اخبار عربية
المسيحيون في سوريا تحت وطأة الخوف
من يحمي أقدم جماعات الشرق الأوسط؟ اعتداءات وتهديدات وهجرة تهدد الوجود التاريخي

بيروت تايمز – تحقيق إخباري موسّع من اعداد جورج ديب
عندما يصبح البقاء في الوطن معركة يومية
ليس الخوف الذي يعيشه كثير من المسيحيين في سوريا مجرد شعور عابر تفرضه سنوات الحرب، ولا يمكن اختزال معاناتهم في حادثة أمنية هنا أو تهديد هناك. فبالنسبة إلى عائلات مسيحية كثيرة، يرتبط السؤال عن المستقبل بأبسط حقوق الإنسان: هل يمكنها أن تعيش بأمان؟ هل تستطيع أن تمارس شعائرها الدينية من دون خوف؟ وهل يمكن لأبنائها أن يكبروا في بلد لا يشعرون فيه بأن هويتهم الدينية قد تجعلهم أكثر عرضة للتهديد أو التمييز؟

إن الوجود المسيحي في سوريا ليس تفصيلاً طارئاً على تاريخ البلاد، بل هو جزء أصيل من هويتها الحضارية والثقافية. فمن دمشق وحلب إلى حمص وحماة، ومن وادي النصارى إلى القرى التاريخية في الجزيرة السورية، حملت الكنائس والمجتمعات المسيحية تراثاً دينياً ولغوياً واجتماعياً يمتد قروناً طويلة. وفي سوريا، حيث ارتبطت مدن وقرى كثيرة بتاريخ المسيحية المبكر، لا تعني خسارة أي جماعة مسيحية مجرد انخفاض في عدد السكان، بل تعني أيضاً خسارة جزء من ذاكرة البلاد وتنوعها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف يمكن ضمان استمرار هذا الوجود في ظل الخوف من العنف، وضعف الثقة بالضمانات الأمنية، وتراكم آثار الحرب والتهجير، والقلق من تصاعد الخطاب المتطرف؟
هذا التحقيق يتناول المخاوف التي تواجه المسيحيين السوريين، والتحديات الأمنية والاجتماعية التي تهدد بقاءهم، ومسؤولية السلطات والقوى السياسية والدينية في توفير الحماية. وهو يميّز بين الوقائع الموثقة والمخاوف التي تحتاج إلى مزيد من التحقق، لأن الدفاع عن المسيحيين لا يحتاج إلى المبالغة أو نشر الاتهامات غير المثبتة؛ بل يحتاج إلى كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاك، أياً كانت هويتهم.
أولاً: وجود تاريخي لا يجوز أن يتحول إلى ضحية منسية
تحتل سوريا مكانة استثنائية في تاريخ المسيحية. ففي دمشق يرتبط التراث المسيحي بروايات دينية وتاريخية عريقة، وفي حلب نشأت جماعات كنسية متعددة حافظت على تقاليدها وطقوسها ولغاتها. كما تمثل معلولا، بتراثها المسيحي واللغة الآرامية التي لا تزال حاضرة في هويتها، رمزاً ثقافياً يتجاوز حدود المنطقة.
وعلى امتداد البلاد، عاشت جماعات من الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك والسريان الأرثوذكس والسريان الكاثوليك والموارنة والأرمن وغيرهم، إلى جانب المسلمين من مذاهبهم المختلفة، ضمن نسيج اجتماعي متنوع، وإن لم يخلُ تاريخ سوريا من التوترات والصراعات.
هذا التاريخ يجعل أي تهديد للوجود المسيحي قضية وطنية، لا قضية طائفية محصورة بأبناء طائفة بعينها. فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها بسبب دينهم أو انتمائهم تخاطر بتحويل المواطنة من حق متساوٍ إلى امتياز غير مضمون.
والأخطر أن التراجع الديموغرافي لا يحدث بالضرورة عبر حادثة واحدة كبرى. فقد يبدأ بالخوف، ثم تتبعه هجرة الشباب، وإغلاق المتاجر، وتراجع فرص العمل، وتناقص أعداد التلاميذ في المدارس، وصولاً إلى إفراغ بعض البلدات من سكانها الأصليين. وعندما تغادر العائلات لأنها لا ترى مستقبلاً آمناً، يصبح النزوح نتيجة تراكمية لا يمكن علاجها بمجرد إصدار بيان يطمئن الناس.
لذلك، لا يكفي أن يُقال للمسيحيين إنهم جزء من سوريا. المطلوب أن يشعروا بأنهم مواطنون متساوون، وأن حقوقهم محمية بالقانون، وأن الاعتداء عليهم لن يمر من دون تحقيق ومحاسبة.

ثانياً: تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق… الجريمة التي أعادت الخوف إلى الواجهة
شكّل التفجير الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس للروم الأرثوذكس في حي الدويلعة بدمشق، في 22 حزيران/يونيو 2025، واحدة من أخطر المحطات التي واجهها المسيحيون السوريون بعد سقوط نظام بشار الأسد.
لم يكن الاعتداء استهدافاً لمبنى حجري أو لمكان عبادة فحسب؛ فقد وقع داخل كنيسة خلال الصلاة، حين كان المصلّون يجتمعون لأداء شعائرهم الدينية. وأفادت وكالة رويترز بمقتل ما لا يقل عن 20 شخصاً وإصابة 52 آخرين في حصيلة أولية، فيما أوردت تقارير لاحقة أرقاماً أعلى للضحايا. ونسبت السلطات الهجوم إلى تنظيم الدولة الإسلامية.
هنا تبرز حقيقة لا يجوز الالتفاف عليها: عندما يصبح الذهاب إلى الكنيسة محفوفاً بخطر التفجير، فإن حرية العبادة تتحول من حق دستوري وإنساني إلى مصدر قلق يومي. وعندما يسقط الضحايا وهم يمارسون شعائرهم، لا تعود بيانات الإدانة وحدها كافية لإعادة الثقة.
وقد عبّر البطريرك يوحنا العاشر يازجي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، عن غضب واضح خلال جنازات الضحايا، منتقداً الاكتفاء بالتعازي ومؤكداً أن حجم الجريمة يستوجب إجراءات ومسؤولية تتجاوز الكلام. ونقلت رويترز موقفه الذي طالب فيه السلطات بتحمل مسؤوليتها عن حماية الأقليات.
هذا الموقف يضع الدولة الانتقالية أمام اختبار بالغ الصعوبة. فالمسؤولية لا تعني بالضرورة أن السلطات خططت للهجوم أو نفذته، إذ لا يجوز إطلاق مثل هذا الاتهام بلا دليل؛ لكنها تعني أن واجبها هو حماية دور العبادة، وملاحقة الشبكات المسلحة، والتحقيق في الإخفاقات الأمنية، وضمان عدم إفلات المنفذين والمحرضين من العقاب.
والسؤال الأكثر إلحاحاً هو: ما الإجراءات التي اتُّخذت لمنع تكرار المأساة؟ وهل جرى تحديد جميع المتورطين وشبكات الدعم والتخطيط؟ وهل أُعلنت نتائج التحقيق للرأي العام بصورة موثوقة؟ إن الإجابة الواضحة عن هذه الأسئلة ليست ترفاً إعلامياً، بل ضرورة لاستعادة ثقة المواطنين.
ثالثاً: من دمشق إلى حمص وحماة واللاذقية… الخوف لا يتوقف عند أبواب الكنائس
لا تنحصر المخاوف المسيحية في التفجير الإرهابي الذي هزّ دمشق. فقد وثّقت تقارير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء حوادث متعددة استهدفت مسيحيين أو ممتلكات مرتبطة بهم، بما في ذلك اعتداءات وتهديدات وإحراق ممتلكات في مناطق مختلفة.
في أوائل أيار/مايو 2025، أفادت تقارير بوقوع اعتداء على متجر لبيع المشروبات الكحولية في بلدة ربلة ذات الغالبية المسيحية في منطقة القصير بمحافظة حمص. وتضمنت الحادثة الاعتداء على شاب ونهب المتجر وتوجيه إهانات وتهديدات إلى سكان مسيحيين، وفق المعلومات التي أوردتها وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء.
وفي محافظة حماة، أورد التقرير نفسه حادثة إحراق سيارة تعود إلى عائلة مسيحية في بلدة حِمْتو في منتصف أيار/مايو 2025، مع ترك منشورات تتضمن تهديدات وإهانات للمسيحيين. كما أشار إلى تحرك مجموعة مسلحة في شوارع محردة، وهي بلدة ذات غالبية مسيحية، في واقعة أثارت مخاوف السكان من الترهيب الديني.
إن خطورة هذه الوقائع لا تكمن فقط في قيمة الممتلكات التي أُحرقت أو نُهبت، بل في الرسالة التي قد تصل إلى السكان: أن بيوتهم وأعمالهم وهويتهم ليست بمنأى عن الاعتداء. ومع ذلك، يجب التمييز بين توثيق وقوع حادثة وبين إثبات دوافع كل شخص شارك فيها؛ فالمحاسبة الجدية تتطلب تحديد المسؤولين والأدلة، لا الاكتفاء بالاستنتاجات.
وفي مناطق أخرى، تتزايد المخاوف من هشاشة الأمن، ومن قدرة الجماعات المتطرفة على استغلال الفراغ الأمني والتحريض الطائفي. وقد أشار تقرير لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية الصادر في أيار/مايو 2026 إلى استمرار العنف الطائفي الذي يطال جماعات دينية متعددة، وإلى ضعف وضوح نتائج التحقيقات في بعض الجرائم. كما وثّق التقرير حادثة تحطيم صلبان على شواهد قبور في مقبرة مسيحية بمحافظة طرطوس في آذار/مارس 2026.
تحطيم الصلبان في المقابر ليس تفصيلاً يمكن تجاهله بوصفه تخريباً عادياً. فإذا ثبت أن الفعل استهدف الرموز المسيحية بسبب دلالتها الدينية، فهو اعتداء على حرية المعتقد وكرامة الموتى وحق العائلات في احترام مدافن أقاربها. وعلى السلطات أن تحدد المسؤولين وأن تنشر نتائج التحقيق، بدلاً من ترك المجتمعات أمام الشكوك والتأويلات.
وتكشف هذه الحوادث، رغم اختلاف طبيعتها ودرجة توثيق تفاصيلها، عن مشكلة أوسع: لا يكفي تأمين كنيسة في مناسبة دينية كبرى، إذا بقيت العائلات قلقة على منازلها ومتاجرها ومقابرها وحقها في التعبير عن هويتها.
رابعاً: من يحمي المسيحيين عندما يصبح الخوف جزءاً من الحياة اليومية؟
تتجاوز أزمة المسيحيين السوريين حدود الاعتداءات المباشرة. فهناك شعور متنامٍ بعدم اليقين بشأن شكل الدولة المقبلة، ومكانة الحريات الدينية في النظام السياسي، ومدى قدرة المؤسسات الأمنية والقضائية على حماية جميع المواطنين بالتساوي.
وفي تقرير نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية في نيسان/أبريل 2025، تناولت الصحيفة مبادرة تطوعية باسم «فزعة»، شارك فيها سكان من أحياء مسيحية في دمشق، منها باب توما والقصاع، بهدف حماية أحيائهم من السرقة والتهديدات في ظل الفراغ الأمني. وتحدث التقرير عن مخاوف المتطوعين من نفوذ الجماعات المتشددة، وعن رغبتهم في أن تتولى مؤسسات الدولة مسؤولية الأمن بصورة فعالة.
إن اضطرار المواطنين إلى تنظيم دوريات لحماية أحيائهم يكشف حجم القلق الذي يمكن أن يولّده غياب الأمن، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل دائم عن الدولة. فحماية السكان ليست مهمة جماعة دينية مسلحة، ولا مسؤولية المسيحيين وحدهم؛ إنها واجب مؤسساتي يقع على عاتق السلطات المختصة.
وفي المقابل، لا يجوز تجاهل أن السلطات الانتقالية أعلنت التزامها بحماية الأقليات، واتخذت بعض الإجراءات الأمنية في الأحياء المسيحية والمناسبات الدينية. كما أشار تقرير حكومي بريطاني نُشر في شباط/فبراير 2026 إلى تعزيز الإجراءات الأمنية في أحياء مسيحية خلال عيد الميلاد عام 2024 وعيد الفصح عام 2025، وإلى إحباط محاولة تفجير كنيسة قرب طرطوس في تموز/يوليو 2025.
لكن وجود إجراءات إيجابية لا يلغي الحاجة إلى تقييم نتائجها. فالمعيار الحقيقي ليس عدد البيانات أو الاجتماعات، بل قدرة المواطن على الذهاب إلى الكنيسة، وفتح متجره، وتربية أطفاله، والاحتفاظ بممتلكاته، من دون خوف من اعتداء بسبب دينه.
خامساً: الهجرة الصامتة… الخطر الذي قد يفرغ سوريا من تنوعها
تُعدّ الهجرة من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات المسيحية السورية. فالحرب الطويلة، والانهيار الاقتصادي، وتدمير المنازل والبنى التحتية، والخطف والتهديدات، دفعت أعداداً كبيرة من السوريين إلى مغادرة البلاد. وكان المسيحيون من بين الجماعات التي تراجعت أعدادها بصورة كبيرة.
وتشير تقديرات نقلتها وسائل إعلام دولية إلى انخفاض كبير في عدد المسيحيين مقارنة بما قبل الحرب، لكن الأرقام الدقيقة لا تزال غير محسومة بسبب غياب إحصاءات حديثة وموثوقة وشاملة. لذلك، يجب التعامل بحذر مع أي رقم يُقدَّم على أنه تعداد نهائي.
المشكلة أن الهجرة لا تنتهي عند عبور الحدود. فكل عائلة تغادر قد تترك وراءها منزلاً أو متجراً أو أرضاً أو كنيسة فقدت جزءاً من مجتمعها. وعندما يرحل الشباب وأصحاب المهن، تتراجع قدرة البلدات على الاستمرار، ويصبح الرجوع أصعب مع مرور السنوات.
ولا يمكن مطالبة المسيحيين بالبقاء باسم الوطنية أو التاريخ، فيما لا تتوفر لهم شروط الحياة الكريمة. الوطنية ليست تضحية أحادية الجانب؛ إنها عقد متبادل بين المواطن والدولة. ومن يريد بقاء المسيحيين في سوريا عليه أن يدافع عن أمنهم وحقوقهم وفرص عملهم وتعليم أبنائهم، لا أن يكتفي بمناشدتهم التمسك بأرضهم.
سادساً: المطلوب من السلطات السورية… أفعال ملموسة لا وعود عامة
إن حماية الوجود المسيحي تتطلب خطة واضحة، تتضمن إجراءات قابلة للقياس والمحاسبة، وأبرزها:
-
تحقيقات مستقلة وشفافة: كشف نتائج التحقيق في تفجير كنيسة مار إلياس، وملاحقة جميع المتورطين وفق القانون، وتوضيح ما إذا كانت هناك إخفاقات أمنية ساهمت في وقوع الجريمة.
-
حماية دور العبادة والمقابر: تأمين الكنائس والأديرة والمقابر، والتحقيق في أعمال التخريب والتهديد والتحريض الديني.
-
محاسبة المعتدين من دون استثناء: تطبيق القانون على كل من يرتكب جريمة طائفية أو يحرض على العنف، بصرف النظر عن انتمائه أو موقعه.
-
ضمان المساواة الدستورية: تثبيت حرية الدين والمعتقد، وحق ممارسة الشعائر، والمساواة أمام القضاء، وعدم التمييز في الوظائف والخدمات العامة.
-
حماية الممتلكات وحق العودة: منع الاستيلاء على المنازل والأراضي، وتوفير آليات قانونية لاسترداد الممتلكات والتعويض عن الأضرار.
-
مكافحة التحريض: التصدي للخطاب الذي يصوّر المسيحيين أو أي جماعة دينية أخرى على أنهم مواطنون أقل استحقاقاً للحماية أو المشاركة السياسية.
-
إشراك ممثلي المجتمعات المتضررة: إنشاء آليات تواصل دورية مع القيادات الكنسية والمجتمع المدني، ونشر تقارير دورية عن الاعتداءات والإجراءات المتخذة بشأنها.


















