تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

لهذا يحاربون السلطات الدينية

سيد امين

يرجع الإقبال الكثيف في المجتمعات الأوروبية في القرون الوسطى على المشاركة في الحملات الصليبية إلى عدة عوامل؛ أهمها السلطة الدينية التي دعت إليها، وهي الكنيسة الكاثوليكية، وما صاحبها من قيام الباباوات -وخاصة أوربان الثاني- بوعد المغفرة ومنح صكوك الغفران لكل من يشارك فيها، لدخول الجنة دون عناء ودون دفع رسوم، في حين أرسلت الكنيسة وعاظاً يجوبون الأرجاء للدعوة للانخراط فيها، وكان أشهرهم بطرس الناسك الذي جاب القرى النائية من أجل توصيل رسالتها وإقناع الشباب بالانخراط فيها؛ عارضاً عليهم المكاسب الدينية.

بالطبع يأتي ذلك إلى جانب وجود أسباب مادية أخرى، منها أن المجتمعات الأوروبية كانت خاضعة شبه كليّ لطبقات متعددة من الرق؛ حيث عبيد النبلاء والأمراء من جهة، وعبيد الكنيسة من جهة أخرى، وهم الذين كانوا يعرفون بـ”الأقنان”، حيث يمكن لرجال الكنيسة استرقاق أسر كاملة، يتوارثونها بأجيالها المتعاقبة هم وأبناؤهم وأحفادهم، جيلاً بعد جيل.

من هنا ظهر مدى قوة السلطة الدينية كسلطة مركزية على أتباعها، حيث تأمر فيهرولون لنيل رضاها، مما يكشف قوة تأثيرها الروحي في صناعة كتلة صلبة تأتمر بأمر رأسها الأعلى. وتوجد هذه السلطة المركزية الصارمة رغم أن المسيحية أساساً تفتقد لكثير من الفقه الذي يسير تفاصيل الحياة ومعاملات الناس وطقوسهم اليومية كما هو الحال في الإسلام واليهودية، مثل الصلاة والصوم والزكاة وغيرها، وتترك أمر تسيير الحياة في معظم الأحيان لتقديرات الخير والشر.

الخليفة والولي الفقيه

بعد سقوط دولة الخلافة العثمانية إثر تداعيات الهزيمة في الحرب العالمية الأولى، أدركت الكثير من الجماعات الدينية الإسلامية أن الخسارة الكبيرة التي افتقدتها كانت سقوط السلطة المركزية للدولة الإسلامية الموحدة، فسعت تلك الجماعات إلى استعاضة تلك السلطة بسلطات تنظيمية أخرى ذات تراتبية هرمية

وفي مذاهب الإسلام هناك أيضاً ما يشبه هذا النسق، وإن كان أكثر تحرراً من النموذج الكنسي؛ حيث لا رق ولا عبودية ولا مميزات مادية للمنخرطين كما حدث في الكنيسة في القرون الوسطى؛ لأن الانخراط لطاعة الأوامر هنا متروك بصورة أكبر لعمق الإيمان والعاطفة الدينية، والروابط الاجتماعية، وليس خوفاً من عقاب مادي يفرضه السيد أو رجل الدين.

يبرز هنا نظام الولي الفقيه الذي يتبعه المذهب الشيعي، وهو ما أعطى النظم ذات المرجعيات الشيعية العليا قوة صمود وتماسك لم تكن متاحة لغيرها من النظم السياسية الإسلامية الأخرى، وبالتالي ساعدها ذلك على البقاء رغم العواصف حولها. وليس الشيعة وحدهم من لديهم مرجعيات عليا، ولكنها موجودة أيضاً في المذاهب البينية بين السنة والشيعة، كالإباضية والزيدية.

ويعادل نظام الخليفة عند السنة نظام الولي الفقيه عند الشيعة وإن كان لا يتعارض معه، حيث يمكن أن ينضوي نظام الولي الفقيه تحت لواء خلافة المسلمين مطبقاً سلطته على أتباعه؛ وذلك لأن سلطة الخليفة هي سلطة سياسية وإدارية أكثر منها دينية، بينما يُترك أمر تأثيره الديني لكونه فقط ممثلاً للمسلمين في عالم تحكمه التكتلات الدينية، وأحياناً يخضع ذلك لمدى تدينه.

ولعل بقاء نظام الولي الفقيه وسقوط الخلافات الإسلامية في القرون الوسطى جاء لإعلاء التأثير السياسي وضعف التأثير الديني، فيما بقي نظام الولي الفقيه صامداً لارتفاع تأثيره الديني عن السياسي، كما هو الحال في السلطة الكنسية.

روابط ذات مرجعيات

بعد سقوط دولة الخلافة العثمانية إثر تداعيات الهزيمة في الحرب العالمية الأولى، أدركت الكثير من الجماعات الدينية الإسلامية أن الخسارة الكبيرة التي افتقدتها كانت سقوط السلطة المركزية للدولة الإسلامية الموحدة، فسعت تلك الجماعات إلى استعاضة تلك السلطة بسلطات تنظيمية أخرى ذات تراتبية هرمية. فظهرت روابط عديدة -لم تكن محكمة التنظيم في بدايتها- ذات مبادئ إصلاحية أو جهادية، لها شيخ يحظى بطاعة كبيرة وشعبية روحية.

ومن الحركات الإصلاحية على سبيل المثال: الحركة الوهابية في شبه الجزيرة العربية، أو جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست عام 1928 في مصر، وجبهة الإنقاذ الجزائرية، وحركة النهضة التونسية. أو حركات جهادية مثل: الحركة السنوسية في ليبيا، وحركة طلاب الكتاتيب “طالبان” في باكستان وأفغانستان، وحركة الشباب في الصومال والقرن الأفريقي وغيرها. ثم في نهايات القرن الماضي، ظهرت العديد من الحركات الإسلامية الأخرى التي وُصمت بالتطرف بسبب قلة خبرتها السياسية وعدم اعترافها بالتطور السياسي والاجتماعي، ولذلك لم تلقَ إقبالاً اجتماعياً.

وقد كان وجود المرشد أو المعلم أو الأمير بمثابة تنفيذ لمسألة المرجع الأعلى عند الشيعة أو البابا عند المسيحية، ولكن بدرجة أقل تأثيراً.

مرجعية الجيوش

الجيوش هي النموذج غير الروحي الوحيد الذي يملك سلطة مركزية؛ تصدر الأوامر فيه من أعلى الرأس وتتسلسل هرمياً في التنفيذ وصولاً إلى القاعدة العريضة. والأمر هنا أمر إداري بحت غير مرتبط بأي قاعدة روحية، حتى لو كانت هناك محاولات لخلق مرجعية روحية مزيفة، يُستبدل فيها الدين بالوطن، أو الثقافة، أو العرق، أو القُطرية وغيرها، وهي بالقطع مراجع يمكن تشكيلها طبقاً لقناعات وتوجهات رأس السلطة فيها، وتتغير بتغير هذا الرأس. ومعلوم بالضرورة أن الرأس -وهو صاحب السلطة المطلقة- يصنع الإدارة اللصيقة به ممن يحملون الولاءات ذاتها، أو ممن يمكن شراء ذممهم بالسلطة والمال لاعتناقها.

وتتمثل خطورة هذا النوع من السلطة المركزية في أمرين: أولهما أنه يملك القدرات العسكرية التي لم تُتح لغيره من السلطات المركزية السابقة، وثانيهما أن الترقية داخل هذا الهرم يمكن العبث بها والتلاعب فيها والوصول بالمتآمرين إلى أعلى الرأس، نظراً لكون الترقية فيه تخضع لمدى طاعة القائد الأعلى المباشر، وذلك على خلاف السلطات المركزية الدينية التي يخضع فيها رأس السلطة لقواعد الدين والمعتقد، وهي أمر ثابت يعرفه الأتباع جميعاً، ومتى حاد عنه سينفرون منه وينقلبون عليه.

وللتدليل، رأينا كيف أن إسرائيل استطاعت الوصول بجاسوسها إيلي كوهين “كامل أمين ثابت” إلى أعلى مراتب الجيش في سوريا التي كانت في حرب ضروس معها. ورأينا كيف أن الجيش الألماني الذي اعتبر اليهود أخطر أعدائه في زمن الزعيم النازي أدولف هتلر وخاض حرباً هي الأشرس في العالم معهم ومع أنصارهم، هو نفسه الجيش الذي ساند إسرائيل في العدوان على غزة، وكان من أكثر جيوش العالم دعماً لها في جل مواقفها.

لعلي أكون قد أوضحت، وفي الفم ماء.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock