الدكتورة نيروز الطنبولي
كم أنا ممتنّة لك سيدي الحاكم كورونا، وكم يسعدني أن أعترف لك أمام العالم بأسره أنّك رغم صغر حجمك المتناهي إلا أن قوّتك خارقة، واستطعت في وقت قصير أن تثبت جدارتك في إدارة الأمور والاستحواذ علينا وعلى ممتلكاتنا، فحوّلت أنظارنا لأشياء غفلناها منذ زمن بعيد، وأيقظت فينا مشاعر ربما فقدناها تماما أو قد تخطيناها بقوة منذ زمن بعيد. لقد بدّلت عاداتنا وأفقدتنا أمورا كنّا قد اعتبرناها من المُسلّمات والممتلكات الأبدية التي حصلنا عليها وورثناها كابراً عن كابر، إذ اعتدنا النّعم وألفناها !.
سيدي كرونا تعلّمنا منك أنّنا أضعف ممّا نتصوّر، فجدير بنا أن نذكر أنّك قد ملأت قلوبنا رعبًا ونحن لا زلنا لا نعرف عنك الكثير فماذا لو علمنا عنك أكثر!
أفسدت علينا جلساتنا الملاح بين أصدقائنا وأحبّائنا التي كانت تحفل بالصّخب والهراء، وربّما كنّا مقصرين في التّزاور وتبادل المجاملات لأهالينا ومن لهم حق علينا، وحتّى أنّه أحيانا كانت هواتفنا تشغلنا عن حديث جلساتنا، ولكننا حقا اشتقنا لبعضنا ولأهالينا ولتسامرنا معا.
سيدي الحاكم بأمره كورونا العظيم نحن نشتاق لازدحام الشّوارع والكافيهات وصخب الحياة الذي تعوّدناه... فخواء الشّوارع والأمكنة وخلوّ الحدائق من ضحكات أصبح يحطّم قلوبنا... وصار المؤذّن يردّد " صلوا في بيوتكم" بعد كلّ أذانٍ، فحتّى تردّدنا على المساجد والكنائس للتّضرّع إلى الله ليزيح الغمّة عنّا أصبح يشوبه الكثير من التّوتر، وإن كنّا مقصّرين في الأساس فيه . فنحن لا نقبل أن تصفّد أبوابهم بأمرك في وجوهنا ونحن لا زلنا على قيد الحياة، وأنت تعرف جيدا أنّه منذ أن شيّد نبينا إبراهيم عليه السّلام الكعبة لم يتوقّف الطّواف بها إلا بسببك أنت! كيف! أتريد أن تجعل منا مستعبدين لذكرك، فقد صرنا نردّد اسمك بغير وعي في كلّ مقام ومقال وفي كل سجود ودعاء، نستنجد بالله أن يزيحك عنّا ويزيل غمّتنا بزوال حكمك علينا !
عزيزي كورونا أطفالنا حرموا المدارس وحرموا لقاء زملائهم وباتوا يخشون أن ينقضي العالم وهم لم يتمّموا دروسهم...غابت ضحكاتهم وهم مترقّبون في البيوت...متى نعود للصّف وحصة الرّسم والموسيقى .
في الحقيقة نعلم أنهم لم يكونوا على القدر المطلوب من الانضباط وشغف التّعلّم والمعرفة ولكنّهم الآن يشعرون بالحرمان الجبري وهذا يدفعهم للعودة لروتينهم المدرسي المريح وإن كانوا لا يكفّون عن الشكوى منها..
سيدي الحاكم كورونا نعرف أنك لم تفعل بنا سوءا وحتّى لو أنك هدّدت حياتنا، وقضيت على حياة الكثير منّا، ولكنهم كانوا بشكل أو بآخر ميتين ...ولكنّ الرّعب الذي بات يسكن أغلبنا بسببك هو من سيقتل المزيد... فرفقا بنا وبأطفالنا فقد انطفأ النّور في وجوهنا وخيّم علينا غمٌّ وهمٌّ مستمرٌّ بسماع أخبارك المستجدّة الشائكة!.
أعلم أنّ وجود نا معا كالمساجين في البيوت لم يكن سيئا للغاية فقد أسرفنا في الانفلات من بيوتنا واعتدنا الخروج ورفاهية الحياة التي استطعت أن تجمّدها في غضون أيام وتوقف حراكها وكأننا في حصار... وباتت الناس تبالغ في شراء البضائع والاستحواذ على المنتجات وكأنّهم في حالة من السّعار يخشون الجوع في الأيام المقبلة... ظهرت أنانيتنا جليّة وكشفنا أنفسنا بوضع مصالحنا وأهميّتها فوق مصلحة الجميع!.
دعونا نمعن سويًّا فيما فعلت بنا ونستدعي كل ما هو إيجابي فحريٌّ بنا أنّنا لم نستطع أن نغلب الأرض ولم نملك زمامها وهذا يعني أنّ العالم لن ينتهي بعد وأنّ أمامنا سبيلا لنبذل ونعطي .
أولادنا الذين عادوا إلى البيت، وعودتنا للاجتماع على الوجبة المنزليّة الدافئة بعد أن تعفّفنا عن الأكلات الجاهزة والوجبات السّريعة التي أفسدت صحّتنا... ها نحن ذا نخبز من جديد ونصنع لهم الحلوى التي يحبّونها بأيدينا وصار البيت عامرا بأصواتنا وحديثنا المستمر وأصوات الصّراخ والضّجيج والضّحك، الأصوات المريحة التي تجعل لحياتنا طعماً .
عادت أسرنا إلى دفء عائلي، ولو فرض علينا بحذر تجوال، أنت من تسببت فيه وجبرنا عليه، فصرنا على قلب واحد حتى أبناء الحيّ والمدينة والدّولة، بل والعالم بأسره توحّد ولو على وجع ولم يحدث هذا من قبل أبدا!.
ربّما شاركت شبكات التّواصل هذه المرّة في توحيد المشاعر، وإن كانت سلبيّة أحياناً، فقط لنشعر أنّنا كيان واحد، وأنّ الأرض وحمايتها من فيروس يتفشّى هدف واحد نتفانى من أجله، وبدت كل الجهات في كل دولة على قدم وساق؛ إعلام وصحّة وشرطة وكلّ قطاعات الحكومة تواجه عدوّ يهدّد حياة أولادها فباتت تتفانى كلّ بقدر طاقته وعلمه... بات الأطبّاء جنود والجنود أطباء!
عزيزي كورونا لقد أثرت فينا ما لم يحركه أحد ولا شيء ولا بلاء... لقد أثرت آدميتنا وأشعرتنا بأنّنا حقا من طينة واحدة نتساوى متكاتفين متوحدين بوجع وخوف وسعي للبقاء، متعاطفين مع من حولنا من جيران، لأنّنا نواجه مصيرا واحدا، ومن ينتابه ذلك المصير سيجلبه لغيره... سيدي الحاكم كرونا نعلم أن عهدك لن يطول وأنّنا سنعود قريبا إلى حياتنا ولكننا حقاً ممتنون لك وممتنون لما أثرته فينا ومؤمنون بأنّك جنديّ مجنّد لهدف وغاية، حكم الله بك أن يقضي أمراً كان مفعولا!












03/18/2020 - 12:32 PM





Comments