اليونيفيل في الجنوب: كيف عاشت الأنفاق تحت عيون الأمم المتحدة؟

08/30/2026 - 17:35 PM

Jonathan Amireh

 

 

قوة دولية تراقب الجنوب منذ عقود… فكيف لم ترَ دولةً عسكرية تحت الأرض؟

 

بقلم: فرنسوا الجردي

القرار 1701 لم يكن غامضاً

القرار 1701 لم يقل إن على اليونيفيل أن تكتفي بمراقبة ما يحدث أمامها.

لقد نص بوضوح على مساعدة الجيش اللبناني في إقامة منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي أفراد مسلحين أو أسلحة أو معدات عسكرية، باستثناء ما يعود للحكومة اللبنانية أو لليونيفيل.

كما منح القوة صلاحية اتخاذ الإجراءات الضرورية، ضمن قدراتها ومنطقة انتشارها، للتأكد من أن منطقة عملياتها لا تُستخدم في أعمال عدائية. والأهم أن مجلس الأمن، في قراره 2790 عام 2025، عاد وأكد ضرورة الاستفادة من قواعد الاشتباك القائمة، وذكر صراحة العمليات الهادفة إلى اكتشاف الأنفاق ومخازن الأسلحة.

إذن، لا يمكن القول إن موضوع الأنفاق كان خارج مفهوم المهمة. بل إن مجلس الأمن نفسه وضعه ضمن صلب العمل المطلوب من اليونيفيل.

المشكلة ليست فقط: «لماذا لم تكتشف؟»

المشكلة الأعمق هي: ماذا كانت اليونيفيل تعرف؟ ومتى عرفته؟ وماذا فعلت عندما كانت تشك بوجود نشاط عسكري؟ فالوثائق الأممية نفسها لا تسمح لنا بقول إن اليونيفيل لم تكن تعرف شيئاً.

على العكس.

تقارير الأمم المتحدة تحدثت بصورة متكررة عن وجود أسلحة خارج سلطة الدولة وعن خروقات للقرار 1701، كما تحدثت عن قيود على حرية حركة اليونيفيل ومنعها من الوصول إلى مواقع ذات أهمية. وفي عام 2024، أبلغ الأمين العام مجلس الأمن بأن اليونيفيل لم تكن قادرة على مراقبة بعض المواقع ذات الأهمية بصورة منهجية بعد 8 تشرين الأول 2023، وأنها واجهت قيوداً على حرية الحركة والوصول إلى مواقع طلبت التحقيق فيها.

وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً: إذا كانت هناك مواقع مشبوهة، وإذا كانت هناك قيود على الوصول إليها، فلماذا لم تتحول تلك القيود بحد ذاتها إلى أزمة دولية كبرى قبل أن تتراكم المشكلة؟

«أرض خاصة»… هل يمكن أن تصبح السيادة الخاصة أقوى من القرار الدولي؟ من أكثر المسائل التي تحتاج إلى تفسير موضوعي قضية الوصول إلى الأراضي الخاصة.

تقارير الأمم المتحدة سجلت بالفعل أن اليونيفيل واجهت حالات منع أو قيود على الوصول إلى مناطق اعتُبرت ملكيات خاصة، وأنها لم تحصل على وصول كامل إلى عدد من المواقع التي اعتبرتها ذات أهمية. كما سجلت تقارير أخرى أن بعض المواقع المرتبطة بما يسمى «أخضر بلا حدود» لم تكن متاحة أمام اليونيفيل بالشكل المطلوب.

وهنا تبرز مفارقة خطيرة: إذا كان تحت أرض خاصة نفق عسكري أو مخزن أسلحة أو منشأة تستخدم لأعمال عدائية، فهل تبقى المسألة مجرد «ملكية خاصة»؟ منطقياً، لا. لأن القرار 1701 لا يتحدث عن حماية الملكيات الخاصة على حساب الأمن الدولي، بل عن إقامة منطقة خالية من السلاح غير الشرعي. لكن في التطبيق، يبدو أن هناك فجوة كبيرة بين النص وبين القدرة على الوصول والتنفيذ. وهذه الفجوة هي التي سمحت، على ما يبدو، بتراكم المشكلة.

اليونيفيل كانت تبلغ… لكنها لم تكن تمنع وهنا يجب أن نكون منصفين. القول إن اليونيفيل لم تبلغ الأمم المتحدة إطلاقاً عن سلاح حزب الله غير دقيق.

