بقلم: محمد زريق
يذكر التاريخ أنه عام 1914 عاش لبنان وشعبه مرحلة صعبة من المجاعة والويلات بسبب سياسة العثمانيين المتّبعة آنذاك، وقد أدّت سياسة التجويع إلى موت الكثير من خيرة رجال ونساء لبنان ومن لم يمت منهم إما فرّ إلى بلادٍ بعيدة مثل الأمريكيتين أو عاش حياة الذل والقسوة في بلاده. في تلك الحقبة السوداء من تاريخ لبنان كان الأديب اللبناني جبران خليل جبران يعيش في الولايات المتحدة الأميركية ولكن قلبه كان لا يزال تائهاً في لبنانه، وتعبيراً عن حزنه وآلامه كَتَبَ مقال "مات أهلي"، وهو نوع من الكتابة لإظهار مشاعر الغضب والحزن وعدم الراحة.
تلك هي بعض من الكلمات التي كتبها جبران في مقاله "مات أهلي جائعين، ومن لم يمت منهم جوعا فني بحدّ السيف، وأنا في هذه البلاد القصية أسير بين قوم فرحين مغبوطين يتناولون المآكل الشهية والمشارب الطيبة وينامون على الأسرّة الناعمة ويضحكون للأيام والأيام تضحك لهم. مات أهلي أذل ميتة، وأنا هاهنا أعيش في رغد وسلام وهذه هي المأساة المستتبة على مسرح نفسي. لو كنت جائعا بين أهلي الجائعين مضطهدا بين قومي المضطهدين لكانت الأيام أخف وطأة على صدري، والليالي أقل سوادا أمام عيني. لأن من يشارك أهله بالأسى والشدة يشعر بتلك التعزية العلوية التي يولدها الاستشهاد، بل يفتخر بنفسه لأنه يموت بريئا من الأبرياء".
ما أشبه الأمس باليوم وكأنه مشهد الجوع والذل هو قدرٌ محتمٌ على لبنان وشعبه، في العام 2019 وبعد مضي أكثر من مائة عام على المجاعة التي حلّت على لبنان وعلى الكتابات الحزينة التي أنتجها القلم الجبراني، نعود اليوم في عصر التكنولوجيا والقرية الكونية الصغيرة والحضارة والعلم والثقافة لنشهد مشهد مظلم يخيم على لبنان ويدمر حياة كل لبناني ولبنانية. الظلم واحد ونكهته واحدة لكن الظالم والجلاّد هذه المرة ليس العثماني إنما الحاكم اللبناني الظالم والجائر الذي لم يحكم بالعدل وما حكم بالعدل ولو لمرة، عوضاً عن سياسة التتريك يعيش لبنان ومنذ قيامته كجمهورية معترف بها دولياً سياسة الغني والاقطاعي الذي يستعبد الفقير ويذله، وسياسة السرقة والكذب والخداع والغش والنفاق وكل ما هو بشع ولا يرتبط بالانسانية والرحمة بصلة.
في العام 2019 يموت أهلي وأولاد بلدي على أبواب المستشفيات وأنا أشاركهم مأساتهم عن بعد مكتوف اليدين، في بلادي اليوم أناس لا تعرف معنى الانسانية أخذت ما تبقى من جيوب اللبناني وسرقت آخر لقمة له من فمه، أنا ها هنا في بلادٍ جعلت الانسان محور سياساتها واهتماماتها، لم ترضى بأن يطلق عليها اسم "الصين" فقط، نسبة إلى أول أسرة حكمت هذه البلاد منذ أكثر من 6000 عام، بل أضافت مصطلح "الشعبية" نسبة إلى الشعب المكافح والمجد الذي بنى هذه الدولة ولكن بالمقابل وبالرغم من كل ما يطلق من شائعات سلبية على سياسة الحكومة الصينية، الحق أقول أن هذه الدولة كرّمت العامل وأعطته حقه ولم تفرق بين كل من الحاكم والمحكوم فالكل سواسية أمام القانون هنا.
كما كافة الحكومات في الدول العربية عملت الحكومة اللبنانية على سياسة إبعاد الشباب اللبناني المبدع المخول إعادة إنتاج وطن يليق بتاريخه العريق وثقافته المتوسطية الرائعة. في وطني أناس أصابها مرض جنون العظمة والتعلق بالكرسي، ولو لم تكن هذه الكرسي بئراً يختزن الكثير من الكنوز والأموال لما كان هذا التعلق الشديد بها. في وطني أناس عمرها من عمر الحرب الاهلية اللبنانية ورائحتها رائحة الكره والبغض والعنصرية، قد جاء بها القدر ليضعها على مفاصل الدولة وفي الادارات العامة لحراسة مصالح من ولّى الناس رقابهم لهم.
نعتئر منك يا وطني لأننا جعلنا أرضك محروقة سوداء بعد أن كنت أخضرا وأجمل الاوطان، ولكن لا خوف على طن ذُكِرَ أرزه في الانجيل المقدس وأرزه كان وسيلة لصنع المعجزات، لا خوف على لبنان فمهما اشتدت المحن والمصاعب فإن الله لن يترك هذا الوطن الذي ينبت رجالا عظماء وغدا شمس الحرية ستشرق هذا ما عرفناه وعهدناه.
إن كل من عمل على تجويع الشعب اللبناني أو ساعد على صياغة سياسة الذل والعار مكانه المناسب والأكيد هو مزبلة التاريخ، فالتاريخ لا يرحم ولن ينصف كل زعيم أو رجل سياسي بنى امارته المالية بمال الشعب. التاريخ لا يرحم والله لن يترككم دون عقاب، والحكم سيصدر قريبا باسم الشعب اللبناني على أناس سرقوا وطناً جميلا وباعوه لدول شرقية وغربية ولم يكن انتمائهم يوماً للبنان.
رحل جبران خليل جبران وسنرحل نحن ولكن الوطن باقٍ، ومهما اشتدت الويلات لبنان هو الأقوى وسيكون دائما الوطن الأجمل بشعبه وأرضه ولكن لا بحكماه، لأن هكذا وطن لا يستحق هذه الحفنة من المسؤولين الذين استبدوا في الحكم. من بلاد مطلع الشمس إلى بلاد الحضارة والشمس والنور تحية، ما بعد الصبر سوى الفرج والفرج قريب جداً وغداً أجمل. عندما توحّد الساحة كافة أطياف المجتمع اللبناني من مختلف المذاهب والتوجهات فهذا يعني أن شيئا كبيرا سيحدث، وهذا الحدث العظيم هو ولادة وطن وقيامة لبنان.
* محمد زريق؛ مرشح للدكتوراه في Central China Normal University وعضو اتحاد الكتّاب والصحفيين العرب أصدقاء الصين، مهتم في سياسة الصين الخارجية تجاه المنطقة العربية مع تركيز خاص على مبادرة الحزام والطريق، لديه العديد من الكتابات والمنشورات.













10/27/2019 - 07:13 AM





Comments