مقالات رأي
سيّدةٌ حاولَتْ إحياءَ حُبّها المُتقادِم

بقلم: مارون سامي عزّام
مضى على انطلاق مسيرة نظراتي وابتساماتي نحو ذلك الشخص ربع قرن وأكثر، مع ذلك لم اكترث بها؛ لأنّها كانت من افتراءاتي، واعتبرها بهلوانيّة طوال تلك الفترة. مع تصفّح السنين لصفحات الزمن، مالت كفّة الظروف لصالحي، إلى أن أصبحنا صديقين، فكلّما صادفته، أُلقي عليه تحيّتي الحارّة، إلّا في تلك السهرة؛ قرّرتُ إحياء مقطع صغير من استعراض “الابتسامة الناعمة” المعروف لديه!! علّه يتذكّره، وأنا أعلم جيّدًا أنّه ما زال مقطعًا حيًّا في مشاهد ذاكرته، ولكنّه أزعجه.
تذكّرتُ شدّة كرهه لنمطٍ سلوكيٍّ كهذا، الذي اجتَرَّه بَلَهي، دون أن أنتبه لنفسي، فسمحتُ له أن يزدريني في داخله… مع ذلك حاولتُ استخراج عصارة سهوه من إسفنجته؛ لأستدرجه نحوي قليلًا، ولكن بلا جدوى. لقد بقيَتْ وضعيّته هادئةً، لم تتزعزع طوال السهرة. راقب عقارب الساعة كالناطور، منتظرًا مغادرة المكان، لأنّه ملَّ من تسخيفي لنفسي، فأعلَن سرًّا براءته من أفعالي الأنثويّة المتعمَّدة غير الرزينة، لأنّها لا تتوافق مع أجهزة المراقبة الذّكيَّة.
عرضتُ عليه عن بُعد لقطاتِ حنيني، ولكنّه جعلها علاماتِ إدانةٍ لي لا تُغتفَر؛ ففي نظره، استمرارَ استعراض “الابتسامة الناعمة” الشهير هو فشلٌ مُكرَّر، مبنيٌّ على صورٍ باهتةٍ، بات من الصّعب مشاهدتها بوضوح، بعد أن مرّت فوقها نظراتي يوميًّا. لم أصدِّق أنّني قمتُ بمثل هذه الأمور غير العاقلة، لأنها أودت بمصيري معه إلى تحت سابع أرض الآمال، لذلك مسح “حبيبي” هذه الصُّوَر من قرص ذاكرته الصّلب، لأنه لا يقبل أن تأخذ حيّزًا أكبر من مساحته، لمُدّة طويلة بلا داعٍ.
إلى هذا اليوم لم ينسَ أنّي أجلستُه سابقًا وحيدًا في صالة التوقّعات، مُنتظرًا نهاية “استعراضي العظيم” الذي لم يكتمل؛ الأفظع أنّه لم يوجّه إليّ حتى ضربةَ عتاب واحدة؛ يا لشدّة بروده! بل كان يفرُّ بسرعة من استعراضي، الذي جعلتُ منه صندوقًا متجوِّلًا، تدحرجت بداخله كرات لهوي المخفيّة، فوق أزقّة عجائبي المتعرّجة التي لم تلفت نظره يومًا ما، لأنها لم تستقِم مع مبادئه.
فهمتُ أنّه يستحيل عليه أن يُمسك بخيوط أحاسيس مزيّفة؛ لأنّ مصيرها مربوطٌ بجذع النسيان. لو أثمر حبّي له مجدّدًا في حديقتي، سيؤلمني أكثر ممّا يؤلمه؛ لأنّ مسار ثقته بنفسه اتّسع كثيرًا، وغطّى فتحة اشتياقه إليّ… لقد لعنتُ الساعة التي استرجعتُ فيها “الابتسامة الناعمة”، وبقيتُ أستنزفه عاطفيًّا، متناسيةً أنّه انتقل إلى ضفّة عيشٍ هانئةٍ. كلّ ما في الأمر أنّي أردتُ تذكيره بتلك الأيّام التي لم تَعْنِ له شيئًا، ولكنّها بالفعل كانت حركة “لافتة، قد ميّزتني” وأنعشت ذاكرتي!!
ما قمتُ به هو اعتداءٌ على كرامتي، التي تنازلتُ عنها في لحظة ضعفٍ أمامه؛ لأنّي أردتُ أن أُثبت له أنّه جزءٌ من مذكّراتي السرّية. فرحة مروري أمامه تلك الليلة لم تفارقني، فأعادني وعيي إلى مطرح نضجي. أُقِرُّ بأنّي أخطأتُ حين لم ألقِ عليه التحيّة؛ فلو فعلتُ ذلك، لارتحتُ من التلاعب بضميري، ولَمَا احتجتُ أن أكون أمامه راقصة باليه رشيقة، في قاعة مراهقتي الأوليمبيّة. أنتظر منه الحصول على المركز الأول، كي يعلِّق على صدري ميدالية إعجابه الذّهبيَّة، لمراضاتي!!
تذكّرت أنه لا يجوز لي أن أحتفظ بمعدّات استعراضي في مرآب التقادم؛ لأنّها مخالفةٌ اجتماعيّة، لا يحقّ لي استخدامها من الآن فصاعدًا. شهدت في تلك الليلة ختامَ فعّاليّات “الابتسامة الناعمة” التي اختلقتها امرأةٌ انتهازيّةٌ مثلي! ضربتُ جناح انتباهه مرارًا، لكنه لم يشعر بها؛ لذا رأيته يسير شامخًا على درب خياره. أتمنّى أن يكون استعراضي لحظةَ وداعٍ أبديّةً لحبٍّ متقادمٍ، غير مُرتَجَع.
تنويه من إدارة بيروت تايمز
الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.

















