بقلم: محمد زريق
في الشرع الديني والاجتماعي والفلسفي والانساني كل فعل يمكن أن يكون مقبولا أو أن يُصفح عنه لاحقا إلا فعل التلوّن والابتعاد عن طريق الحق من أجل مكسب دنيوي مادي أو معنوي. لقد شدد الله كثيرا في كتبه المقدسة على مسألة النطق بالحق وعدم الابتعاد عن هذا الطريق، فقد جاء في سورة الاسراء "وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا"، أما في الانجيل المقدس فقد جاء "تَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ".
ربما للحرية علاقة ترابط بالحق والحقيقة والجهر بالحقيقة، فكل ثورة عاقلة وناجحة بدأت بالكلمة وانتهت بكلمات حق وعدل لتمحو ما سلف وتعيد بناء واقع جديد. لقد أردت افتتاح مقالتي هذه بسور من الانجيل والقرآن، أولا لأن الشريحة المستهدفة هي "المجتمع اللبناني بشكل عام"، وثانيا لشدة تأثر المجتمع اللبناني بالعامل الديني. وهنا أستذكر واحدا من أشهر الأقوال للثائر والمحرر نيلسون مانديلا عندما قال "اذا تكلمت مع شخص ما بلغة يفهمها فان كلماتك تصل لدماغه، ولكن اذا تكلم الشخص بلغتك الام فان كلماته تصل الى قلبك". مما لا شك فيه أن الشعب اللبناني يفهم لغة العلم والعقل والارقام بشكل جيد ولكنها لن تغير به شيئاً إذا وصلت إليه، أما لغة الدين والماورائيات فهي بكل تأكيد اللغة التي يحبذها والتي يمكن أن نشبهها باللغة الأم.
إذاً نحن هنا أمام شعب قادر على أن يدمج ما بين لغة العقل ولغة الدين ولكنه يحبذ لغة الدين، وبالعودة إلى النصوص الدينية فهي لا تتنافى أبدا مع لغة العقل في الكثير من الأحوال. فالنصوص الدينية قد تحدثت عن بعض الظواهر الطبيعية والعوامل البشرية التي قد توصّل العلم إليها مؤخرا ونجح في إثباتها. المشكلة الحقيقية هي في أن تتشبث بلغة واحدة ولكن لا تتقنها أو تجيدها، ومن قال أن اللغة الدينية تتوقف على ما قدمته لك مجموعتك أو قبيلتك من معارف ومعلومات، فكل ما أنت على دراية به هي السطور الأولية من فصل كامل ومن أراد إجادة هذه اللغة عليه الاطلاع على كافة الفصول والتدقيق بمحتوياتها، بعدها وبشكل تلقائي سوف تكون قادرا على الدمج ما بين لغة الدين ولغة العقل.
مجموعة قليلة جدا من الرجالات كانت قادرة على بناء وطن وعلى وضع أساسات متينة له، ولكن للأسف هكذا أنواع من الشخصيات كانت مرفوضة لأنها استطاعت التحرر من الغطاء الديني الصرف وأصبحت قادرة على الحديث بلغة العقل والدين وعلى الجمع ما بين جميع مكونات المجتمع اللبناني باسم الوطن والمواطنية. من أراد ابعاد السيد موسى الصدر لم يهتم كثيرا لزيه الديني أو للكنته، إنما كان خائفا من صورة رجل دين مسلم صوته يصدح في الكنائس ويخاطب اللبنانيين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والسياسية. وإنّ من قال "جايي أطلب منكم تقولو الحقيقة قد ما كانت صعبة تكون"، فقد كان مصيره الاغتيال والابعاد عن الساحة الوطنية، فالرئيس بشير الجميّل لم يكن رئيسا تقليديا، ذنبه أنه كان رئيسا ثائرا وهذا النوع من الشخصيات غير مقبول به في وطننا، بالرغم من أنه كان قائدا للذراع العسكري للجبهة الوطنية اللبنانية وإبن بيت ماروني، إلا أن ظروف الحرب التي جلبت الكثير من القوى المجاورة إلى أرض الوطن دفعته إلى أخذ هذا الموقف، ولكن بعد انتهاء الحرب طلب من جميع الاحزاب والميلشيات تسليم سلاحها الى الجيش اللبناني وبخطاب وطني جامع طلب من كل اللبنانيين العمل يدا بيد لبناء لبنان الوطن العصري، لبنان 10452 كلم2، هذا اللبنان كان مصيره الدفن وهو حي. إن من أراد اغتيال الرئيس رفيق الحريري لم يكن يهمه كثيرا أنه ينتمي إلى الطائفة السنية، ولكن الهم الأكبر كان ثورة الحياة التي قام بها هذا الرجل بإعادة إعمار ما هدمته الحرب والعمل على صياغة اتفاق الطائف الذي أدخل لبنان في مرحلة جديدة وهو أيضا الرجل الذي لم يخلق له عداوة ولكنه بالتأكيد قد قال كلمة الحق ورحل. والمعلم كمال جنبلاط الذي استطاع من خلال فكره وفلسفته وعقيدته الوطنية أن يتخطى مرحلة الزعيم الدرزي إلى أن أصبح زعيم وطني قادرا على أن يتحدث باسم اللبنانيين وأن يطرح أفكارهم وهواجسهم على العلن دون خوف أو مواربة.
رحلت الأسود وبقيت الذئاب التي تعيش اليوم على جيفة الماضي وعلى أماجد بعيدة كل البعد عن أفكارها وطموحتها الحالية. إنّ لبنان الذي وصل إلى مرحلة من التاريخ يدعى "سويسرا الشرق"، هو اليوم ليس سوى مزبلة للطائفيين والذين ينتهجون الفكر التقسيمي والحزبي والمناطقي، فما بين الماضي واليوم سنوات ضوئية من الرجوع إلى الوراء. إن جميع شعوب المعمورة قد تقدمت إلى الأمام مع مرور الزمن إلا في لبنان فالرجوع هو دائم ولا مكان للتقدم. إن الافكار التي كانت مطروحة بشكل واقعي وجدي لبناء وطن حضاري وعصري اصبحت اليوم مجرد أحلام لا مجال لتطبيقها على أرض الواقع، ربما لأن كل مجموعة لديها انتماء كلّي إلى دول خارجية بحجج الدين أو الأمن القومي أو ربما المصالح الاقتصادية. فكيف يمكن بناء وطن إذا كانت عقيدة "الوطن" غير موجودة في قاموس بعض الفئات؟ وكيف يمكن الحديث عن التقدم وكل ما أراه اليوم يدل على الجاهلية والرجعية؟
إنّ ما يربطني اليوم بوطني هي عائلتي الصغيرة ليس إلا، وهذه هي الأفكار التي أصبحت مقتنعا بها بشكل كلّي. في الماضي الغابر قد كانت لدي بعض الغيرة على هذا الوطن والحماسة لأكون ممن سوف يساهم بنهضته وإصلاحه وإعادته إلى السكة الصحيحة، ولكن كلما تقدم العمر وكلما انفتح عقلي العلمي وتعرفت أكثر على فصول دينية جديدة، أصبح مقتنعا أكثر أن من يعيش على أرض هذا الوطن هي مجموعة من الأناس التي تلبستها العقد الدينية والحزبية والمناطقية، فاللبناني قادر على الموت من الجوع ليبقى زعيمه متخم.
إنّ وطن الآلهة التي سكنت العروش ولن تزول عنها إلى يوم يبعثون، هو نفسه الوطن الذي يعاني من وضع بشع قد أدى إلى تفشي الكثير من الأوبئة والأمراض الفتّاكة مثل مرض العضال، وقد تمّ تصنيف لبنان بإحصاء لمنظمة الصحة العالمية على أنه من أكثر الدول تلوثا والمؤشرات لمرض العضال خطيرة جدا وتدل على أنه ينتشر بسرعة، ومن أهم أسبابه تلوث نهر الليطاني والأكل الملوث. عامل آخر هو غياب التنظيم الادراي اي أن الدولة قائمة على المحسوبيات والتنفيعات الشخصية، انطلاقا من علاقاتي الشخصية يمكنني القيام بلائحة طويلة لمن تولى مناصب بسبب المحسوبيات الشخصية والحزبية.
إن لبنان الذي تحدث عنه ميشال شيحا لا يشبه لبنان الحالي بشيء، وكل شخص طائفي أعمى أو يفكر من منطلق مناطقي أو عشائري أو حزبي هو كافر بشرع الله لأن الوطنية من الايمان، والله لا يريد أن نهلك أنفسنا وأوطاننا بأيدينا.
* محمد زريق؛ مرشح للدكتوراه في Central China Normal University، مهتم في سياسة الصين الخارجية تجاه المنطقة العربية مع تركيز خاص على مبادرة الحزام والطريق، لديه العديد من الكتابات والمنشورات.













09/18/2019 - 11:36 AM





Comments