فالتقارير الدورية للأمين العام تضمنت على مدى سنوات إشارات واضحة إلى استمرار وجود الأسلحة خارج سلطة الدولة، واعتبرت الأمم المتحدة استمرار احتفاظ حزب الله بالسلاح خارج سيطرة الدولة انتهاكاً خطيراً للقرار 1701، كما أن اليونيفيل نفسها تقول إن مهمتها تشمل رصد الخروقات وإبلاغ الجهات المعنية.

إذن المشكلة ليست أن الأمم المتحدة لم تكن تعلم أن هناك سلاحاً.

المشكلة هي: هل كانت تعرف حجم المنظومة؟ وهل استطاعت الوصول إلى بنيتها التحتية؟ وهل امتلكت الأدوات السياسية والعسكرية الكافية لتحويل المعرفة إلى تفكيك؟ وهنا يبدو أن الجواب كان سلبياً.

اكتشاف مئات مخازن الأسلحة بعد الحرب… السؤال يصبح أكثر قسوة

في الفترة التي أعقبت وقف إطلاق النار في أواخر عام 2024، تمكنت اليونيفيل، بالتعاون مع الجيش اللبناني أو بصورة مستقلة، من اكتشاف أعداد كبيرة من مخازن الأسلحة المنسوبة إلى حزب الله. وبحسب تقرير أممي ناقش تطبيق القرار 1701، تم اكتشاف 194 مخزن أسلحة يُعتقد أنها تعود إلى حزب الله خلال فترة التقرير، إضافة إلى ستة مخازن يُعتقد أنها تعود إلى الجيش الإسرائيلي.

وهذا الرقم لا يحتاج إلى مبالغة. بل يحتاج إلى سؤال واحد: إذا كانت هذه المخازن موجودة قبل الحرب، فلماذا لم تكن تُكتشف بهذا الحجم قبل الحرب؟

هل تغيرت قدرات اليونيفيل فجأة؟

هل تغيرت قواعد عملها؟

هل أصبح الجيش اللبناني أكثر قدرة على الوصول؟

أم أن الحرب كشفت ما كان موجوداً طوال سنوات ولكن لم يكن بالإمكان الوصول إليه أو التعامل معه؟

هذه أسئلة مشروعة، ويحق للبنانيين قبل غيرهم الحصول على إجابات واضحة عنها.

أما الأنفاق… فهنا تقع العقدة الكبرى،  الأنفاق ليست بندقية مخبأة في منزل.

النفق العسكري يحتاج إلى هندسة وحفر وإزالة أتربة وتهوية وكهرباء ومداخل ومخارج وتجهيزات وتحصينات وأحياناً غرف قيادة وتخزين.

إنشاء منظومة أنفاق واسعة ليس عملاً يحدث في ليلة واحدة.

إنه مشروع طويل الأمد. ولهذا فإن السؤال المتعلق باليونيفيل لا يمكن أن يكون: «لماذا لم ترَ كل نفق؟»

فهذا سؤال غير واقعي.

السؤال الصحيح هو: «كيف لم تتحول مؤشرات النشاط الهندسي والعسكري واللوجستي الممتد لسنوات إلى ملف مراقبة وتحقيق دولي أكثر جدية؟» وهنا تحديداً يجب فتح تحقيق مهني، لا إطلاق الشعارات.

هل كان هناك تقاعس؟

إذا استخدمنا كلمة «تقاعس» بمعناها السياسي والمؤسساتي، فهناك أسباب قوية لمساءلة أداء اليونيفيل.

فالمهمة كانت موجودة.

والانتشار كان موجوداً.

والتقارير كانت موجودة.

والقرار الدولي كان موجوداً.

ومع ذلك، تمكن حزب الله من الاحتفاظ بترسانة عسكرية كبيرة وبنية تحتية عسكرية واسعة في الجنوب.

هذا يعني، في الحد الأدنى، أن منظومة المراقبة الدولية فشلت في تحقيق الهدف الذي كان يفترض أن تؤدي إليه.

لكن الفرق مهم جداً بين القول:

«اليونيفيل فشلت»

وبين القول:

«اليونيفيل كانت متواطئة مع حزب الله».

الأول يمكن مناقشته استناداً إلى الوقائع.

أما الثاني فيحتاج إلى أدلة مباشرة لا تتوافر في الوثائق التي يمكن الاستناد إليها.

وهل كان هناك غض نظر؟

هنا أيضاً يجب التفريق.

يمكن الحديث عن غض نظر مؤسساتي أو عجز أو تسويات عملية أو حدود في تفسير التفويض.

لكن لا يمكن الجزم بأن هناك قراراً سرياً من الأمم المتحدة بالتغاضي عن حزب الله.

والسبب أن الوثائق الأممية نفسها تُظهر أن اليونيفيل اشتكت مراراً من قيود الحركة والوصول، وأنها طالبت السلطات اللبنانية بتسهيل دخولها إلى المواقع التي تريد التحقيق فيها.

بل إن قرار 2790 نفسه طالب الحكومة اللبنانية بتعزيز التنسيق مع اليونيفيل وتسهيل وصولها الكامل والسريع إلى المواقع المطلوبة للتحقيق.

وهذا يقودنا إلى حقيقة أكثر تعقيداً:

ربما لم تكن المشكلة في اليونيفيل وحدها، بل في منظومة كاملة جعلت تطبيق القرار 1701 ناقصاً: حزب الله المسلح، ضعف قدرة الدولة، حساسيات الملكية الخاصة، القيود على حركة اليونيفيل، وغياب الإرادة السياسية الدولية لتحويل كل خرق إلى مواجهة.

حزب الله لم يكن يعمل في فراغ

من غير الواقعي أيضاً اختزال المشكلة في اليونيفيل.

حزب الله لم يكن قوة سرية مجهولة الهوية.

كان تنظيماً معروفاً، يمتلك وجوداً سياسياً واجتماعياً وعسكرياً واسعاً، وكانت الأمم المتحدة نفسها توثق منذ سنوات مسألة وجود السلاح خارج سلطة الدولة.

بل إن أحد التقارير الأممية وصف استمرار احتفاظ حزب الله بالسلاح خارج سيطرة الدولة بأنه انتهاك خطير ومستمر.

إذن كانت المشكلة معروفة.

لكن المجتمع الدولي تعامل معها في كثير من الأحيان كـ«خلاف سياسي لبناني» أكثر من كونها مشروعاً عسكرياً متكاملاً يتناقض مع جوهر القرار 1701.

وهذه ربما كانت أكبر ثغرة في المقاربة الدولية.

اليونيفيل: قوة حفظ سلام أم قوة تنفيذ؟

هنا أصل المشكلة.

اليونيفيل ليست جيشاً احتلالياً، وليست حكومة جنوب لبنان.

هي قوة حفظ سلام تعمل بموجب تفويض مجلس الأمن، وتحتاج إلى التعاون مع الدولة اللبنانية.

لكن القرار 1701 أعطاها صلاحيات أكبر من مجرد الجلوس في نقاط المراقبة.

وهذا يخلق تناقضاً دائماً:

كيف تستطيع قوة دولية أن تمنع استخدام منطقة ما في أعمال عدائية، إذا كانت لا تستطيع دخول بعض المواقع التي تشك بأنها تستخدم لأغراض عسكرية؟

هذا السؤال لا يخص اليونيفيل وحدها.

إنه يخص مجلس الأمن أيضاً.

ويخص الدولة اللبنانية.

ويخص الدول التي أرسلت جنودها إلى الجنوب.

ويخص المجتمع الدولي بأسره.

لا يمكن أن تكون اليونيفيل «شاهد زور» على القرار 1701

إذا كان القرار 1701 يعني فعلاً أن جنوب الليطاني يجب أن يكون خالياً من السلاح غير الشرعي، فلا يجوز أن يتحول وجود اليونيفيل إلى مجرد غطاء شكلي يوحي بأن القرار مطبق بينما الواقع مختلف.

فالقرارات الدولية لا تُقاس بعدد جنود حفظ السلام الموجودين على الأرض.

تُقاس بنتائجها.

وإذا كان السلاح موجوداً، والأنفاق موجودة، والمنشآت العسكرية موجودة، والتحركات العسكرية موجودة، بينما الدولة عاجزة عن فرض سلطتها، فالمشكلة ليست في عدد الآليات الدولية التي تجوب الطرقات.

المشكلة في غياب التنفيذ.

ولكن ماذا عن إسرائيل؟

العدالة في تقييم اليونيفيل تفرض ألا ننتقي الخروقات.

اليونيفيل والأمم المتحدة وثقتا أيضاً انتهاكات إسرائيلية، بما فيها انتهاكات المجال الجوي اللبناني، كما وثقتا بعد 2023 انتهاكات وعمليات عسكرية إسرائيلية وقيوداً تعرضت لها اليونيفيل من الجانب الإسرائيلي أيضاً.

لذلك فإن المطلوب ليس تحويل اليونيفيل إلى أداة اتهام لإسرائيل أو لحزب الله.

المطلوب هو شيء أبسط وأكثر جدية:

تطبيق القرار 1701 على الجميع.

لا سلاح خارج الدولة.

لا هجمات من لبنان.

لا توغلات داخل لبنان.

لا خروقات للخط الأزرق.

لا استخدام للجنوب كمنصة حرب.

ولا حصانة لأي طرف أمام القانون الدولي.

السؤال الذي يجب أن يُطرح الآن

اليوم، ومع اقتراب نهاية ولاية اليونيفيل الحالية في نهاية عام 2026 وبدء الانسحاب خلال 2027، لا يجوز أن يرحل أكثر من سبعة آلاف جندي من الجنوب وتبقى الأسئلة معلقة. القرار 2790 نفسه قرر أن يكون هذا التمديد الأخير، وطلب الاستعداد لمرحلة ما بعد اليونيفيل.

لذلك يجب أن يكون هناك تقييم دولي مستقل وشفاف لأداء اليونيفيل منذ 2006.

ليس بهدف محاكمة جنود حفظ السلام.

بل لمعرفة:

- ما الذي رصدته اليونيفيل فعلياً؟
- ما المواقع التي طلبت دخولها ولم تتمكن من دخولها؟
- كم مرة منعت من الوصول؟
- من منعها؟
- ماذا أبلغت مجلس الأمن؟
- ماذا أبلغت الحكومة اللبنانية؟
- ما الذي كانت تعرفه عن البنية التحتية العسكرية؟
- ما الذي لم تعرفه؟
- لماذا لم تتمكن من اكتشاف الأنفاق قبل الحرب؟
- هل كانت قواعد الاشتباك كافية؟
- وهل كانت المشكلة في القواعد أم في تطبيقها؟
- وما مسؤولية الدولة اللبنانية في تسهيل أو عرقلة الوصول؟

هذه ليست أسئلة عدائية.

إنها أسئلة محاسبة.

لا دليل على «تنسيق»… لكن هناك فشلاً يستحق التحقيق

حتى هذه اللحظة، لا يجوز مهنياً أن نقول إن اليونيفيل كانت تنسق مع حزب الله في بناء الأنفاق أو تخزين السلاح.

لا يوجد في الوثائق التي استندنا إليها ما يثبت ذلك.

لكن عدم وجود دليل على التنسيق لا يعني أن أداء اليونيفيل يجب أن يكون بمنأى عن النقد.

فبين «التنسيق» و«النجاح» مساحة واسعة.

وقد تكون الحقيقة الأكثر إيلاماً أن اليونيفيل لم تكن شريكاً في بناء المنظومة العسكرية، لكنها لم تستطع منع نشوئها ولا كشف حجمها في الوقت المناسب.

وهذا بحد ذاته فشل سياسي وأمني يستحق المساءلة.

الخلاصة: المشكلة لم تكن تحت الأرض فقط… بل فوقها أيضاً

الأنفاق لم تكن وحدها تحت الأرض.

كان هناك أيضاً تراكم طويل من التسويات السياسية، والقيود العملية، والضعف المؤسساتي، والخوف من المواجهة، والتعايش مع الأمر الواقع.

وهكذا نشأت مفارقة لبنانية مؤلمة:

قوة دولية موجودة منذ عقود.

قرار دولي واضح.

جيش لبناني منتشر في الجنوب.

تقارير دورية إلى مجلس الأمن.

ومع ذلك، تمكن تنظيم مسلح من بناء منظومة عسكرية ضخمة تحت الأرض وفي القرى والحقول والمناطق السكنية.

فإذا كانت اليونيفيل لم ترَ كل ذلك، فهذه مشكلة.

وإذا رأته ولم تستطع الوصول إليه، فهذه مشكلة أكبر.

وإذا أبلغت عنه ولم يتحرك أحد، فالمشكلة تصبح دولية.

أما إذا ثبت يوماً وجود تواطؤ متعمد أو تنسيق مع أي جهة مسلحة، فذلك سيكون ملفاً من نوع آخر تماماً ويحتاج إلى أدلة وتحقيق مستقل.

لكن حتى من دون الوصول إلى هذا الاستنتاج الأخير، يبقى السؤال قائماً وبقوة:

كيف يمكن لقوة دولية أن تنسحب من الجنوب بعد عقود من الانتشار، فيما تبقى الدولة اللبنانية مطالبة اليوم بأن تكتشف وتفكك ما عجزت منظومة دولية كاملة عن منعه طوال سنوات؟

هذه ليست معركة ضد اليونيفيل. إنها مطالبة بأن تكون القرارات الدولية أكثر من حبر على ورق. وأن تكون سيادة لبنان أكثر من شعار. وأن يصبح جنوب لبنان، أخيراً، أرضاً للدولة اللبنانية وحدها؛ لا أرضاً للجيش الإسرائيلي، ولا أرضاً لحزب الله، ولا منطقة نفوذ لأي قوة إقليمية أو دولية. فالجنوب لا يحتاج إلى قوة تراقب الحرب فقط.

الجنوب يحتاج إلى دولة تمنع الحرب.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment