تخطي إلى المحتوى الرئيسي
33,974 مشاهدة
بقلم: أكرم مندامي زين الدين
لبنانيات.
في مدينة فوز دو إيغواسو البرازيلية، حيث تتعانق الحدود وتلتقي الجنسيات والثقافات، أمضى أمين خمسة وأربعين عامًا من عمره. لبناني الأصل، برازيلي الجنسية أيضًا، عمل مستشارًا لرئيس البلدية، وعرفه الناس باسم «سيو أمين» (Seu Amin) ، بينما اعتاد بعض العاملين في الأوساط الرسمية مناداته «دوتور أمين» (Doutor Amin) لم تكن الألقاب يومًا شغله الشاغل، فقد كان ممن يؤمنون بأن احترام الإنسان يُكتسب من سلوكه لا من منصبه، وأن قيمته تُقاس بما يقدمه للمجتمع، لا بما يُكتب أمام اسمه.
خمسة وأربعون عامًا لم تُطفئ حنينه إلى لبنان. ظل يتابع أخباره، يقلق عليه كلما اشتعلت فيه أزمة، ويفرح له كلما لاح في الأفق بصيص أمل. ولعل أغرب ما في علاقة المغترب اللبناني بوطنه أنه كلما ابتعد عنه ازداد تعلقًا به، وكأن المسافات تمنح الذاكرة قدرة على تجميل ما عجز الواقع عن إصلاحه. كان يحلم بأن يقضي خريف عمره في ربوع وطن لم يعرف منه إلا الحروب والدمار وعدم الاستقرار، وأن يجد فيه شيئًا من السكينة التي حُرم منها طويلًا.
وحين قرر العودة إلى لبنان، أراد أن يتنقل بسيارته التي يحبها كثيرًا بدلًا من استئجار أخرى. شحنها إلى لبنان، وأدخلها وفق نظام الإدخال المؤقت بموجب دفتر المرور الجمركي المعروف بالتريبتك، الذي يسمح بإدخال المركبات الأجنبية لفترة محددة، وفق شروط وإجراءات قانونية. كان يعتقد أن الأمر واضح: تدخل السيارة وفق الأصول، وتُمدد المهلة إذا سمحت الأنظمة بذلك، ثم تُعاد إلى الخارج أو تُسوّى أوضاعها الجمركية وفق القانون.
لكن أمين لم يكن يعلم أن رحلته مع السيارة ستصبح أطول من رحلته عبر المحيط الأطلسي.
ومع اقتراب انتهاء المهلة، استعان بشركة تتولى الإجراءات الجمركية، وأوكل المهمة إلى من يفترض أنهم يعرفون القانون ومسالك الإدارة. كان يظن أن تكليف جهة مختصة سيختصر عليه الوقت والجهد، خصوصًا في ظل الظروف الأمنية الصعبة التي كانت تعيشها البلاد، وصعوبة التنقل بين المناطق والمعابر الحدودية.
غير أن ما بدأ معاملة إدارية عادية تحوّل تدريجيًا إلى مصدر قلق يومي. كان أمين يتصل بالشركة ليسأل عن مصير معاملته، فيأتيه الجواب: «بكرا إن شاء الله». ينتظر يومين، ثم يعاود الاتصال، فيسمع أن الأوراق قيد الإنجاز. يمر أسبوع، ويتبعه آخر، وتتغير المواعيد، فيما تبقى معاملته معلقة.
لم يكن التأخير وحده ما يقلقه، بل عجزه عن معرفة ما يجري فعلًا. ما الذي ينقص الملف؟ هل هناك مستند لم يقدمه؟ هل ثمة رسوم يجب دفعها؟ هل ما زالت المهلة تسمح بالتمديد؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا انتهت المدة القانونية بينما ينتظر جوابًا من الشركة التي أوكل إليها إنجاز معاملته؟
كان يسأل، ولا يحصل دائمًا على إجابة يستطيع أن يبني عليها قرارًا. وفي الوقت نفسه، كانت الأوضاع الأمنية في لبنان تجعل التنقل إلى المراكز الحدودية أكثر صعوبة. وهكذا وجد نفسه أمام مفارقة مرهقة: القانون يحدد له مهلة واضحة، بينما الطريق إلى إنجاز معاملته لا يحدد له أحد نهايته.
وكان دوتور أمين يعرف جيدًا معنى «أمانيا» (Amanhã) في البرتغالية، فهي تعني الغد. لكنه اكتشف أن «بكرا» في لبنان لا تخضع دائمًا لحساب الأيام؛ فقد تعني غدًا، أو بعد أسبوع، أو موعدًا لا يأتي. ولعلها المرة الأولى التي احتاج فيها، بعد خمسة وأربعين عامًا من الاغتراب، إلى إعادة تعلّم معنى كلمة يعرفها منذ طفولته.
ومع استمرار التأخير، بدأت المهلة تضيق، وأصبحت مسألة تمديد الإدخال المؤقت أكثر تعقيدًا، وترافقت مع مطالب مالية وإجراءات إضافية. عندها حاول أمين البحث عن مخرج قانوني ينهي به المسألة بدل الاستمرار في الانتظار.
فكر في جمركة السيارة نهائيًا، ودفع الرسوم المستحقة عليها، إذا كانت الأنظمة تسمح بذلك. لم يكن يريد التهرب من أي التزام، بل كان مستعدًا لتحمل الكلفة القانونية مقابل أن يعرف مصير سيارته، وأن يتوقف عن ملاحقة معاملة لا يعرف متى تنتهي.
لكن أثناء الاستفسار عن إمكانية الجمركة، سمع عبارة لم يكن يتوقعها: «إفادة كاذبة».
توقف عند الكلمتين. أعاد السؤال، محاولًا أن يفهم علاقتهما بمعاملته. هل المقصود أن انتهاء مهلة الإدخال المؤقت يُعد تصريحًا كاذبًا؟ أم أن هناك مستندًا محددًا يتضمن معلومات غير صحيحة؟ ومن الذي قدّم تلك المعلومات؟ وهل يمكن أن يتحول طلب تسوية الوضع الجمركي إلى سبب لنسبة إفادة كاذبة إلى صاحب السيارة؟
في البداية، اعتقد أمين أن الأمر مجرد مزحة ثقيلة، أو ربما تعبير لم يفهمه على وجهه الصحيح. لم يصدق أن هذا التوصيف موجود فعلًا في مثل هذه الإجراءات، فطلب وثيقة تثبت ذلك. وبعد فترة قصيرة، أُرسلت إليه وثيقة رسمية تتعلق بمعاملة مماثلة لمعاملته، وردت فيها عبارة «إفادة كاذبة» صراحة.
قرأ أمين الوثيقة، ثم عاد إلى قراءتها. لم تكن تخصه، ولم تكن دليلًا على أنه ارتكب مخالفة، لكنها أكدت له أن التعبير الذي استغربه لم يكن من نسج الخيال. ومن هنا انتقل قلقه من السؤال عن مصير السيارة إلى سؤال أكثر حساسية: هل يمكن أن يجد نفسه أمام توصيف مماثل، رغم أنه يسعى إلى تسوية وضعها ودفع ما يترتب عليها؟
لم يعد يريد مجرد جواب شفهي. أراد أن يفهم الأساس القانوني، وأن يعرف ما الذي يجعل الإفادة كاذبة، وما الفرق بينها وبين التأخر في إنجاز معاملة، أو مخالفة شروط الإدخال المؤقت.
فإذا كانت السيارة قد دخلت لبنان بصورة نظامية، ثم انتهت المهلة أو تأخرت إجراءات تمديدها، وطلب صاحبها جمركتها نهائيًا مع تسديد الرسوم المستحقة وفق القانون، فهل يصبح التأخير بذاته إفادة كاذبة؟ وهل يستلزم طلب الجمركة نسبة تصريح غير صحيح إليه؟ وأين يقع الحد الفاصل بين مخالفة مهلة الإدخال المؤقت، والإفادة غير الصحيحة، والتصريح الكاذب المتعمد؟
ثم ماذا عن مسؤولية الشركة التي أوكل إليها أمين إنجاز معاملته؟ هل يكفي أن يكون صاحب السيارة قد استعان بجهة مختصة حتى يُعفى من مسؤولياته القانونية؟ بالطبع لا يمكن افتراض ذلك. لكن أليس من الضروري أيضًا تحديد مسؤولية كل طرف، ومعرفة ما إذا كان التأخير ناتجًا عن تقصير صاحب العلاقة، أو الجهة التي تولت معاملته، أو عن عوائق إدارية وأمنية خارجة عن إرادته؟
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: يدخل دوتور أمين إلى الإدارة ليسدد ما يترتب عليه من مستحقات جمركية، فلا يدري إن كان سيخرج بإيصال يثبت وفاءه بالتزاماته، أم بوسام يُعلّق على جبينه، رتبته «إفادة كاذبة»! ذلك الرجل الذي أمضى خمسة وأربعين عامًا في البرازيل، وعمل مستشارًا لرئيس البلدية، واعتاد التعامل مع المؤسسات والإجراءات الرسمية، وجد نفسه عاجزًا عن فهم ما إذا كانت تسوية وضع سيارته قد تفتح أمامه بابًا لمشكلة قانونية أخرى.
لم يكن أمين يطلب إعفاءً من الرسوم أو استثناءً من القانون. كان يريد معرفة ما يترتب عليه، ودفع ما يستحق قانونًا، وإنهاء معاملته من دون مفاجآت. ولم يكن اعتراضه على حق الدولة في حماية إيراداتها أو ملاحقة المخالفات المثبتة، بل على الغموض الذي قد يجعل المواطن غير قادر على التمييز بين مخالفة إدارية وتوصيف يمس صدقيته.
ولم يكن أمين قد توصّل إلى معرفة أصل تلك التسمية، ولا من ابتدعها، ولا كيف وجدت طريقها إلى معاملات من هذا النوع. لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: أنه لم يعد قادرًا على احتمال تلك العبارة اللعينة، ولا مجرد التفكير في احتمال أن ترتبط باسمه. فالرجل الذي أمضى خمسة وأربعين عامًا من عمره بعيدًا عن وطنه، وبنى سمعته بين الناس، لم يكن مستعدًا لأن يدخل في متاهة جديدة يدافع فيها عن صدقيته، بعدما كان كل ما أراده تسديد ما يترتب عليه من رسوم وإنهاء معاملة سيارته. عندها حسم أمره وقرر إعادة تصديرها، رغم ما كان قد تكبده من وقت ومال وقلق.
وبعد دفع التكاليف والغرامة، وضع أمين سيارته في الحرم الجمركي، وعاد منتظرًا استكمال إجراءات إعادة تصديرها. ظن أن الحكاية بلغت نهايتها، وأن ما دفعه كان ثمن الخروج من دوامة لم يعد يحتملها. لكن بعد أيام قليلة، تلقى اتصالًا من مكتب تخليص المعاملات، أُبلغ خلاله بأن المديرية العامة للجمارك أصدرت بحقه مخالفة مالية إضافية. لم يسأل هذه المرة عن مقدارها، ولم يطلب تفسيرًا جديدًا. كان غضبه قد بلغ حدًا لم تعد معه السيارة تعني له شيئًا، فجاء جوابه حاسمًا: «لتُبع في المزاد العلني، لا أريدها!».
ومنذ تلك اللحظة، انقطعت علاقة أمين بسيارته الجميلة، على الأقل في وجدانه. لم يعد يسأل عنها، ولا يعرف إن كان أحد أقربائه قد تابع معاملتها بعد ذلك، أو ماذا آل إليه مصيرها. لم يعد ينتظر اتصالًا، ولا مستندًا، ولا وعدًا جديدًا بأن الأمور ستنتهي «بكرا إن شاء الله». فقد تجاوزت الخسارة في نظره قيمة السيارة وما دفعه من رسوم وغرامات، وأصبحت خسارة من نوع آخر، يصعب إدراجها في أي بيان جمركي: خسارة شيء من الثقة بوطن ظل يحمله في قلبه طوال سنوات غربته.
وليس في هذه الحكاية ما يلغي حق الدولة في استيفاء رسومها وغراماتها متى استندت إلى القانون، ولا ما يثبت أن كل إجراء اتُّخذ في معاملة أمين كان مخالفًا للأصول. لكن ثمة فرقًا بين أن تفرض الدولة على المواطن التزامًا ماليًا واضح الأساس، وأن يظل هذا المواطن يتنقل بين المطالبات والإجراءات من دون أن يستطيع الإحاطة بما ينتظره. فالمسؤولية لا تقتصر على تحصيل المال، بل تشمل أيضًا وضوح القرار، وإمكانية فهمه، ومعرفة الجهة التي أصدرته والأساس الذي استندت إليه.
ولعل أقسى ما في حكاية دوتور أمين أنه لم يعد يريد من وطنه شيئًا، حتى السيارة التي أحبها وأتى بها من وراء المحيط. فقد عاد بعد خمسة وأربعين عامًا من الغربة يحمل حنينًا إلى أرض لم يعرف منها إلا الحروب والدمار وعدم الاستقرار، وكان يأمل أن يجد في خريف عمره شيئًا من السكينة التي حُرم منها طويلًا. لكنه انتهى إلى قناعة موجعة بأن أقصى ما يستطيع أن يطلبه من هذا الوطن، بعد كل ما جرى، هو أن يتركه للنسيان.
لم تنتهِ حكاية أمين عند الحرم الجمركي، ولا عند الغرامة الأخيرة، بل عند تلك اللحظة التي أصبح فيها التخلي عن السيارة أهون عليه من الاستمرار في معاملة شعر أنها تمس كرامته. لم يعرف مصير السيارة، ولم يعد يسأل عنها، لكن ما بقي من تلك التجربة كان أشد وقعًا من خسارتها.
لم يعد أمين ينتظر شيئًا من وطنٍ بات يعتقد أن أكثر ما يستطيع أن يقدمه إلى مغترب عاد إليه بعد خمسة وأربعين عامًا هو النسيان… وإلا فإفادة كاذبة.