فؤاد الصباغ
مما لا شك فيه تعتبر التعاسة والمأساة الحقيقية التي تعيشها أغلب الشعوب العربية حاليا بعد ما يسمي "بالخريف العربي" كارثية بشتي المقاييس، لأن المصطلح الغربي "للربيع العربي" ينطبق فقط علي بعض الأشخاص المستفيدة فقط من غنائم تلك الفوضي العارمة من إعتصامات وكوارث تخريبية في أغلب الدول العربية. إن المصدر الرئيسي للخراب الأعظم يتمثل بالتحديد في الفكر "السلجوقي العثماني الإسلامي" الرجعي والإستعماري والطامع في العودة لمستعمراته السابقة في عهد إمبراطوريته الفاشلة تحت شعار سلجوقي جديد يعرف "بالخلافة الإسلامية".
كما أنه للآسف إنجرفت مع ذلك الفكر المقيت دولة خليجية أخري تمتلك من الأموال والثروات الهائلة ما يكفي لتسخرها في دعم تلك المجموعات الإرهابية التخريبية الرافعة لراية الإسلام والإسلام بعيدا عنها كل البعد. إن الفكر الإيديولوجي "السلجوقي التركي" كان هو السبب الرئيسي في خراب مجمل الدول التي شهدت ثورات تطالب "بالتشغيل وتحسين ظروف العيش"، إلا أنه تبين أنها مطامع نهب وتدجيل على تلك الشعوب المفقرة بطبعها والتي خرجت غاضبة صارخة نقمة علي وضعها التعيس والذي هو تحت درجة الصفر من الفقر لتستفيد من ثوراتها مجموعات إرهابية تدعي نشرها للشريعة والخلافة الإسلامية والديمقراطية.
فتركيا السلجوقية الإسلامية تمثل اليوم سرطان خطير ينخر الأمة العربية من الخليج إلي المغرب بحيث ساهمت في دعم الإخوان المسلمين الإرهابيين في مصر وكذلك ثبوت تورطها بالدعم المالي لبعض المجموعات الإرهابية العالمية الرافعة لراية الإسلام وذلك بالتنسيق مع دولة قطر الإرهابية والتي فرض عليها في هذا السياق حصار خليجي مستحق من قبل المملكة العربية السعودية حامية الإسلام والمسلمين وخادمة الحرمين الشريفين وقبلة المؤمنين من جميع دول العالم. إن الأعمال المخزية التي تقوم بها الدولة السلجوقية الإسلامية بالتعاون والتنسيق مع دولة قطر وربما مع الحرس الثوري الإيراني المثير للفتن والكوارث في منطقة الشرق الأوسط ساهمت في مجملها في عدم إستقرار المنطقة برمتها وخربت البلدان العربية كلها علي بكرة أبيها.
كذلك نذكر بقرار طرد السفير الإسرائيلي مؤخرا من الدولة السلجوقية أو بالأحرى الإمبراطورية العثمانية الإسلامية السابقة وهي دولة تركيا العظمي حاليا تحت قيادة "الرجب الطيب الأردوغان" بحيث تذكرنا بماضي نفوذ الباب العالي للإمبراطورية العثمانية سابقا والذي مازال يحلم بتلك القوة في التحدي وطرد السفراء والخطابات الرنانة من وعد ووعيد وتهديد وتصعيد ضد الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي.
فذاك القرار الصادر من الحكومة التركية يعد إهانة كبري لدولة إسرائيل التي تعتبر نفسها أنها دولة لا تقهر بحيث أن تركيا تبين أنه مازال لها نفوذها في إمبراطوريتها العثمانية السابقة وهي الآن تعتبر الأقوي في المنطقة علي جميع الدول بما فيهم إسرائيل الساعية لتحقيق تفوقها علي جميع دول المنطقة.
إلا أن تلك المعاملة لم تكن الأولي علي نسق تلك الطريقة السلجوقية الإسلامية، فللعودة إلي الماضي وذكريات حكم السلطان عبد الحميد الثاني للإمبراطورية العثمانية، وقعت أيضا حادثة تأزم علاقات دبلوماسية مع بريطانيا العظمي بسبب طريقة التعامل الدبلوماسي التركي مع الأجانب.
إذ آنذاك قام السلطان عبد الحميد الثاني بصفع القنصل العام الإنجليزي وتمزيق أوراق مشروع إقتصادي بريطاني مع تركيا ثم إلقائها علي وجهه بطريقة مهينة ومذلة وذلك يعد دليل واضح في نفس يعقوب علي مخططات السلاجقة من خلال زرعها حاليا لعملاء إخوانجية لها في إمبراطوريتها السابقة لتحاول بذلك إسترجاع مجدها السلجوقي العثماني من بوابة "الخلافة الإسلامية الإخوانية".
إن تلك التصرفات الرذيلة التي تقوم بها تركيا حاليا تعد تطورا خطيرا في العلاقات الدولية وذلك من أجل بسط نفوذها السياسي الإسلامي مجددا عبر إتخاذ قرارات صارمة ضد إسرائيل أو الدول الحرة من أهمها الولايات المتحدة الأمريكية زعيمة العالم الحر. كما نلاحظ في معظم خطابات ذلك "الرجب الطيب الأردوغان" حنينه للماضي السلجوقي وحكم الدولة العثمانية، حتي أنه أحيانا يفتخر بأنه سلجوقي عثماني ويستمع إلي أناشيد "الله أكبر" للعسكر العثماني والأهم من كل ذلك رفعه للأذان في المسجد التركي الأزرق بصوت عالي جدا وذلك في العديد من المرات بحيث يثبت تورطه المباشر في دعم الإخوان المسلمين في مصر والتي مصنفة منظمات إرهابية دولية. كما أنه بكي عندما إنقلب إبن مصر البار عبد الفتاح السيسي علي ذلك الإسلام السياسي الراغب في الخلافة ونشر العدوي في جميع الدول العربية من الخليج إلي المغرب.
إذ من المعروف أن النهضة الإسلامية التركية التي إنطلقت بالأساس مع إجتياح الدولة السلجوقية جنوب شرق آسيا خاصة منها أندونيسيا والفليبين وإلي دول شمال إفريقيا لتطمح بالعود مجددا بعد تلك الثورات التخريبية في تلك الدول. فتنامي تلك الرغبة لدي الجمهورية التركية لإعادة إحياء ماضي الأمبراطورية العثمانية والقرارات الردعية والقوية تجاه الدول الغربية تبين بالكاشف مدي الدكتاتورية العثمانية الذي ينطوي تحت غلاف الديمقراطية الإسلامية التي في مجملها تعد تخريبية.
كما أن للإخوان المسلمين دور مهم في توطيد تلك العلاقة التركية - العربية حتي أن بعض دول ما يسمي بالربيع العربي الإسلامي خلال الفترة الممتدة من سنة 2011 إلي 2013 أعلنت البيعة للخلافة الإسلامية بقيادة السلجوقي العثماني "الرجب الطيب الأردوغان" والولاء المطلق لحكمه العثماني الإسلامي ودخوله في بيت طاعته وتنفيذ أوامره بالزحف علي الدول المجاورة. فتلك الأحداث الكارثية تذكرنا اليوم بالماضي الإستعماري السياسي والإقتصادي الأليم والغزوالفكري التركي للدول العربية التي تعتبر ضحية لذلك التسمم الفكري العثماني الإسلامي نذكر منها بالتحديد بعض الدول العربية التي مازالت تعاني من إصابتها بالسرطان السلجوقي.
وكلنا نتذكر حكم الباب العالي وكيف كانت تدار الأمور من القيادة المركزية العثمانية، من حكم فؤاد باشا في مصر إلي حمودة باشا وخير الدين باشا في تونس وغيرهم من المواليين للحكم العثماني في المنطقة العربية. إن النفوذ التركي حاليا في المنطقة العربية شمل شتي القطاعات الخدماتية، الثقافية والدينية وخاصة منها الإقتصادية والسياسية. فخلال الفترة التي تعرف بالربيع الإسلامي الكبير في المنطقة العربية، والوصول الإخواني للسلطة مثل حكم الإخواني محمد مرسي العياط لمصر وتغلل الإسلاميين في الحكم في ليبيا وتنصب الحكم الإسلامي في تونس وحكم عبد الإله بن كيران في المغرب بحيث إزداد نشاط حزب العدالة والتنمية التركية كمرجعية فكرية إخوانية في المنطقة العربية.
كل تلك العوامل ساهمت في ضخ الدماء في شريان الإمبراطورية العثمانية الإسلامية ليصبح لها شأن سياسي وقرار دولي مسموع. كما أن أحداث الإنقلاب العسكري التي جرت في مصر سنة 2013 ضد حكم الأخوان إعتبرته دولة تركيا الإسلامية يوم أسود وطعنة خنجر في ظهر الأمة الإسلامية، حيث بكي طويلا "الطيب الأردوغان" بعد الإنقلاب في مصر لأنه خسر دولة من إمبراطوريته وخلافته الإسلامية التي يحلم بتأسيسها في المنطقة العربية. إن النفوذ السلجوقي التركي يتلخص بالأساس في تحالفها مع دولة قطر وإيران وذلك بدعم الحكم الإسلام السياسي في جميع الدول العربية من أجل الرجوع إلي ذكريات الهيمنة العثمانية الإسلامية.
بالتالي في خضم ذلك الصراع الإيديولوجي في منطقة الشرق الأوسط خاصة منها الحرب في سوريا وإعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل كشفت تركيا عن قناعها الإسلامي الحقيقي ونواياها المبيتة تجاه الرغبة في السيطرة علي المنطقة العربية وتحويلها إلي إمبراطورية عثمانية إسلامية ثانية تحت خلافتها الإخوانية في كل دولة عربية وإعلانها المبايعة والدخول في بيت طاعتها لتنفيذ أوامرها. فبالعودة لقرار طرد السفير الإسرائيلي من أنقرة مؤخرا وبالتحديد في مطلع سنة 2019 لم يأتي من فراغ بل جاء متعمدا قصد إذلال دولة إسرائيل والدوس علي رقبتها والقول للعالم أن الإمبراطورية العثمانية الإسلامية مازالت تحكم في الدول العربية الإسلامية عبر الإسلام السياسي المتعفن فكريا الذي تروج له حاليا.
أما الرد من الجانب الإسرائيلي بطرد القنصل العام كان محدودا، إلا أن بقية الدول العربية لم تحرك ساكنا وكأنها في مجملها في سبات عميق وتنتظر في عدوي الديمقراطية التي يطبخها حاليا ذاك "الرجب الطيب الأردغان" في بعض الدول لتكون موازية لتك الثورات وذلك من أجل العودة مجددا للخلافة الإسلامية. فهنا علي دول مجلس التعاون الخليجي ومصر الإنتباه جيدا لأن هناك "عدوي" ستشملهم قريبا مثل تلك الثورات تماما، فالديمقراطية التهريجية المصطنعة إنطلقت بالفعل بحيث برز ذلك العميل المدعو "محمد علي" من خلال تحريك الشارع المصري مستفيدا بذلك من تلك الديمقراطية الوهمية في بعض الدول العربية الأخري والتي يقف علي تسييرها ذلك السلجوقي العثماني الإسلامي في أنقرة.
* كاتب تونسي و باحث اقتصادي.













09/27/2019 - 11:49 AM





Comments