تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

السعودية والجهاديون في حرب هزيمة الحوثيين

كوابيس الماضي تعود من جديد

بقلم: سعيد بتروني

تبدو الحدود الفاصلة بين الجغرافيا السياسية والأيديولوجيا في المملكة العربية السعودية أكثر ضبابية من أي وقت مضى. فالحسابات الاستراتيجية الرامية إلى هزيمة الحوثيين، مهما بلغت كلفتها، تبدو وكأنها تحولت إلى هاجس يطغى على ما عداه. حتى إن الأمر قد يصل، مجازًا، إلى استقدام جهاديين من كوكب المريخ، أو، وهو الاحتمال الأكثر واقعية، إحياء مفهوم «الجهاديين العرب الأفغان» القديم، وإعادة إنتاجه بصيغة تتناسب مع القرن الحادي والعشرين.

وقد تصاعدت التقارير التي تتحدث عن مساعٍ لتجنيد مقاتلين سوريين من ذوي الخلفيات الجهادية، بهدف نشرهم في اليمن لمواجهة الحوثيين.

وبحسب موقع «أكسيوس» (Axios)، زار وفد عسكري سوري رفيع المستوى المملكة العربية السعودية مؤخرًا. وضم الوفد، وفقًا للتقرير، خالد محمد الحلبي، قائد الفرقة 82 في الجيش العربي السوري، والذي سبق أن تولّى قيادة في جماعة «أنصار التوحيد» الجهادية، وحسام العلي، قائد الفيلق الثالث، والعضو السابق في هيئة تحرير الشام.

وأفادت التقارير بأن المباحثات تمحورت حول الترتيبات اللوجستية المعقدة لنقل نحو عشرة آلاف مقاتل. كما قيل إن مستشارين عسكريين سوريين نسّقوا نشر وحدات متخصصة في تشغيل الطائرات المسيّرة عبر عدد من المحافظات.

في المقابل، أثار الحوثيون شبهات بشأن مشاركة مقاتلين غير سوريين في الاشتباكات التي شهدتها المناطق المحيطة بمضيق باب المندب خلال الأسبوعين الماضيين، في إشارة محتملة إلى وحدات مرتبطة بالفرقة 82. غير أن دمشق نفت هذه الاتهامات. وتضيف احتمالات مشاركة مقاتلين مدعومين من تركيا طبقة جديدة من التعقيد إلى مشهد إقليمي قابل للاشتعال أصلًا.

ونظرًا إلى تاريخ المرتزقة والفصائل المسلحة المدعومة من تركيا، والتي شاركت في الصراع السوري ضد حكومة بشار الأسد، فإن احتمال اضطلاع هذه المجموعات بدور في اليمن يستحق مزيدًا من التدقيق. ومن بين التشكيلات المسلحة المرتبطة بهذه الشبكات مقاتلون ينحدرون من مناطق صينية ذات حكم ذاتي، ومن آسيا الوسطى والقوقاز، بما في ذلك مجموعات شيشانية وأويغورية من إقليم شينجيانغ وأوزبكية. وقد ظهر بعض هؤلاء المقاتلين أيضًا في نزاعات امتدت من أذربيجان إلى ليبيا.

أما تركيا، فتبدو عازمة على التعامل مع التعقيدات المحيطة باتفاقية الدفاع المشترك الموقعة في مكة، سعيًا إلى الإسهام بصورة بنّاءة، من دون التورط المباشر في المستنقع الذي تبدو الحرب الأهلية اليمنية عاجزة عن الخروج منه.

ومع ذلك، سيكون من السذاجة البالغة افتراض أن نقل آلاف المقاتلين الجهاديين، وربما عشرات الآلاف منهم، من سوريا إلى اليمن يمكن أن يتم من دون علم أنقرة أو موافقتها. لكن إذا نُفّذت هذه الخطة بالكامل، فقد تكون المخاطر الاستراتيجية التي ستواجهها السعودية كبيرة للغاية.

أشباح الجهاديين العرب الأفغان تعود من الماضي

تكمن المقارنة التاريخية الأكثر إثارة للقلق في تجربة حشد ما عُرف باسم «العرب الأفغان» خلال ثمانينيات القرن الماضي، حين قدمت السعودية الدعم للمقاتلين الإسلاميين الذين سعوا إلى هزيمة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان.

كان الهدف الاستراتيجي المباشر واضحًا: إضعاف موسكو من خلال دعم حركة تمرد تستند إلى دوافع أيديولوجية. لكن ما أعقب ذلك كان أقل طمأنينة بكثير.

فمن الشبكات التي تشكّلت خلال ذلك الصراع، خرج تنظيم «القاعدة»، الذي تحوّل عداء قيادته في نهاية المطاف نحو الملكية السعودية نفسها. واضطرت المملكة لاحقًا إلى مواجهة موجات من العنف الجهادي والهجمات الإرهابية خلال تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

ولم يكن الدرس المستفاد مجرد أن حلفاء الأمس قد يصبحون أعداء الغد، بل إن الشبكات المسلحة المدفوعة بأيديولوجيات متشددة، متى جرى تسليحها وتمويلها وتنظيمها، نادرًا ما تختفي لمجرد انتهاء الغرض الجيوسياسي الذي أُنشئت من أجله.

وفي حالة المقاتلين الجهاديين السنة السوريين الذين يُقال إن الرياض تدرس الاستعانة بهم، فإن السعودية تخاطر بتهيئة الظروف لنشوء قوى من هذا النوع على مقربة من حدودها الجنوبية.

فالحدود السعودية الطويلة مع اليمن، والتي يصعب ضبطها ومراقبتها بالكامل، قد تضع هذه التشكيلات المسلحة وشبكاتها اللوجستية على مسافة تسمح لها باستهداف الأراضي السعودية. وإذا تغيّرت مسارات الصراع، أو شعر هؤلاء المقاتلون في مرحلة لاحقة بأن الجهات الراعية لهم تخلّت عنهم أو خانت وعودها لهم أو لم تمنحهم ما يرونه تعويضًا كافيًا، فقد تتحول البنية التي أُنشئت لمحاربة الحوثيين إلى أداة تُوجَّه ضد المملكة نفسها. ولن يكون هؤلاء مجندين قليلي الخبرة.

فبعد سنوات من القتال في البيئات الحضرية، واكتساب خبرة متزايدة في تشغيل الطائرات المسيّرة واستخدام تكتيكات الحرب غير المتكافئة، قد تتمكن حتى مجموعات صغيرة نسبيًا من تشكيل تهديد جدي إذا نجحت في التسلل إلى الأراضي السعودية. وقد تصبح التجمعات السكانية المدنية والمنشآت الاستراتيجية والبنية التحتية النفطية للمملكة أهدافًا مغرية لهذه المجموعات.

رؤية 2030 في مواجهة الأيديولوجيا الجهادية

يبدو التناقض أكثر وضوحًا عند مقارنته برؤية ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان «رؤية 2030».

فقد استثمر ولي العهد قدرًا هائلًا من رأس المال السياسي والمالي في تحويل السعودية إلى وجهة اقتصادية وسياحية حديثة. وتُقدَّم مشاريع مثل «نيوم» بوصفها رموزًا لمستقبل يقوم على الاستثمار والترفيه والابتكار التكنولوجي والانفتاح الاجتماعي المتزايد.

لكن الرؤية الأيديولوجية للمتشددين الجهاديين لا تنسجم بسهولة مع هذه الطموحات. فبالنسبة إلى المقاتلين الذين ينظرون إلى الترفيه والسياحة والإصلاحات الاجتماعية المتسارعة في المملكة باعتبارها انحرافًا عن تعاليم الدين، قد يتحول المشروع التحديثي الذي يسعى محمد بن سلمان إلى تحقيقه، في نهاية المطاف، إلى مبرر للعنف.

وهكذا، قد تجد السعودية نفسها أمام مفارقة استراتيجية صنعتها بيدها: الاستعانة بمقاتلين تحركهم أيديولوجيا متشددة للقضاء على تهديد أمني آني، مع احتمال المساهمة في نشوء خطر أشد تقلبًا وأقل قابلية للسيطرة على حدودها.

فبعد التعامل مع الحوثيين، قد لا يحزم هؤلاء المقاتلون أمتعتهم ببساطة ويعودون إلى بلدانهم. وقد يصل بعضهم إلى اعتبار تدمير الدولة السعودية الحديثة ليس مجرد هدف سياسي، بل واجبًا دينيًا أيضًا. وعندها، قد تكتشف الرياض مرة أخرى أن هزيمة عدوٍّ ما أسهل بكثير من السيطرة على القوى التي جرى تجنيدها لتدميره.

#السعودية #الصراع_في_اليمن #الحوثيون #الجغرافيا_السياسية #أمن_الشرق_الأوسط #الجماعات_الجهادية #رؤية_2030

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock