تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

الصراع الإيراني الأمريكي في مراحل النفير والتدمير.. من المنتصر ومن الخاسر؟

بقلم – د. محمد نصار

لم يعد الصراع الإيراني الأمريكي مجرد خلاف سياسي أو مواجهة عسكرية محدودة بين قوتين تتعارضان في المصالح والتوجهات، بل تحول إلى واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في منطقة الشرق الأوسط، لما يحمله من تداعيات استراتيجية واقتصادية وأمنية تتجاوز حدود الدولتين، وتمتد آثارها إلى المنطقة العربية والاقتصاد العالمي بأسره. وبين مراحل التصعيد والنفير العسكري، وسباق التسلح، والتهديدات المتبادلة، تتجدد الأسئلة حول طبيعة هذه المواجهة، وحدود القوة لدى كل طرف، ومن يستطيع فرض إرادته السياسية في نهاية المطاف.

إن فهم الصراع الإيراني الأمريكي يتطلب تجاوز الصورة التقليدية التي تختزل موازين القوى في حجم الجيوش والطائرات والصواريخ، فالحروب الحديثة لا تُحسم دائمًا بالتفوق العسكري وحده، وإنما تتداخل فيها القدرة الاقتصادية، والمرونة السياسية، والتحالفات الدولية، وحجم الخسائر التي يستطيع كل طرف تحملها، ومدى قدرته على تحويل المكاسب الميدانية إلى نتائج سياسية مستدامة.

تمتلك الولايات المتحدة تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا واسعًا، إلى جانب شبكة من التحالفات الدولية، وقدرات كبيرة في مجالات الاستخبارات والطيران والعمليات البحرية والأنظمة الدفاعية. كما تتمتع بنفوذ اقتصادي ومالي يمنحها أدوات متعددة للتأثير في خصومها، من العقوبات الاقتصادية إلى الضغوط الدبلوماسية. غير أن هذا التفوق لا يعني بالضرورة القدرة على إنهاء الصراع وفقًا للشروط الأمريكية، فالتدخلات العسكرية في بيئات إقليمية معقدة قد تفرض تكاليف سياسية واقتصادية متزايدة، وتجعل تحقيق الأهداف الاستراتيجية أكثر صعوبة مما يبدو في الحسابات الأولية.

في المقابل، تعتمد إيران على استراتيجية مختلفة تقوم على الجمع بين القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة، وتطوير وسائل الردع العسكري، والاستفادة من موقعها الجغرافي، وتوظيف علاقاتها الإقليمية، إلى جانب قدرتها على تحويل الضغوط الخارجية إلى عنصر تعبئة داخلية. وتدرك طهران أن الدخول في مواجهة تقليدية مفتوحة مع الولايات المتحدة يضعها أمام اختلال واضح في موازين القوة، ولذلك تسعى إلى امتلاك أدوات تجعل أي مواجهة معها مكلفة، وتمنحها القدرة على إطالة أمد الصراع ورفع كلفته السياسية والاقتصادية.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية؛ فالولايات المتحدة قد تمتلك القدرة على توجيه ضربات عسكرية شديدة، لكن القدرة على توجيه الضربة لا تعني بالضرورة القدرة على إنهاء الأزمة. وإيران قد تتمكن من الصمود وإلحاق خسائر أو فرض تكاليف على خصمها، لكن الصمود وحده لا يضمن تحقيق أهدافها السياسية، ولا يحميها من الأضرار التي قد تلحق ببنيتها التحتية واقتصادها وأمنها الداخلي.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى مراحل التصعيد باعتبارها سباقًا بين القدرة على التدمير والقدرة على الاحتمال. فكل طرف يسعى إلى إقناع الآخر بأن تكلفة الاستمرار في المواجهة ستكون أعلى من تكلفة التراجع أو التفاوض. وتتحول التهديدات العسكرية، في كثير من الأحيان، إلى أدوات ضغط سياسي تهدف إلى تحسين شروط التفاوض، أو ردع الخصم عن تجاوز خطوط حمراء يحددها كل طرف وفقًا لحساباته الاستراتيجية.

لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتجاوز المواجهة حدود الرسائل المتبادلة، وتتحول إلى عمليات عسكرية متتابعة تفتح الباب أمام ردود فعل متصاعدة. ففي مثل هذه الظروف، قد تؤدي ضربة محدودة إلى رد أكبر، ثم يتسع نطاق العمليات تدريجيًا، وتصبح عملية احتواء الأزمة أكثر صعوبة. كما أن تعدد الأطراف المتداخلة في المنطقة يزيد احتمالات سوء التقدير، ويجعل أي مواجهة مباشرة قابلة للتحول إلى أزمة إقليمية أوسع.

ولا يمكن فصل هذا الصراع عن أمن الطاقة والتجارة العالمية. فالشرق الأوسط يحتل موقعًا محوريًا في حركة إمدادات النفط والغاز، كما تمثل الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، عنصرًا أساسيًا في استقرار أسواق الطاقة الدولية. وأي اضطراب واسع في الملاحة أو صادرات النفط يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة تقلبات الأسعار، ورفع تكاليف الإنتاج والنقل، وهو ما ينعكس على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي في دول عديدة.

وتكون الدول المستوردة للطاقة والاقتصادات النامية أكثر عرضة لتحمل جانب من هذه الفاتورة، حتى إن لم تكن طرفًا مباشرًا في المواجهة. فارتفاع أسعار الوقود يضغط على الموازنات العامة، ويرفع تكلفة السلع والخدمات، ويزيد الأعباء على المواطنين، بينما تواجه الدول المنتجة بدورها تحديات تتعلق باستقرار الأسواق واستدامة الطلب وتجنب الاضطرابات التي قد تعطل حركة التجارة والاستثمار.

أما الدول العربية، فتجد نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية؛ فهي معنية بحماية أمنها القومي، وصون استقرارها الداخلي، والحفاظ على علاقاتها الدولية، ومنع انتقال المواجهة إلى أراضيها أو مياهها الإقليمية. كما أن مصالحها الاقتصادية تتطلب تجنب اتساع دائرة الصراع، خصوصًا في ظل الحاجة إلى جذب الاستثمارات، وتنويع مصادر الدخل، وتنفيذ خطط التنمية، وتعزيز التعاون التجاري والصناعي بين دول المنطقة.

ومن هنا، فإن المصلحة العربية لا تتحقق بمجرد انتصار طرف على آخر، وإنما بتجنب حرب إقليمية تستنزف الموارد وتضعف فرص التنمية وتفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الخارجية. كما أن تعزيز التنسيق العربي، وتطوير القدرات الدفاعية، وتنويع الشراكات الاقتصادية، وتأمين طرق التجارة والطاقة، تمثل عناصر ضرورية لتقليل التأثر بالأزمات الدولية، دون الانزلاق إلى مواجهات لا تخدم المصالح العربية.

وعند الانتقال إلى السؤال الأكثر أهمية: من المنتصر ومن الخاسر؟ فإن الإجابة لا يمكن أن تُبنى على عدد الضربات العسكرية أو حجم الدمار وحدهما. فقد يحقق طرف تفوقًا ميدانيًا واضحًا، لكنه يعجز عن تحويله إلى تسوية سياسية تحقق أهدافه. وقد يتمكن الطرف الآخر من المحافظة على قدرته على الرد والاستمرار، لكنه يدفع ثمنًا اقتصاديًا واجتماعيًا باهظًا، ويجد نفسه أمام تحديات داخلية متزايدة.

فالولايات المتحدة لا تستطيع اعتبار أي تفوق عسكري انتصارًا استراتيجيًا كاملًا ما لم يفضِ إلى تحقيق أهداف سياسية قابلة للاستمرار، وتقليص المخاطر التي دفعتها إلى المواجهة، وتجنب التورط في صراع طويل ومكلف. وفي المقابل، لا تستطيع إيران اعتبار مجرد الصمود انتصارًا نهائيًا إذا ترتبت عليه خسائر واسعة، أو تراجع في قدراتها الاقتصادية، أو ضغوط تهدد استقرارها الداخلي، أو عجز عن تحويل أوراق القوة التي تمتلكها إلى مكاسب سياسية واضحة.

ويظل العامل الحاسم هو قدرة كل طرف على تحديد أهداف واقعية، ومعرفة حدود قوته، وإدراك تكلفة مواصلة التصعيد. فالحروب قد تحقق مكاسب تكتيكية سريعة، لكنها قد تخلق أزمات استراتيجية طويلة الأمد، خصوصًا عندما تتسع الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية. وقد يكون الطرف الذي يعلن النصر عسكريًا هو نفسه الذي يواجه لاحقًا أعباء سياسية واقتصادية تفوق ما كان يتوقعه، بينما يجد الطرف الذي تجنب الهزيمة العسكرية نفسه عاجزًا عن تحقيق الاستقرار الذي يحتاج إليه.

ومن الضروري كذلك التمييز بين الانتصار العسكري والانتصار السياسي والانتصار الاقتصادي. فالانتصار العسكري يرتبط بتحقيق أهداف العمليات الميدانية، أما الانتصار السياسي فيتعلق بقدرة الدولة على فرض تسوية تحقق مصالحها، في حين يرتبط الانتصار الاقتصادي بقدرتها على حماية الإنتاج والاستثمار ومستوى معيشة المواطنين. وقد ينجح طرف في أحد هذه المسارات، لكنه يخفق في المسارات الأخرى، وهو ما يجعل الحكم على نتائج الصراع أكثر تعقيدًا من مجرد إعلان طرف انتصاره.

وفي ظل هذه المعادلة، تبدو الدبلوماسية ضرورة استراتيجية وليست علامة ضعف. فالتفاوض لا يعني بالضرورة تخلي أي طرف عن مصالحه، وإنما قد يكون الوسيلة الأقل تكلفة لحماية تلك المصالح ومنع تحول المواجهة إلى حرب مفتوحة. كما أن وجود قنوات اتصال فعالة، وتحديد قواعد واضحة لتجنب التصعيد، والتوصل إلى تفاهمات بشأن القضايا الخلافية، يمكن أن يحد من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة يصعب التحكم في مسارها أو نتائجها.

إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى جولة جديدة من استنزاف الموارد وتدمير البنية التحتية وتهديد أمن الشعوب، بقدر ما يحتاج إلى منظومة إقليمية تقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها، ومعالجة الخلافات عبر الحوار، وتعزيز التعاون الاقتصادي والصناعي، وبناء مصالح مشتركة تجعل الاستقرار خيارًا أكثر جدوى من الصراع.

وفي المحصلة، فإن المنتصر الحقيقي ليس بالضرورة من يمتلك السلاح الأكثر تطورًا، ولا من يستطيع تحمل الضربات لفترة أطول، وإنما من يتمكن من حماية أمنه ومصالحه، وتقليل خسائره، وتحويل قدراته إلى استقرار سياسي واقتصادي مستدام. أما الخاسر الأكبر، فقد يكون الشعب الذي يدفع ثمن المواجهة من أمنه ومعيشته ومستقبله، والاقتصاد الذي تتعطل فرص نموه بسبب الحروب، والمنطقة التي تفقد سنوات من التنمية في صراعات كان يمكن احتواؤها عبر التفاوض والحسابات العقلانية.

وهكذا، فإن الصراع الإيراني الأمريكي يضع المنطقة أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: قد تنتصر القوة في معركة، وقد ينجح الردع في تأجيل الحرب، لكن السلام وحده هو القادر على إنهاء دائرة الاستنزاف. وبين النفير والتدمير، يبقى السؤال الأهم ليس فقط من سينتصر، بل أي ثمن سيدفعه الجميع، وما إذا كانت النتائج النهائية ستقود إلى نظام إقليمي أكثر استقرارًا، أم إلى مرحلة جديدة من الأزمات التي يدفع المواطن العربي والإيراني والأمريكي وغيرهم من شعوب العالم تكلفتها المباشرة وغير المباشرة.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock