بعد علي الطاهر.. كاتس يلوّح بـ«درع إسرائيل» والجيش اللبناني أمام اختبار الجنوب
الجنوب بين «المنطقة الأمنية» الإسرائيلية ورحيل اليونيفيل.. من يملأ الفراغ؟
من علي الطاهر إلى كفرتبنيت والمنصوري.. إسرائيل توسّع قواعد الاشتباك والجنوب في مهبّ التصعيد
«درع إسرائيل» في لبنان.. هل يتحول الأمن المؤقت إلى احتلال دائم؟
علي الطاهر ليس النهاية.. إسرائيل تقضم والجيش اللبناني أمام أصعب اختبار
بعد تفجير علي الطاهر.. معركة الجنوب تنتقل من التلال إلى رسم الحدود
الجنوب أمام مفترق خطير: إسرائيل تثبّت «منطقة أمنية» واليونيفيل تستعد للرحيل
الجنوب اللبناني – بيروت تايمز – منى حسن
لم يطوِ تفجير مرتفعات علي الطاهر صفحة التصعيد في جنوب لبنان، بل فتح مرحلة أكثر حساسية، بعدما انتقلت إسرائيل من الحديث عن عمليات عسكرية تستهدف بنى تحتية تابعة لـ«حزب الله» إلى الإعلان عن رؤية أمنية تتضمن تثبيت مناطق أمنية داخل الأراضي اللبنانية. وفي أحدث التصريحات، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إنه سيواصل قيادة خطة «درع إسرائيل»، بالتنسيق مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والجيش الإسرائيلي، لحماية الحدود والبلدات في الشمال والجنوب من خلال «مناطق أمنية قوية خلف الحدود خالية من السكان والبنى التحتية».
وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من العملية الإسرائيلية الواسعة في مرتفعات علي الطاهر، حيث أعلنت إسرائيل تدمير شبكة أنفاق ومنشآت تحت الأرض، قبل أن تتحدث عن استعدادها لمنع أي عودة إلى المنطقة. وأفادت تقارير بأن الشبكة التي استهدفتها العملية امتدت لمسافة كيلومترات وكانت تضم منشآت عسكرية ومخازن أسلحة.
من علي الطاهر إلى «المنطقة الأمنية»
اللافت في التطورات الأخيرة أن الخطاب الإسرائيلي لم يعد يقتصر على تدمير مواقع محددة، بل يتحدث عن واقع أمني وجغرافي جديد. وكان كاتس قد أعلن أن مرتفعات علي الطاهر أصبحت جزءاً مما تسميه إسرائيل «المنطقة الأمنية»، مهدداً بمنع أي جهة من إعادة التموضع فيها. كما تحدث عن استعداد الجيش الإسرائيلي للسيطرة على المرتفعات.
وهنا تبرز المخاوف اللبنانية من أن تتحول العمليات العسكرية، التي تقدمها إسرائيل باعتبارها إجراءات أمنية مؤقتة، إلى واقع ميداني دائم، خصوصاً إذا استمرت عمليات التجريف والتفجير وتدمير المنشآت والمنازل في عدد من القرى الجنوبية. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بما إذا كانت إسرائيل قد انسحبت من نقطة أو تلة بعد تنفيذ عملية عسكرية، بل بما إذا كانت ستحتفظ بقدرة عسكرية ونارية تسمح لها بالتحكم بمساحات واسعة من الجنوب.
كفرتبنيت تحت النار.. والأهالي أمام مشهد جديد
وفي تطور ميداني لافت، أفادت تقارير بأن مجموعة من الشبان توجهت باتجاه دوار كفرتبنيت، قبل أن تطلق القوات الإسرائيلية قذائف في محيطهم، ما دفعهم إلى العودة، فيما تدخل الجيش اللبناني لمنع المركبات والدراجات من مواصلة التقدم باتجاه النبطية الفوقا حفاظاً على سلامة الأهالي. ولم ترد تقارير عن وقوع إصابات في الحادثة. كما أفادت تقارير ميدانية عن استمرار القصف الإسرائيلي على محاور في محيط كفرتبنيت، بالتزامن مع تصعيد متواصل في منطقة النبطية.
وتأتي هذه التطورات بعد سلسلة من الضربات الإسرائيلية التي طالت النبطية الفوقا وكفرتبنيت ومناطق محيطة بعلي الطاهر والدبشة وزوطر الشرقية، في وقت يتواصل فيه النشاط العسكري الإسرائيلي في الجنوب.
المنصوري.. القضم ينتقل إلى القطاع الغربي ولا يقتصر التصعيد على محور النبطية.
ففي القطاع الغربي، تتواصل العمليات الإسرائيلية في محيط المنصوري جنوب صور، حيث أفادت تقارير عن عمليات هدم وتجريف وتدمير لمنشآت، في وقت سبق أن تعرضت البلدة لقصف وتفجيرات إسرائيلية.
اما سكان المنصوري النازحين باتوا يشاهدون عمليات تدمير لمنازل ومنشآت في بلدتهم، فيما طال الاستهداف المدرسة الرسمية في البلدة. وهذا التطور يضيف بعداً جديداً للمشهد: فالتصعيد لا يجري فقط على التلال والمواقع العسكرية، بل يطال أيضاً البنية المدنية في قرى يريد أهلها العودة إليها.
مصدر دبلوماسي لـ «بيروت تايمز»: الجيش أمام الاختبار الأصعب
في قراءة للمشهد، قال مصدر دبلوماسي لـ«بيروت تايمز» إن الجيش اللبناني أثبت خلال المرحلة الماضية أنه «عنصر محوري في حماية الاستقرار»، رغم محدودية الإمكانات والظروف الميدانية والسياسية المعقدة. ويشير المصدر إلى أن التحدي المقبل لا يتعلق فقط بقدرة الجيش على الانتشار، وإنما بامتلاكه الإمكانات اللوجستية والاستخبارية والعسكرية التي تسمح له بفرض حضور الدولة وحماية السكان ومنع تحول المناطق المتنازع عليها إلى وقائع أمنية دائمة. وبحسب القراءة العسكرية، فإن أي توسع في انتشار الجيش يحتاج إلى قرار سياسي واضح ودعم دولي، بالتوازي مع معالجة مسألة الوجود الإسرائيلي والضمانات الأمنية على الحدود.
ما بعد اليونيفيل.. السؤال الذي يقترب موعده ويزداد هذا الملف حساسية مع اقتراب نهاية ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل». فمجلس الأمن قرر أن يكون تمديد ولاية اليونيفيل حتى 31 كانون الأول 2026 هو التمديد الأخير، على أن يبدأ بعد ذلك انسحاب منظم وآمن خلال عام، بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية، بهدف أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الأساسية المسؤولة عن الأمن في جنوب لبنان. وهذا يعني أن لبنان يقترب من مرحلة انتقالية بالغة الحساسية. فإذا تزامن تقليص الوجود الدولي مع استمرار العمليات الإسرائيلية وغياب ترتيبات نهائية للانسحاب، فإن السؤال سيصبح أكثر إلحاحاً:
هل يستطيع الجيش اللبناني ملء الفراغ؟ أم أن إسرائيل ستستغل المرحلة الانتقالية لتثبيت واقع أمني جديد؟
الأمم المتحدة نفسها تعمل على خيارات تتعلق بمرحلة ما بعد اليونيفيل، بما في ذلك إمكان استمرار بعض وظائف المراقبة والرصد والتنسيق ودعم الجيش اللبناني، وهو ما يعكس إدراكاً دولياً لحساسية مرحلة ما بعد 2026.
هل تتحول «المنطقة الأمنية» إلى أمر واقع؟
هنا تكمن العقدة الأساسية.
فإسرائيل تقول إن هدفها منع إعادة بناء قدرات «حزب الله» قرب حدودها، بينما يرى لبنان أن أي وجود عسكري إسرائيلي داخل أراضيه يمس سيادته ويعقّد مهمة الدولة والجيش. وبين الموقفين، تتحول الجغرافيا الجنوبية إلى عنصر أساسي في أي تفاوض مقبل.
فكل تلة يتم تثبيت الوجود فيها، وكل طريق يتم إغلاقه، وكل منزل يتم تدميره، وكل منطقة يجري إفراغها من سكانها، يمكن أن يتحول إلى ورقة في معركة التفاوض على شكل الحدود والترتيبات الأمنية المقبلة. ومن هنا، فإن الخطر لا يكمن فقط في استمرار القصف، بل في تحويل نتائج القصف إلى وقائع جغرافية وسياسية يصعب التراجع عنها لاحقاً.
زيارة عون إلى النبطية.. الدولة في مواجهة الفراغ
في مواجهة هذا المشهد، جاءت زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون المفاجئة إلى النبطية برفقة قائد الجيش وقادة الأجهزة الأمنية، لتؤكد حضور الدولة في منطقة تعيش على وقع التصعيد.
زيارة عون لم تكن بروتوكولية في توقيتها أو مضمونها، إذ جاءت في أعقاب التطورات في علي الطاهر، وفي وقت يزداد فيه القلق لدى الأهالي من اتساع العمليات الإسرائيلية. وقد حملت الزيارة رسالة مباشرة إلى الجنوبيين بأن الدولة تريد أن تكون موجودة في المنطقة، وأن الجيش والأجهزة الأمنية سيكونون جزءاً أساسياً من أي ترتيبات مقبلة.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية مضاعفة، لأن عودة الدولة إلى الجنوب لا يمكن أن تكون مجرد انتشار رمزي، بل تحتاج إلى قدرة فعلية على حماية السكان وفتح الطرق وتأمين العودة وإعادة الإعمار.
من علي الطاهر إلى ما بعد اليونيفيل، المشهد إذاً يتجاوز تفجير علي الطاهر.
إسرائيل تقول إنها تريد إقامة منطقة أمنية قوية، وتعلن مواصلة عملياتها ضد البنى التحتية التي تعتبرها تهديداً، بينما يشهد الجنوب عمليات قصف وتجريف وتدمير في أكثر من محور، من النبطية وكفرتبنيت إلى المنصوري ومناطق أخرى. وفي المقابل، يقف لبنان أمام استحقاق مزدوج: إعادة تثبيت سلطة الدولة على الأرض، والاستعداد لمرحلة ما بعد اليونيفيل.
أما الجيش اللبناني، فيبدو أمام الاختبار الأصعب منذ سنوات: كيف ينتشر في أرض شديدة التعقيد، ويحمي الأهالي، ويمنع الفراغ، فيما تبقى القوات الإسرائيلية داخل أو قرب مناطق لبنانية، ويستمر الخلاف السياسي حول ترتيبات الأمن والانسحاب؟
الجنوب أمام معركة تثبيت الدولة
لذلك، فإن السؤال الحقيقي بعد علي الطاهر لم يعد فقط: ماذا دُمّر في التلة؟
هل تستطيع إسرائيل تحويل عملياتها العسكرية إلى منطقة أمنية دائمة؟
هل ينجح لبنان في منع تثبيت هذا الواقع؟
وهل يستطيع الجيش اللبناني أن يكون القوة الأساسية التي تستعيد الدولة من خلالها حضورها في الجنوب؟
وما إذا كان المجتمع الدولي سيتمكن من إنتاج صيغة انتقالية تمنع الفراغ بعد انتهاء ولاية اليونيفيل؟
المرحلة المقبلة قد تكون أخطر من مرحلة التفجيرات نفسها، لأن المعركة لن تكون فقط على الأنفاق والتلال، بل على شكل الجنوب وحدود الدولة ودورها والسيادة اللبنانية.
فإذا كان تفجير علي الطاهر قد دمّر شبكة تحت الأرض، فإن المعركة الأكبر تبقى فوق الأرض: من يرسم خريطة الجنوب الجديدة، ومن يضمن أن لا يتحول «الأمن المؤقت» إلى واقع دائم؟ وهنا تحديداً سيكون اختبار الدولة اللبنانية، والجيش، والمجتمع الدولي، في مواجهة واحدة.













09/14/2026 - 17:19 PM





Comments