عدسة العالم الرمادي

08/30/2026 - 15:14 PM

Your Ad Here

 

 

 

الكاتب: هشام أحمد حيدر حلبي

"إن المشاعرَ تُصنِّف الأشياء الجميلة بلغةٍ مفهومةٍ ومتفقٍ عليها بين البشر؛ فالشعور بالعاطفة، والغيرة، والحزن، والنشوة، والشجن، والغضب، والسعادة، والرفاهية؛ هي أشياء تتغلغل داخلنا بأدق التفاصيل بطريقةٍ تستعصي على الفهم.

​أشياء تمنحنا التميز، وقد تجعلنا نرى الشيء بألوانٍ مختلفة، والشكل بأشكالٍ متعددة. بل إن المبالغة فيها تصنع فنّاً؛ تصنع الشعر وحُسْنَ الكتابة، وتخلق لوحةً زيتيةً عميقة، أو لحناً لا يحتاج إلى كلمات.

​فهناك من لا يبالي، وهناك من يتفاعل.. لكن بين هذا وذاك، لا يُدرك عمقها إلا المميّزون.

​إن هذا التباين في إدراك المشاعر هو ما يجعل الحياة تجربةً فريدةً لكل فرد؛ فالمطر —على سبيل المثال— ليس مجرد قطراتِ ماءٍ تسقط من السماء، بل هو لدى العاشق رسالةُ شوق، ولدى الحزين رثاءٌ خفي، ولدى الفنان لوحةٌ تنبض بالحياة.

​العاطفة ليست مجرد رد فعلٍ نَفْسي، بل هي «العدسة» التي نلوّن بها هذا العالم الرمادي؛ فلولاها لكانت الأشياء مجرد أرقامٍ وأشكالٍ جافةٍ لا روح فيها. ​وحتى تلك المشاعر التي قد نهرب منها أحياناً —كالألم والحزن والشجن— تحمل في طياتها طاقة خَلْقٍ هائلة. ألم تكن أعظم القصائد في التاريخ نتاج انكسار؟ وألم تُعزف أرق الألحان وأعتقها تحت وطأة اللوعة؟

​إن الإبداع الحقيقي لا يولد من الراحة المطلقة، بل يُولد في تلك المساحة الخافقة والفاصلة بين التجربة الشعورية العميقة ومحاولة التعبير عنها بلغة الفن.

​المشاعر هي البصمة الوحيدة التي لا يمكن تزييفها، وهي الرمز الأسمى لتميزنا الإنساني في عالمٍ يزداد جفافاً وآلية."... 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment