الخوري الدكتور نبيل مونس *
أقولها دون تراجع، ومع بعض التحفّظ: لقد أُعطي لنا الكثير لنُسهم في خلاص لبنان. غير أنّ القوى المرابطة خارج الحدود، وما هو أبعد من الحدود، ما زالت حتى هذه الساعة تقطع الدروب والجسور، الحديدية منها والجوية، في وجه تحقيق التحرير الكامل للسيادة والحرية والعدل.
فالعدل معلّق، والدستور مغيَّب، والشيطان حاضر في كل التفاصيل، في الداخل والخارج.
لقد أصبحتُ شخصيًا في المقلب الثاني، ولربما الأخير، لكنني ما زلت أحلم بلبنان الرسالة منتصرًا؛ لبنان الحق والجمال والسيادة؛ لبنان البطولة والقداسة والسلام؛ لبنان الذي يكبر ولا يصغر؛ لبنان الـ10,451 كيلومترًا مربعًا، الذي نريده أن يُرسم ويُطبع بخواتم المجد إلى الأبد، بعدما خُتم بالدم الأحمر، دم أبنائه الأبرياء.
وأقترب اليوم من ذكرى رسامتي الكهنوتية التي أُرجئت إلى 16 أيلول، لأن ذكرى اغتيال بشير الجميل وقعت في 14 أيلول. وقد تمّت رسامتنا سنة 1985. كنا عشرة شبان من كلية اللاهوت الحبرية، وكلّنا عشنا الحرب ومآسيها. حوّلت تلك الحرب رسالتنا إلى جرح دائم ينزف في قلوبنا يوميًا. لم نعرف الهدوء ولا الأمل الكامل حتى اليوم.
ومع ذلك، ورغم المعاناة، أصبحنا جميعًا سياديين بالكلمة المقدسة وبالروح، لأننا ذقنا العلقم وحملنا صليب لبنان في الروح والجسد، حيثما حللنا. وباختصار، لأننا تعبنا من دون أن نفقد الأمل، أحب أن أرسل رسالة رجاء.
أولًا: لنخرج من القواعد السياسية القديمة، فالإنسان القديم كان وما زال ألعوبة في يد إبليس.
لنتحرّر من الانتقام، ومن خدعة "العين بالعين والسن بالسن"، ومن المسيرات التي لا تقود إلا إلى مزيد من الانقسام. لنتّحد، ولنصبر، ولنصلِّ. لنسامح. ولنخرج إلى ساحات اللقاء، ولنمزّق بأيدينا كل البُنى والسرديات القاتلة، ولا سيما الوشايات والشكاوى لدى "الباب العالي" في الأستانة، أو في زمننا في عنجر ودمشق، أو في أي غرفة سوداء تحيط بلبنان، في الداخل أو الخارج.
أمام هذا القلق الوجودي، أعود إلى القلب الإلهي، إلى ذلك القلب الكبير الذي ينبض في العالم دومًا بدم نقي، دم الفداء، دم القديسين الأبرياء والشهداء الأبطال.
كفانا عرائض ضد بعضنا البعض. فهذه ليست قيادة، ولا حتى سياسة؛ هذا انتحار. أن نطعن بعضنا من الخلف، بينما يضرب الوقحون في الصدر والرأس، بالرصاصة وبالكلمة، ظانّين أنهم الغالبون.
قالها يسوع المسيح، وهو الحق: "الأوّلون يصيرون آخرين، والآخرون يصيرون أوّلين".
وقد أرسلت لنا السماء مؤخرًا بطلًا من أبطال الروح والوطن، ليرفع عيوننا إلى الحق، وهو المسيح، وإلى الحقيقة، وهي محبة الوطن. وهذه هي أولوياتنا اليوم وغدًا.
أبو لبنان الكبير، الطوباوي البطريرك إلياس الحويك، حورب من كل الدول، ورُفعت ضده شكاوى لا تُحصى من الخارج والداخل، لكنه صمد وأسهم في خلاص لبنان وجعله كبيرًا. فلنثق بخيار القديسين.
فالضعف إنساني، والقتل شيطاني، والتقسيم بين الشعوب والأديان والدول هو من شهوة السيطرة: "فرّق تسُد"؛ ومن حسد العين الفارغة، والكبرياء الأعمى، وحب الذات الذي يضع نفسه فوق كل محبة، حتى يصل إلى الطعن في وجود الله.
أيها الأحباء، لنسمع ولنقرأ: الرجاء الجديد، لبنان، آتٍ. فلنصبر، لأن من يصبر إلى المنتهى يخلص.
* الخوري الدكتور نبيل مونس هو كاهن ماروني لبناني، لاهوتي وباحث في الفكر الديني، ومؤسس اللجنة اللاهوتية للسلام في لبنان. يشغل منصب راعي كنيسة سيدة لبنان المارونية في ولاية أوكلاهوما – الولايات المتحدة، ويُعدّ من الأصوات الروحية التي تجمع بين الرسالة الكهنوتية والعمل الفكري والإنساني.












09/07/2026 - 01:33 AM





Comments