عندما يصبح المعلم مرآة لانهيار المجتمع

09/10/2026 - 18:23 PM

Arab American Target

 

 

 رشيد ج. مينا

«قُم للمعلّم وفّه التبجيلا كاد المعلّم أن يكون رسولًا»

استوقفتني اليوم صورة تحرك مطلبي للأساتذة. لم تكن المطالب بحد ذاتها هي ما استوقفني، على أحقيتها وأهميتها، ولا سيما والعام الدراسي على الأبواب، بل استوقفني الأساتذة أنفسهم؛ مظهر بعضهم، ثيابهم المتواضعة، التعب البادي عليهم، وطريقة حركتهم ووقوفهم وهم يطالبون بما يفترض أصلًا أن يكون من أبسط حقوقهم.

لم أنظر إليهم منتقدًا مظهرهم، بل شعرت أنني أنظر إلى مرآة حقيقية لواقعنا وما وصلنا إليه.

هؤلاء هم المعلمون. الذين كنا نردد في وصفهم أنهم يكادون يكونون رسلًا. هؤلاء الذين يفترض أن يحملوا واحدة من أسمى الرسالات في المجتمع، لأن التعليم ليس وظيفة كسائر الوظائف، ولا المدرسة مجرد مكان يتلقى فيه الطفل بعض المعلومات ويحصل في نهايته على شهادة.

في المدرسة تتشكل شخصية الإنسان. وهناك يتعلم الطفل، إلى جانب القراءة والكتابة والعلوم، معنى النظام والمسؤولية، واحترام الآخر، والعمل الجماعي، والمواطنة، وحب الوطن، والثقافة التشاركية، وقيمة العلم، والعمل والتطور. والمعلم هو أحد أهم من يحملون مسؤولية زرع هذه القيم في الأجيال والناشئة.

لكن السؤال المؤلم هو: كيف نطلب من المعلم أن يؤدي هذه الرسالة، بينما جعلناه هو نفسه يبحث عن أبسط شروط الحياة الكريمة؟

كيف نطالبه بأن يكون قدوة في السلوك والمظهر والثقافة والعلم والانتماء، بينما أضعفنا مكانته الاجتماعية، وأفقرناه اقتصاديًا، وجعلناه يقف مطالبًا بفتات حقوقه، ينتظر قرارًا أو منحة أو مساعدة أو زيادة لا يعرف متى تأتي ولا كم ستبقى قيمتها أمام الغلاء؟

كيف نطلب منه أن يحدث تلامذته عن كرامة المواطن، إذا كان يشعر كل يوم أن كرامته المهنية والاجتماعية مهددة؟

وكيف نطلب منه أن يزرع فيهم الثقة بالدولة، إذا كانت الدولة نفسها عاجزة عن ضمان حياة كريمة لمن أوكلت إليهم صناعة أجيالها؟

المسألة إذن ليست راتب معلم فقط. إنها قضية دولة ومجتمع ومستقبل. فعندما يضعف المعلم، لا يخسر المعلم وحده. تخسر المدرسة، ويتراجع مستوى التعليم، وتضعف هيبة المعرفة، ويصبح أصحاب الكفاءات أكثر ميلًا إلى الهجرة أو البحث عن أعمال أخرى، ويدخل إلى المهنة من لم يكن ليختارها لو كانت للمجتمع والدولة رؤية حقيقية لمكانة التعليم.

وهكذا تبدأ دائرة خطيرة: يضعف التعليم، فيضعف الوعي، ويضعف الوعي فتتراجع المواطنة، ومع تراجع المواطنة يزداد الارتهان للطائفة والزعيم والواسطة والمصلحة الفردية، ثم نتساءل بعد سنوات لماذا لا نستطيع بناء دولة.

إن ما شاهدته اليوم ليس أمرًا عابرًا، ولا مجرد صورة من تحرك نقابي سيمر بعد انتهاء المطالب أو التوصل إلى تسوية.

لقد رأيت فيه نافذة صغيرة أطللت من خلالها على حجم المأزق الذي وصلنا إليه وخطورته.

فنحن نتحدث كثيرًا عن إصلاح الدولة، وعن مكافحة الفساد، وعن بناء الاقتصاد، وعن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومواكبة العالم، لكننا نتناسى أحيانًا أن كل ذلك يبدأ من مكان أكثر بساطة وأهمية: المدرسة.

ولا يمكن أن تكون لدينا مدرسة قوية بمعلم مكسور. ولا يمكن أن نبني جيلًا واثقًا بمعلم يعيش القلق على قوت يومه ومستقبل أسرته.

ولا يمكن أن نطالب بالتربية على المواطنة بينما من يحمل هذه الرسالة يشعر أن دولته تخلت عنه.

إن احترام المعلم لا يكون بقصيدة نحفظها ونرددها في المناسبات، ولا بعبارة «رسالة التعليم» بينما نترك حامل الرسالة عاجزًا عن تأمين متطلبات حياته. احترامه الحقيقي أن نستعيد له مكانته وكرامته واستقراره المادي والمهني، وأن يصبح التعليم في مقدمة أولويات الدولة، لا بندًا مؤجلًا في موازنتها. فالاستثمار في المعلم ليس إنفاقًا على موظف.

إنه استثمار في الإنسان الذي سيصنع الطبيب والمهندس والقاضي والعامل والباحث ورجل الأعمال والمسؤول والمواطن. وعندما نصل إلى مرحلة يصبح فيها المعلم نفسه شاهدًا على انهيار المكانة الاجتماعية التي يفترض أن يمثلها، فعلينا ألا نكتفي بالنظر إلى المشهد بحزن.

علينا أن نسأل أنفسنا بجدية: أي أجيال نريد أن نبني، إذا كنا قد تركنا من يبنيها يبحث أولًا عمّن يعيد إليه حقه وكرامته؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment