تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

ماكرون يُضحي بفرنسا لهزيمة روسيا

م. ميشال كلاغاصي

تعيش أوروبا، وفي مقدمتها فرنسا، على وقع هزات اجتماعية وأمنية غير مسبوقة وضعت الإستقرار العام بمواجهة اختبار عسير للغاية، لم تعد فيه شوارع بعض العواصم الأوروبية مجرد ساحات للتعبير عن الرأي، بل تحولت فجأة إلى ميادين للمواجهة المفتوحة والاضطرابات العنيفة المدفوعة بوطأة غلاء المعيشة، وتراجع مستوى الخدمات العامة، وتراكم الإحتقان الاقتصادي، وامتدت شرارة الأحداث لتشمل عدة دول أوروبية، كاشفةً عمق الشرخ بين الشعوب وحكوماتها، وعرّت منظوماتها الأمنية، وأعادت رسم حدود السلطة والسيطرة داخل القارة العجوز.

وقد أثارت سرعة وحدة تطورات أعمال الشغب والتخريب في فرنسا التساؤلات الحادة في الأوساط السياسية حول ما وُصف بـ “الغفلة الأمنية” التي اعترف ماكرون بها علناً وإقراره “بوجود إخفاقاتٍ أمنية واستخباراتية”، وبأن التقارير الأمنية الإستباقية التي قُدمت إليه لم تكن تتوقع حجم الإنفجار الإجتماعي وأساليب التخريب والنهب التي شهدتها البلاد، وبالرغم من علم الحكومة المسبق بوجود احتقان ودعوات التظاهر السلمي ضد الغلاء، إلاّ أن الأجهزة الأمنية عجزت عن التنبؤ بدخول عناصر تخريبية منظمة نجحت في إقامة المتاريس واقتحام المقار العامة والبلديات وشل حركة الشرطة في عدة مدن رئيسية في وقت واحد، ومع ذلك رفض ماكرون إقالة وزير الداخلية، لكنه وجّه قوات الأمن والشرطة بـ “ضرورة اعتماد آليات عمل استباقية وأساليب ميدانية جديدة”، في حين أتى الإجراء الأشد قسوة، بإعلان رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو، “فرض حظر تجول ليلي” في بعض المدن والأحياء.

لكن الأوساط السياسية والشعبية الداخلية لم يقنعها هذا التبرير، في ظل سرديات التشكيك السياسي والإنتقاد، وتباين القراءات حول دوافع استمرار ماكرون ونخبه الفاسدة وأغنياؤه بتعنتهم وإصرارهم على نهج المواجهة مع روسيا على انها ضرورة حتمية، لإعتقادهم بأن “هزيمة أوكرانيا تعني تهديداً مباشراً لأمن حدود أوروبا”، وأن التمدد الروسي لن يتوقف عند حدود دونباس، بل سيمتد لتهديد دول البلطيق ومولدوفا وبولندا وعمق البنى التحتية الأوروبية.

ناهيك عن رؤية وقناعة ماكرون بأن القارة الأوروبية لا يمكنها البقاء رهينة المظلة الأمنية الأمريكية، في ظل تقلبات سياسة واشنطن وعدم مراعاتها مصالح الأوروبيين، لذلك سعى ماكرون المتغطرس لإثبات نفسه كقائد عسكري وسياسي لأوروبا القادرة على حماية نفسها، ولترسيخ دورٍ محوري لفرنسا، يقوم على أساس منع “سقوط أحجار الدومينو”، ويبقى السؤال هل يضحي ماكرو بفرنسا لأجل هزيمة روسيا؟

حيث يرى منتقدو ماكرون أنه بذلك يمارس “هروباً إلى الأمام”، بينما يغرق الشارع الفرنسي في أحداث شغبٍ وأزمات معيشية طاحنة، وارتفاع في أسعار الطاقة، وتراكم الديون والعجز المالي الذي بلغ 5.4%، يستمر ماكرون في توجيه الدعم العسكري والمالي السخي لأوكرانيا وضخ الموارد في منظومات الدفاع المشتركة، في وقتٍ تصف فيه المعارضة الفرنسية سلوكه بأنه “انفصال عن الواقع” واستعداد للمخاطرة بالإستقرار الداخلي لفرنسا في سبيل طموحات دبلوماسية شخصية ومواجهة جيوسياسية كبرى.

وفي وقتٍ حاول فيه ترامب تقديم نفسه كخبير ومفكر استراتيجي، وقدم سرديته أمام وسائل الإعلام، مشخصاً الحالة الفرنسية، ومستفيداً منها قبيل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، للتصويب على خصومه الديمقراطيين الذين يتسامحون مع الهجرة غير الشرعية، مؤكداً ارتكاب ماكرون “الخطأ الفادح” بسماحه دخول المهاجرين من كافة انحاء العالم إلى فرنسا، “الأمر الذي سيحول باريس قريباً إلى مدينة إسلامية”، وبأنه يتوجب على فرنسا وأوروبا عموماً إغلاق حدودها، وطرد الأشرار، مؤكداً حزنه لرؤية فرنسا – البلد العظيم – وهي تتحطم.

لا يمكن لترامب أن يمرر تظاهره بالحزن “المحسوب” على فرنسا، رغم التباين الكبير بين رؤى ماكرون حول دعم وحدة أوروبا والاندماج داخل الإتحاد الأوروبي، وما بين رؤية ترامب وشعار “أمريكا أولاً” التي تعتمد على إضعاف التكتلات المتعددة الأطراف والتركيز على الإتفاقيات الثنائية، ناهيك عن التباين والخلافات حول أوكرانيا، ودعم ترامب للتسويةٍ سريعة في أوكرانيا ولو عبر إجبار كييف على تقديم التنازلات التي ترضي موسكو، بهدف وقف المساعدات الأمريكية لأوكرانيا، في حين يطالب ماكرون الدول الأوروبية بالإستعداد لملء الفراغ الأمريكي والإستمرار بدعم أوكرانيا “على المدى الطويل” كي لا تنتصر روسيا.

وبالرغم مما يحصل في فرنسا، وجد ماكرون الوقت للقيام بجولة على دول الخليج العربي، في محاولة لإستجداء كرمهم لمواجهة الأزمات الإقتصادية والاجتماعية وأزمة الطاقة الخانقة والضغوط الداخلية في فرنسا، ولعرض المنتجات العسكرية الفرنسية، وتوسيع الشراكات الاستراتيجية والدفاعية الثنائية، في ظل التوترات الإقليمية، ولعرض قدرات فرنسا العسكرية والدفاعية لحمايتهم وتأمين منشآتهم، وإبداء التضامن مع الرياض في مواجهة الحوثيين، وحماية ميناء ومنشآت الطاقة الحيوية في مدينة ينبع السعودية، مقابل الحصول على تدفقات مستقرة وإضافية من الطاقة لإنقاذ الوضع الاقتصادي الداخلي وخفض أسعار الوقود في فرنسا بعد موجة الفوضى والإحتجاجات العنيفة التي تعيشها فرنسا.

من الواضح أن ماكرون يسير في حقل ألغامٍ سياسي، يحاول فيه إنجاح مساعيه بدفع أوروبا نحو بناء قطبٍ دفاعي موحد ومستقل، كقائد تاريخي أيقظ القارة استراتيجياً، على الرغم من ومن تأثير وتداعيات الضغط الإقتصادي الناجم عن المواجهة والتوتر المستمر مع روسيا الذي يغذي الاحتقان الداخلي بالداخل الفرنسي، مما يجعل أسلوبه مهدداً بالإنهيار تحت وطأة الاضطرابات في شوارع باريس وصعود اليمين المتطرف الذي يترقب اللحظة المناسبة للوصول إلى السلطة، وسط استغلال مارين لوبن وحزبها “التجمع الوطني” الأزمة لتوجيه انتقادات حادة لسياسة التراخي والتسامح مع المهاجرين المتمردين والمنبوذين، معتبرة أن الاضطرابات دليل على فشل الإدارة الحالية، وهو ما انعكس في تصدرها لإستطلاعات الرأي الانتخابية، وهي التي تعارض استمرار المساعدات لأوكرانيا، والعداء لروسيا، وتغيير المسار الفرنسي لأجل الغرباء.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock