تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

البندقية التي أضاعت قضيتها: من «نحن والقضية» إلى خطيئة الطائف

شبل الزغبي

البند ٢٥ من «نحن والقضية»: «من تصدى لهذه الأخطار وما يزال؟ شعبنا تصدّى لهذه الأخطار وما يزال. فقد وقف دائماً وبإصرار في وجه الطامعين. لذلك سعت القوى الطامعة بلبنان والضالعة في مؤامرة تجريده من هويته وتذويبه أو إعطائه لغير أهله أو زرع الغرباء فيه، وما تزال، للنيل من إرادة الصمود عنده، بشتّى وسائل الترغيب والترعيب والإكراه.»

اتفاق الطائف، المبادئ العامة، البند (ب): «لبنان عربي الهوية والانتماء.»

بين هذين النصّين تختصر حكاية جيلٍ كامل. الأول كتبناه بدمنا قبل أن نكتبه بالحبر، والثاني كُتب فوق دمنا ليمحو ما كتبناه.

عندما قاتلنا في صفوف القوات اللبنانية، الذراع العسكرية للجبهة اللبنانية، كنا نحمل في جعبتنا كتيّب «نحن والقضية». لم يكن كتيّباً حزبياً نقرأه في أوقات الفراغ، بل كان القضية نفسها التي حملنا من أجلها السلاح دفاعاً عن وجودنا ووجود لبنان هويةً وكياناً. كنا نعرف لماذا نقاتل، ومن نقاتل، وأيّ لبنان نريد. ثم جاء اتفاق الطائف لينسف كل ذلك بسطرٍ واحد، ويحوّل تضحيات الشهداء إلى بندٍ في تسوية لم يُستشَر فيها من دفعوا ثمنها.

حين تصبح البندقية تابعة لا مقاتلة

لكن الطائف لم يسقط علينا من السماء. لقد سبقه انحراف من الداخل، وهنا يجب أن نمتلك شجاعة الاعتراف. فهناك من انحرف عن القضية، فلم يعد النضال دفاعاً عن مبدأ، بل صار تبعيةً لشخص. وحين تتحول القضية إلى ولاء فردي، تفقد كل مقوّمات الصمود، لأن الأشخاص يساومون والقضايا لا تساوم.

هكذا تحوّلت البندقية التي فقدت قضيتها إلى «انتفاضات» داخلية ضيّعت مفهوم القضية، وجرّت الرفاق إلى الانحراف، بعضهم مدرك لخطورة ما يفعل وبعضهم غير مدرك. وفيما كان جيش الاحتلال السوري يرسّخ أقدامه على أرضنا، ويقضم المناطق، ويشتري الذمم، كانت القوات منشغلة بانتفاضاتها، تتصارع على القيادة وتصفّي حساباتها الداخلية. تُركت جبهة المواجهة مع المحتلّ مكشوفة، لأن البنادق كانت مصوّبة إلى الداخل. لم يكن السوري بحاجة إلى أن يهزمنا، يكفيه أن ينتظر حتى نُنهك أنفسنا بأنفسنا. وهذه قاعدة لا تخطئ في تاريخ الحروب: البندقية التي تفتقد لقضية ترتدّ إلى صدور أبنائها، فتلتهمهم في مواجهات داخلية كسباً للسلطة، وتترك العدو الحقيقي يتقدّم بلا مقاومة.

قوّاتان لا قوّات واحدة

فلنقلها بوضوح: القوات التي كانت قبل استشهاد بشير الجميّل، والتي حققت انتصارات باهرة، ليست القوات التي جاءت بعد استشهاده. الأولى عرفت عدوّها فهزمته، والثانية نسيت عدوّها ولم تعرف الانتصارات إلا على بعضها البعض. الأولى كانت تقاتل المحتلّ، والثانية تركت المحتلّ وقاتلت رفاقها. الأولى كانت مشروع دولة، والثانية صارت مشروع انتفاضات وسلطة.

ثم جاء الطائف، وتبعته حرب الإلغاء. وهنا لا بدّ أن نكون منصفين: تلك الحرب ما كان يجب أن تقع أصلاً. فقد اقتتل فيها أبناء المنطقة الواحدة، أبناء البيت الواحد والقرية الواحدة، والذين وقفوا بالأمس كتفاً إلى كتف في الخنادق نفسها. لم يكن فيها منتصر، ولا يحقّ لأيّ طرف أن يتنصّل من مسؤوليته عنها، فكلّ من أطلق رصاصة فيها شريك في الجريمة. ومن جرّائها ضاع كل ما بنيناه، وسقطت المنطقة الحرة، آخر ما تبقّى من لبنان الحرّ، في يد المحتلّ. كانت تلك الضربة القاضية لكل ما قدّمته قوى الجبهة اللبنانية من تضحيات في مواجهة قوات ياسر عرفات وشركائه اللبنانيين، ثم في مواجهة جيش حافظ الأسد الاحتلالي. ما عجز عنه الفلسطيني المسلّح وما عجز عنه السوري المحتل، أنجزناه نحن بأيدينا حين وجّهنا السلاح إلى بعضنا.

الجردة التي لم تحصل

والأخطر من الهزيمة أننا لم نقم بجردة حساب واحدة. لم نجلس لنقيّم ما آلت إليه أوضاعنا من نكسات، ولم نصحّح المسار، فيما الأمور تنحدر من سيّئ إلى أسوأ. تركنا الأخطاء تتراكم حتى صارت نهجاً، والنهج حتى صار عقيدة.

ونحن نؤمن، والتاريخ شاهد، أن الأحزاب التي تعتمد الديكتاتورية مصيرها الاندثار وإن طال الزمن. صدّام حسين وحافظ الأسد وأمثالهما بنوا أحزاباً على عبادة الفرد، فسقط الفرد وسقط معه كل شيء. فإن لم نتدارك أنفسنا، ستصبح أحزابنا بعثية التصرف وشيوعية الهوى، تحمل شعارات السيادة وتمارس في داخلها ما حاربناه في خارجها.

العودة إلى القضية

المطلوب اليوم ليس البكاء على الأطلال، بل العودة إلى الأصل: إلى «نحن والقضية»، إلى زمنٍ كانت فيه البندقية تعرف وجهتها. لبنان ليس «عربي الهوية والانتماء» بقرارٍ من مؤتمر خارجي، بل هو لبنان الذي قاتل شعبه دائماً وبإصرار في وجه الطامعين، وما يزال. وكل حزب لا يحاسب نفسه، ولا يقدّم القضية على الزعيم، سيكتشف متأخراً أنه صار جزءاً من المؤامرة التي ادّعى مقاومتها.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock