تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

هل يستفيد لبنان من خسارة نتنياهو أو فوزه؟

 فاروق غانم خداج *

تابع اللبنانيون انتخابات 27 تشرين الأول في إسرائيل، وراقبوا نتائجها كما لو أنها انتخابات تحدد مصيرهم هم. تصدّر معسكر بنيامين نتنياهو النتائج بـ53 مقعدًا، مقابل 48 لمعسكر المعارضة، فيما حصدت الأحزاب العربية 19 مقعدًا. ولم يحصل أي معسكر على الأغلبية المطلوبة، وهي 61 مقعدًا، وبقي تشكيل الحكومة رهينة المفاوضات والتفاهمات السياسية.

لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح في لبنان ليس من سيتمكن من تشكيل الحكومة الإسرائيلية، بل ماذا أعدّ لبنان للاحتمالين؟ وهل يكفي أن يخسر نتنياهو كي يربح لبنان، أم أن فوزه أو خسارته لن يغيرا كثيرًا في واقع بلد لم يعد يمتلك من مقومات المواجهة ما يكفي لحماية مصالحه؟

قد تتيح خسارة نتنياهو المجال أمام حكومة مختلفة في أسلوبها وحساباتها، وربما أقل اندفاعًا نحو بعض خيارات التصعيد. لكن ذلك لا يعني بالضرورة تغيير العقيدة الأمنية الإسرائيلية أو التخلي عن التعامل مع لبنان من منظور التهديدات والمصالح الاستراتيجية. وفي المقابل، فإن بقاء نتنياهو قد يعني استمرار النهج الذي عرفته المنطقة خلال السنوات الأخيرة، لكنه لا يجعل مستقبل لبنان محسومًا سلفًا.

فالمسألة لا تتعلق بالأشخاص وحدهم، بل بالسياسات التي تحكم الدول، وبالمصالح التي توجه قراراتها. وقد يتغير رئيس الحكومة في إسرائيل، لكن ذلك لا يضمن تبدل نظرتها إلى لبنان. ومن الخطأ أن يبني بلد مستقبله على توقعات تتعلق بنتائج انتخابات دولة أخرى، مهما كان تأثيرها في أمنه واستقراره.

لبنان ومشكلة الهروب إلى الخارج

منذ سنوات، اعتادت قوى سياسية لبنانية تقديم الأخطار الخارجية باعتبارها التفسير الأبرز لأزمات البلاد. والخطر الإسرائيلي ليس وهمًا، بل واقع يمتد عبر تاريخ طويل من الاعتداءات والحروب، من اجتياح 1982 إلى حرب تموز 2006 وصولًا إلى المواجهة الأخيرة وما خلّفته من دمار وخسائر بشرية واقتصادية.

لكن الاعتراف بهذا الخطر لا يعفي المسؤولين من مسؤولياتهم. فالسؤال الذي ينبغي أن يواجه اللبنانيين هو: لماذا بقيت الدولة عاجزة عن بناء مقومات الصمود، ولماذا لم تتحول الحكومات المتعاقبة إلى مؤسسات قادرة على إدارة الاقتصاد وحماية الحقوق وتوفير الخدمات الأساسية؟

كيف يمكن لدولة أن تواجه التحديات فيما لا تزال أزمة الودائع المصرفية بلا حل عادل، والكهرباء عبئًا يوميًا على المواطنين، والمالية العامة تعاني اختلالات عميقة، والإصلاحات المطلوبة تتعثر بين التجاذبات السياسية؟ وكيف يمكن الحديث عن سيادة الدولة فيما يبقى تنفيذ القرارات الدولية، وفي مقدمها القرار 1701، موضع خلاف وتجاذب، بدل أن يكون جزءًا من سياسة وطنية واضحة تحمي لبنان؟

إن تحويل الخطر الخارجي إلى تفسير دائم لكل إخفاق داخلي يسمح بتأجيل المحاسبة، ويجعل المواطن أسير معادلة لا يملك فيها سوى الانتظار. فالخطر الإسرائيلي لا يلغي مسؤولية الطبقة السياسية عن الانهيار، كما أن الأزمات الداخلية لا تلغي حق لبنان في حماية أرضه وسيادته.

لبنانيون يتابعون انتخابات الآخرين وينسون وطنهم

المفارقة أن اللبناني بات يتابع الانتخابات الإسرائيلية، ويراقب مواقف القوى الإقليمية والدولية، وينشغل بتبدل التحالفات، فيما تتراجع الأسئلة المتعلقة بمستقبله المباشر. كم فرصة عمل خسرها؟ لماذا يغادر أبناؤه؟ ماذا حلّ بالجامعات والمستشفيات؟ وكيف يمكن استعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها؟

ليس الاعتراض على متابعة ما يجري في إسرائيل، فذلك ضرورة لفهم التحولات المحيطة بلبنان. إنما المشكلة في أن تتحول هذه المتابعة إلى بديل من الاهتمام بالشأن الوطني، وأن تصبح الأخبار الخارجية مادة يومية للاستهلاك السياسي والإعلامي، فيما تبقى القضايا اللبنانية الكبرى بلا حلول.

لقد أصبح قسم من المجتمع اللبناني متغربًا عن واقعه، لا بمعنى الهجرة الجغرافية وحدها، بل بمعنى الانفصال عن قضاياه الأساسية، والانشغال بأحداث لا يملك التأثير المباشر في نتائجها، بينما تتراجع قدرته على التأثير في مستقبل بلده.

والأشد خطورة أن هذا الواقع يضعف إمكان تخيل لبنان مختلف. فحين تتراكم الأزمات، وتتكرر الانقسامات، وتغيب المحاسبة، يصبح الحديث عن دولة جديدة ومؤسسات مستقلة واقتصاد منتج أقرب إلى حلم مؤجل، لا إلى مشروع سياسي قابل للتحقق.

أي سياسة يحتاج إليها لبنان؟

لا يحتاج لبنان إلى انتظار خسارة نتنياهو كي يبدأ التفكير في حماية مصالحه، ولا ينبغي أن يتعامل مع فوزه باعتباره قدرًا لا يمكن مواجهته سياسيًا. ما يحتاج إليه هو دولة قادرة على جمع الضرائب وإدارة المال العام، ومجلس نيابي يمارس دوره التشريعي والرقابي، وحكومة تضع الإصلاحات موضع التنفيذ، وجيش ومؤسسات أمنية يعملون ضمن استراتيجية وطنية واضحة، وتطبيق للقرار 1701 بما يعزز سيادة الدولة على كامل أراضيها.

ويحتاج كذلك إلى معالجة عادلة لأزمة الودائع، وإعادة بناء قطاع الكهرباء، واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي، ووقف نزيف الكفاءات، لأن الأمن لا ينفصل عن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، والسيادة لا تكتمل بمجرد رفع الشعارات.

قد تختلف الحكومة الإسرائيلية المقبلة عن سابقتها في أسلوب التعامل مع لبنان، لكن ذلك لا يضمن وحده تحولًا في طبيعة المصالح والسياسات. وفي كل الأحوال، سيبقى الفارق الحقيقي في قدرة لبنان على امتلاك موقف وطني واضح، وتحويله إلى سياسة قابلة للتنفيذ، بدل أن يظل ساحة تتجاذبها الحسابات الخارجية والانقسامات الداخلية.

إن السؤال ليس ما إذا كان نتنياهو سيخسر أو سيفوز فحسب، بل لماذا أصبح اللبنانيون ينتظرون نتائج الانتخابات في إسرائيل أكثر مما ينتظرون نتائج الإصلاح في بلدهم؟ ولماذا بات تبدل الحكومات في الخارج يبدو أقرب إلى الأمل من تبدل السياسات في الداخل؟

قد يتغير الحاكم في إسرائيل، وقد تتبدل التحالفات، لكن ذلك لن يصنع لبنان جديدًا. فالسياسة الإسرائيلية تجاه لبنان ستظل محكومة بحسابات أمنية واستراتيجية، أما ما ينبغي أن يتغير فهو قدرة لبنان على إدارة مصالحه والدفاع عنها.

إن أخطر ما كشفته الانتخابات الإسرائيلية ليس غياب أغلبية حاسمة في الكنيست، بل غياب مشروع لبناني حاسم يعيد الدولة إلى موقعها، ويخرج اللبنانيين من انتظار ما يقرره الآخرون إلى امتلاك حق تقرير مستقبل وطنهم.

* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

تنويه من إدارة بيروت تايمز

الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock