مقال تحليلي واخباري من اعداد الصحفي ضياء الدين مرزقي
مقدمة: من أزمة نووية إلى أزمة ممرات
لم تعد الأزمة الإيرانية–الأمريكية تُدار داخل غرفة تفاوض حول قيود التخصيب وحدها. فمع انقضاء مهلة الستين يوماً التي نصّ عليها التفاهم المؤقت بين واشنطن وطهران، انتقل مركز الثقل إلى مضيق هرمز، حيث تتقاطع حسابات الأمن القومي مع حركة الطاقة والتجارة العالمية. ويشير أحدث تقدير لمجلس الأمن إلى أن الخيار الأكثر فاعلية ما زال اتفاقاً سياسياً ينهي الصراع المسلح ويعالج الملف النووي مقابل رفع العقوبات، لكن الوقائع الأخيرة تُظهر أن المسافة بين هذا الخيار وبين الواقع الميداني اتسعت [1].
في 29 أغسطس، أعلنت وكالة أسوشيتد برس أن القوات الأمريكية ضربت منصات إطلاق صواريخ إيرانية قرب مضيق هرمز، في أول عمل عسكري أمريكي معلن ضد إيران منذ نحو شهر. ووفق التقرير نفسه، جاء ذلك بعد فترة هدوء نسبي في حرب متقطعة مستمرة منذ أكثر من ستة أشهر، فيما كانت آخر ضربة أمريكية مؤكدة في 29 يوليو [2]. هذه العودة إلى الضربات لا تعني بالضرورة انهياراً فورياً للدبلوماسية، لكنها ترفع كلفة الخطأ الحسابي وتحوّل كل حادث بحري إلى اختبار لمصداقية الردع لدى الطرفين.
المهلة التي انتهت من دون تسوية
كان يفترض أن تفتح مهلة الستين يوماً مساراً نحو تفاهم أوسع يقيّد البرنامج النووي الإيراني ويخفف الضغوط الاقتصادية. إلا أن انتهاء المهلة في 17 أغسطس، لم ينتج اتفاقاً نهائياً. وتفيد تغطية بي بي سي عربي بأن واشنطن وطهران لم تكونا أقرب إلى تسوية، بل دخلتا مرحلة أكثر توتراً؛ إذ تزامن تعثر الانتقال من التفاهمات الأولية إلى اتفاق نووي مع تصاعد الخلاف حول حرية الملاحة وترتيبات مضيق هرمز [3].
وتكمن المشكلة في أن الطرفين يقرآن المهلة بلغة مختلفة. فواشنطن تريد تحويل التزام إيران بعدم تطوير سلاح نووي إلى منظومة قابلة للتحقق، مرتبطة بقيود تشغيلية على التخصيب والصواريخ وشبكات الالتفاف على العقوبات. أما طهران فتتعامل مع أي تخفيف للعقوبات باعتباره جزءاً من المقابل السياسي والاقتصادي، لا مكافأة مؤجلة بعد تنفيذ جميع المطالب الأمريكية. وبين القراءتين، أصبحت عُمان وسيطاً حرجاً، لكن دورها نفسه تعرض لضغوط علنية بحسب ما أوردته بي بي سي نقلاً عن تقارير أمريكية ورويترز [3].
العامل النووي: أرقام كبيرة، وشفافية أقل
تكشف أحدث البيانات المتاحة عن مفارقة جوهرية: حجم المواد النووية المخصبة معروف تقديرياً، لكن موقعها ووضعها التشغيلي بعد الضربات ليسا واضحين بالقدر نفسه. فقد أوردت خدمة أبحاث الكونغرس، في تحديثها الصادر في 13 يوليو 2026، تقديراً لمخزون إيراني يبلغ 184.1 كيلوغراماً من سادس فلوريد اليورانيوم المخصب إلى ما يصل إلى 20%، و440.9 كيلوغراماً مخصباً إلى ما يصل إلى 60% [4]. ولا تعني هذه الأرقام تلقائياً امتلاك سلاح نووي؛ إذ يتطلب إنتاج سلاح قابل للاستخدام مراحل إضافية تشمل تحويل المادة، والتصميم، والتفجير، ووسائل الإيصال.
لكن دلالة الرقم الثاني سياسية واستراتيجية قبل أن تكون حسابية. فمستوى تخصيب 60% أعلى بكثير من احتياجات الوقود المدني المعتادة، ويقلل زمن الانتقال النظري إلى مستويات أعلى إذا اتُّخذ قرار بذلك. وفي الوقت نفسه، يؤكد تقرير CRS أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية سحبت مفتشيها بعد الضربات الجوية الأمريكية–الإسرائيلية في يونيو 2025، وأن أثر ضربات 2026 في البنية التحتية وقدرة إيران على إنتاج سلاح نووي ما زال غير واضح [4].
وهنا تظهر أخطر فجوة في الأزمة: الغموض لا يساوي دليلاً على وجود سلاح، لكنه يرفع مخاطر سوء التقدير. فكلما تراجعت قدرة المفتشين على التحقق من الكمية والموقع والتركيب الكيميائي، زادت احتمالات أن تبني واشنطن قراراتها على أسوأ السيناريوهات، وأن تبني طهران ردودها على افتراض أن واشنطن تسعى إلى تغيير النظام لا إلى منع الانتشار فقط.
رسم 1: تقديرات مخزون UF6 المخصب كما أوردتها خدمة أبحاث الكونغرس في 13 يوليو 2026. الرسم لا يثبت وجود برنامج تسليحي، بل يوضح حجم المادة محل النزاع.
هرمز: من ورقة ضغط إلى بنية تحتية للأزمة
يمنح مضيق هرمز إيران قدرة ضغط لا توفرها الجغرافيا النووية وحدها. ووفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بلغ متوسط تدفقات النفط عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يومياً في عام 2024، فيما مثّلت التدفقات خلال 2024 والربع الأول من 2025 أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً [5]. وتكمن حساسية الرقم في أن المضيق ليس مجرد ممر لإمدادات إيران، بل قناة رئيسية لصادرات دول خليجية عدة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
أي اضطراب طويل في المضيق سيخلق صدمة في التأمين والشحن وأسعار النفط قبل أن يتحول بالضرورة إلى نقص مادي كامل. فالأسواق تسعّر المخاطر مقدماً، وشركات النقل قد تتجنب المنطقة حتى مع بقاء الممر مفتوحاً رسمياً. وفي المقابل، تستطيع الولايات المتحدة استخدام التفوق البحري لحماية بعض خطوط الملاحة، لكن ذلك يضعها أمام معادلة صعبة: حماية المرور من دون توسيع الحرب إلى مواجهة مباشرة أوسع مع إيران.
رسم 2: مؤشّران منفصلان لأهمية المضيق؛ لا ينبغي جمعهما حسابياً، لأن الأول يقيس الحجم اليومي والثاني يقيس الحصة من تجارة النفط البحرية.
العقوبات: خنق اقتصادي مع قنوات إنسانية هشة
على المسار الاقتصادي، لا تبدو واشنطن في طريقها إلى تخفيف الضغط. وتُظهر صفحة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأمريكية أن واشنطن أصدرت في 24 أغسطس 2026 تنبيهاً بشأن مخاطر العقوبات المرتبطة بالمطالب الإيرانية لفرض رسوم أو شروط على المرور في مضيق هرمز، كما نشرت في اليوم نفسه إشعاراً بتعليق بعض التراخيص العامة المتعلقة بالمعاملات الإيرانية [6]. وتأتي هذه الإجراءات فوق منظومة طويلة من العقوبات تستهدف قطاعات النفط والتمويل والشحن والطيران والتكنولوجيا.
اقتصادياً، تعمل العقوبات عبر ثلاث حلقات مترابطة: تقليص قدرة إيران على تحويل صادرات الطاقة إلى عملة صعبة، رفع كلفة الشحن والتأمين، وإجبار الشركات الأجنبية على الاختيار بين السوق الأمريكية والتعامل مع إيران. لكن سياسة الخنق تحمل حدوداً واضحة. فهي قد تدفع طهران إلى توسيع اقتصاد الظل واستخدام أساطيل وشبكات مالية أكثر تعقيداً، كما قد تقلص مساحة الوسطاء القادرين على نقل رسائل التهدئة.
ولا ينبغي الخلط بين العقوبات المالية وبين توقف الاقتصاد الإيراني بالكامل. فالدولة تستطيع إعادة توجيه جزء من تجارتها، وبيع النفط بخصومات، واستخدام قنوات غير مباشرة، لكن كل هذه البدائل تؤدي عادةً إلى خسارة في الإيرادات وزيادة في تكاليف المعاملات. لذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت العقوبات تؤلم، بل ما إذا كان الألم الاقتصادي ينتج تنازلاً تفاوضياً أم يزيد حافز التصعيد.
الردع المتبادل وحدود القوة
تملك الولايات المتحدة قدرة أكبر على توجيه ضربات بعيدة المدى وحماية الملاحة، بينما تملك إيران قدرة على رفع كلفة الحرب عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة والضغط على السفن والبنية التحتية الإقليمية. هذا التوزيع غير المتكافئ للقوة لا يصنع نصراً سهلاً لأي طرف. فالضربة الأمريكية قد تعطل منشأة أو منصة إطلاق، لكنها لا تضمن إزالة المعرفة والقدرة الصناعية. والرد الإيراني قد يرفع كلفة واشنطن وحلفائها، لكنه يهدد بخسارة ما تبقى من قنوات التفاوض.
من هذه الزاوية، تبدو الضربات الأخيرة أقرب إلى رسائل ردع منها إلى حملة حسم نهائي. تريد واشنطن إثبات أن حصارها أو ترتيباتها البحرية قابلة للإنفاذ، فيما تريد طهران إظهار أن إغلاق المجال أمامها اقتصادياً سيجعل الملاحة نفسها مكلفة. غير أن الردع يفشل عندما لا يستطيع الطرفان قراءة خطوط الطرف الآخر الحمراء؛ ولذلك فإن أخطر مسار ليس قراراً معلناً بالحرب، بل حادثاً محدوداً يتبعه رد أكبر من المتوقع.
ثلاث مسارات محتملة
المسار الأول هو عودة تفاوضية ضيقة تبدأ بترتيبات بحرية مؤقتة، ثم تنتقل إلى آلية تحقق نووي محدودة، قبل بحث تخفيف تدريجي للعقوبات. هذا المسار هو الأقل كلفة للجميع، لكنه يتطلب تنازلات متزامنة لا وعوداً مؤجلة.
المسار الثاني هو تصعيد مضبوط تبقى فيه الضربات محدودة، مع استمرار قنوات الوساطة العُمانية أو غيرها. هذا السيناريو يمنح الطرفين وقتاً، لكنه يستهلك هامش الأمان؛ فكل جولة جديدة تزيد احتمال سقوط ضحايا أو إصابة منشأة حساسة أو توسع نطاق الرد.
المسار الثالث هو انزلاق إقليمي يبدأ من هرمز، ثم يمتد إلى منشآت الطاقة أو قواعد أمريكية أو أطراف حليفة. وفي هذه الحالة، لن تعود القضية مجرد تفاوض على النووي، بل أزمة أمن إقليمي ذات أثر مباشر في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
خاتمة: معادلة الخروج قبل معادلة الانتصار
تدخل الأزمة الإيرانية–الأمريكية سبتمبر 2026 وهي محكومة بمعادلة متناقضة: كل طرف يملك أدوات كافية لإيذاء الآخر، ولا يملك وحده قدرة مضمونة على فرض نهاية مستقرة. الأرقام النووية تمنح واشنطن ذريعة للضغط، وأرقام هرمز تمنح إيران ورقة تعطيل، والعقوبات تضعف الاقتصاد لكنها لا تلغي القدرة على الرد.
لذلك فإن المخرج الأكثر واقعية ليس اتفاقاً شاملاً فورياً، بل حزمة خطوات متبادلة وقابلة للقياس: وقف استهداف الملاحة، إنشاء قناة اتصال عسكرية لتفادي الحوادث، استعادة حد أدنى من وصول المفتشين، ثم ربط أي تخفيف للعقوبات بتنفيذ نووي يمكن التحقق منه. أما استمرار الجمع بين الضربات والعقوبات والغموض النووي، فسيجعل الأزمة أكثر قابلية للاشتعال وأقل قابلية للحل.
المراجع
[1] Security Council Report، Iran: September 2026 Monthly Forecast.
[2] Associated Press، US forces strike Iranian rocket launchers on the Strait of Hormuz، 29 أغسطس 2026.
[3] BBC News عربي، بعد انتهاء مهلة التفاهم: هل تتفاوض واشنطن وطهران مجدداً أم تنزلقان نحو التصعيد؟، 18 أغسطس 2026.
[4] Congressional Research Service، Iran and Nuclear Weapons Production، IF12106، تحديث 13 يوليو 2026.
[5] U.S. Energy Information Administration، Amid regional conflict, the Strait of Hormuz remains critical، 16 يونيو 2025، وWorld Oil Transit Chokepoints، تحديث 3 مارس 2026.
[6] U.S. Treasury — Office of Foreign Assets Control، Iran Sanctions، إشعارات أغسطس 2026.












09/02/2026 - 01:00 AM





Comments