذكريات، ومن ماضٍ وحاضر ومستقبل، ومن أحلام حملناها معنا أينما ذهبنا، حتى حين أبعدتنا الحياة عن الأرض التي ولدنا وترعرعنا فيها. ولعل ما يجمع المرأة والوطن في مخيلة الإنسان أعمق من مجرد الحب والانتماء.

فالرجل، منذ شبابه، يرسم في خياله صورة للمرأة التي يتمنى أن تشاركه رحلة العمر؛ يتخيل شخصيتها وأخلاقها وعاطفتها وطريقة تفكيرها، وما يرجوه معها من سكينة وتفاهم وسعادة. وقد يمضي زمنًا طويلًا وهو يحمل تلك الصورة، حتى إذا خاض تجربة الحياة المشتركة اكتشف أن الواقع قد يكون أجمل مما رسمته مخيلته، وقد يكون مختلفًا، وربما أشد قسوة مما توقع.

وكذلك الوطن.

منذ الطفولة تبدأ صورته بالتشكل في وجدان الإنسان؛ من حضن الأسرة، ومقاعد المدرسة، وحكايات التاريخ، وأحاديث الكبار، ومن الشوارع والأحياء والوجوه التي ألفها، ومن الأحلام التي تكبر معه عن وطن يوفر لأبنائه الأمن والكرامة والحرية وفرص الحياة الكريمة.

ثم يكبر الإنسان، ويخرج من حدود الصورة التي رسمتها له الطفولة إلى واقع التجربة، فيكتشف أن ما كان يراه حقيقة قد يكون بعضه خيالًا، وأن ما كان يتمناه قد يتحقق أو يتبدد، وأن الوطن الذي أحبه في ذاكرته قد لا يكون هو الوطن الذي يعيشه في واقعه.

وهنا لا تكون المخيلة دائمًا وهمًا، ولا يكون الواقع دائمًا خيبة. فقد تمنحنا التجربة ما يفوق أحلامنا جمالًا، وقد تكشف لنا ما لم نكن نتوقعه من ألم ووجع.

فالإنسان لا يعرف حقيقة ما أحب بمجرد أن يرسم صورته في خياله، بل حين يخوض التجربة، ويكتشف ما فيها من توافق واختلاف، ومن سعادة وتعب، ومن نجاح وإخفاق.

ولعل هذا ما يجعلني أرى تشابهًا بين الرجل الذي يعود بعد رحلة العمل والتعب، بما حملته من نجاحات وإخفاقات، إلى المرأة التي يحب، يرجو أن يجد في قربها السكينة والطمأنينة، وبين المغترب الذي يتوق إلى العودة إلى وطنه، إلى الأرض التي شهدت طفولته وشبابه، وحملت أحلامه قبل أن يحملها معه إلى كل مكان وزمان.

كلاهما يعود وفي داخله صورة.

صورة امرأة أحبها وتمنى أن تكون شريكة عمره، وصورة وطن عاش في وجدانه، وظل يحلم بالعودة إليه. لكن العودة ليست دائمًا كما تخيلناها. فقد يجد الرجل في المرأة التي أحب ما يفوق أحلامه من حب وحنان وتفاهم، وقد يكتشف أن ما جمعته الأمنيات لم تستطع التجربة أن تحافظ عليه.

وقد يعود المغترب إلى وطنه فيجد فيه ما يعيد إليه دفء الانتماء، ويمنحه الشعور بأنه لم يغادر يومًا، وقد يعود ليكتشف أن المكان الذي حمله في ذاكرته لم يعد يشبه ما تركه، وأن الوجوه تغيرت، والقيم تبدلت، وأن ما كان يتوق إليه من أمن وكرامة وطمأنينة ما زال بعيد المنال.

وما أقسى أن يبحث الإنسان عن السكينة في المكان الذي أحب، فيجد نفسه أمام غربة جديدة، لا تفصلها عنه البحار والمسافات، بل تفصلها عنه المسافة بين الحلم والواقع.

أعود إلى قلمي، وإلى تلك الورقة التي بدأت معها رحلتي، فأجد أنني ابتعدت كثيرًا عن السؤال الذي أخذني إلى الكتابة.

كنت أتساءل عن سر متعة القلم، فإذا به يحملني إلى المرأة والحب والوطن، وإلى تلك الصور التي يرسمها الإنسان في مخيلته، ثم يمضي في الحياة بحثًا عن حقيقتها. وأدرك أن القلم لم يكن مجرد أداة أكتب بها، بل رفيقًا في رحلة البحث عما نحب، وعما نتمناه، وعما نكتشفه حين نقترب منه.

فما أجمل أن يجد الإنسان في واقعه ما يفوق خياله، وما أصعب أن يكتشف أن ما أمضى عمره يحلم به لم يكن كما تصوره.

إلى عينيها أشدو لألقي مراسيّ، وإلى ميناء وطني أشدو لأرسو. وبين الميناءين تبقى رحلة الإنسان بحثًا عن الحب والسكينة والانتماء. وما أصعب أن تصل بعد طول إبحار، فتكتشف أن الميناء الذي حملته في مخيلتك ليس هو الميناء الذي وجدته في الواقع… وأن الغربة قد تبدأ أحيانًا من حيث ظننت أنها ستنتهي.

تنويه من إدارة بيروت تايمز

الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock