منذ توقيع اتفاق القاهرة إلى اليوم: ماذا حلّ بجنوب لبنان؟

09/02/2026 - 21:16 PM

San diego

 

 

بقلم الاستاذ طوني ابو جمرة 

لفهم ما جرى ويجري في جنوب لبنان، لا يكفي التوقف عند نصوص الاتفاقات، بل يجب النظر إلى ما حدث فعلياً على الأرض، كما عاشه أهل الجنوب وشهدوا نتائجه.

في عام 1969، وُقّع اتفاق القاهرة بين الدولة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية. وبغض النظر عن بنوده المتعلقة " بالسيادة اللبنانية " ، فإن التطبيق الفعلي أدى إلى توسع الوجود الفلسطيني المسلح وتحول أجزاء كبيرة من الجنوب إلى مناطق نفوذ للفصائل الفلسطينية، بينما انحسرت فعلياً قدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها.

وأصبح الجنوب أمام معادلة خطيرة: عمليات مسلحة تنطلق من الأراضي اللبنانية باتجاه إسرائيل، ورد إسرائيلي يستهدف مصادر إطلاق النار، فيما كانت القرى والسكان اللبنانيون يتحملون نتائج هذه المواجهة. وكانت منطقة العرقوب ومحيطها من أبرز المناطق التي عانت من هذا الواقع، مع ما رافقه من نزوح ودمار واضطراب ومعاناة . 

لكن بعض القرى الحدودية رفضت أن تتحول إلى قواعد عسكرية فلسطينية، فوجد سكانها أنفسهم مضطرين إلى الدفاع عن أرضهم بأنفسهم، في وقت كانت فيه الدولة اللبنانية وجيشها يمران بمرحلة من الانهيار والانقسام. من هنا نشأت القوة التي عُرفت أولاً باسم جيش لبنان الحر، ثم تطورت إلى جيش لبنان الجنوبي.

جيش لبنان الجنوبي ودوره في حماية الحدود

لا يمكن إنكار العلاقة العسكرية والأمنية الوثيقة التي ربطت جيش لبنان الجنوبي بإسرائيل، كما لا يمكن تجاهل أن هذه القوة كانت مؤلفة في الوقت نفسه من لبنانيين جنوبيين من كافة الطوائف، هبوا للدفاع عن وجودهم في ظروف استثنائية ، وتمركزوا في القرى الحدودية لمواجهة الفصائل الفلسطينية ومنعها من استباحة قراهم ، وبعد عملية سلامة الجليل التي قام بها الجيش الاسرائيلي في العام ١٩٨٢  ودحر منظمة التحرير ومشتقاتها إلى خارج لبنان  ، وبعد ذلك وبفعل زواج الثورة الايرانية على المصالح السورية ولد حزب الله وسرعان ما عاد الجنوب إلى مواجهة الحزب الايراني الذي حل مكان المنظمات الفلسطينية تلبيةً لمصالح اسياده وهدافهم " الاسترتيجية " . 

لكن أهمية جيش لبنان الجنوبي في نظر كثير من أبناء تلك المرحلة، لا تُخْتَصر بعلاقته بإسرائيل؛ بل تكمن أيضاً في الدور الذي أداه  على ارض الواقع . فوجوده حال دون ترك المنطقة الحدودية بالكامل أمام التنظيمات الفلسطينية المسلحة، وحال دون تحول القرى اللبنانية إلى قواعد مفتوحة تنطلق منها العمليات العسكرية باتجاه إسرائيل. وهنا تبرز مسألة أساسية في قراءة تاريخ تلك المرحلة:

لو أصبحت الحدود اللبنانية بكاملها قاعدة فلسطينية مفتوحة، مع استمرار العمليات المسلحة ضد إسرائيل، فمن المنطقي افتراض أن خطر التوغل والاحتلال الإسرائيلي المباشر كان سيصبح أكبر، خصوصاً أن تاريخ المنطقة أظهر أن إسرائيل لجأت في حروبها مع مصر وسوريا والأردن إلى السيطرة على مساحات من أراضي الدول المجاورة عندما اعتبرت أن التهديد العسكري يتطلب ذلك ، ولكن وجود جيش لبنان الجنوبي شكّل حاجزاً محلياً بين القرى اللبنانية والتنظيمات الفلسطينية المسلحة، وساهم في إبقاء المنطقة خارج سيناريو الاحتلال الإسرائيلي المباشر والشامل الذي كان يمكن أن تفرضه ظروف الحرب بين الجانبين . 

وهذه زاوية لا تحظى بما يكفي من الاهتمام في الرواية السياسية عن الجنوب ، لا بل ان هذه الحقيقة غُيِبَت وأسدلت عليها الستارة والتعتيم الإعلامي ونكران الدولة اللبنانية لحقيقة ما جرى بسبب خضوعها للهيمنة المزدوجة السورية - الإيرانية لعقود من الزمن . 

فبدلاً من النظر إلى جيش لبنان الجنوبي فقط باعتباره قوة مرتبطة بإسرائيل، ينبغي أيضاً فهم الظروف التي أدت إلى ظهوره والدور الذي أداه بالنسبة إلى القرى التي كانت تحت حمايته. ولنحو خمسة وعشرين عاماً، بقيت أجزاء من الحدود الجنوبية مرتبطة بوجود هذه القوة، إلى أن جاء الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، فانكفأ الجنوبي قسراً ، وغادر بعض عناصره وعائلاتهم إلى إسرائيل، بينما بقي آخرون في لبنان وخضعوا للتنكيل وللمحاكمات الظالمة السياسية الطابع والانتقامية الاهداف . 

ماذا حدث بعد عام 2000؟

بعد الانسحاب، أصبح حزب الله القوة العسكرية الرئيسية في معظم المنطقة الحدودية، في ظل استمرار ضعف الدولة اللبنانية وعدم امتلاكها القرار العسكري الكامل في الجنوب. وهكذا انتقلت المنطقة من مرحلة إلى أخرى، ومن قوة مسلحة إلى قوة أخرى، بينما بقيت المشكلة الأساسية: غياب الدولة عن احتكار القرار العسكري على حدودها.

في الماضي، كان الجنوب ساحة للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. وبعد ذلك أصبح جزءاً من صراع أوسع يرتبط بالمواجهة بين إسرائيل وإيران، مع وجود حزب الله كقوة عسكرية أساسية على الحدود. والثمن، في الحالتين، دفعه أهل الجنوب.

ففي السنوات الأخيرة تعرضت قرى حدودية كثيرة لدمار واسع وخسائر بشرية فادحة ونزوح وأضرار اقتصادية وزراعية واجتماعية هائلة ومؤلمة. وهنا لا بد من التمييز بين القضية الفلسطينية وبين استخدام الأراضي اللبنانية كساحة عسكرية، كما ينبغي التمييز بين المقاومة وبين حق الدولة اللبنانية في أن تكون صاحبة القرار الوحيد في الحرب والسلم.

الجنوب ليس ساحة لأحد

القرية الحدودية ليست مجرد موقع عسكري. إنها عائلات وبيوت وحقول وكنائس ومساجد ومدارس وذاكرة متوارثة. وعندما يتكرر النزوح والدمار جيلاً بعد جيل، تصبح المشكلة أكبر من نتائج حرب عابرة؛ إنها تهديد لاستمرار الحياة نفسها في تلك القرى.

كلما غابت الدولة عن حدودها، دخل الآخرون إليها.

دخل الفلسطينيون عندما ضعفت سلطة الدولة، ثم دخلت إسرائيل عسكرياً في مراحل مختلفة، وبعد عام 2000 ترسخ نفوذ حزب الله، وبقي الجنوب يدفع ثمن الصراع الإقليمي.

لقد تغيّرت القوى والرايات، لكن القرى بقيت في مواجهة النتيجة نفسها: أرض لبنانية تتحول إلى ساحة لصراعات تتجاوز قرار أهلها ودولتهم.

لذلك فإن استعادة الجنوب لا تكون باستبدال قوة مسلحة بأخرى، ولا بوصاية خارجية جديدة، بل بعودة السيادة اللبنانية الكاملة، بحيث يكون الجيش اللبناني هو القوة العسكرية الشرعية الوحيدة، وتكون الدولة وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم.

الجنوب هو جزء من لبنان. وحق أهله أن يعيشوا فيه بأمان، وأن تبقى قراهم عامرة، وأن تكون حياتهم وامنهم  بحماية دولتهم، وتحت العلم اللبناني وحده .

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment