بقلم د. محمد نصار
يمتد الصراع المصري الإسرائيلي كظاهرة جيوسياسية معقدة على مدى عقود، تاركًا بصمات عميقة على منطقة الشرق الأوسط بأسرها ، لم يكن هذا الصراع مجرد مواجهات عسكرية، بل تخللته أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، اتسمت بمحاولات مستمرة لتطويق مصر وتقويض دورها الإقليمي. في قلب هذه الديناميكية، برزت القيادة المصرية والجيش المصري كعناصر حاسمة في مواجهة هذه الخطط، مؤثرين بشكل كبير في مسار الصراع وقدرتهم على ردع التهديدات وضرب مخططات الاستهداف.
يمكن تتبع جذور الصراع إلى تأسيس دولة إسرائيل عام 1948 وما تلاه من حروب عربية إسرائيلية ، كانت مصر، كأكبر دولة عربية وأكثرها نفوذًا، في طليعة المواجهة. ، في كل مرحلة من مراحل هذا الصراع، سعى أطراف معينة، سواء كانت إقليمية أو دولية، إلى استغلال التوترات لفرض هيمنتها أو تحقيق مصالحها على حساب استقرار مصر ودورها ، تمثلت إحدى أبرز الاستراتيجيات في محاولة تطويق مصر من خلال خلق تحالفات معادية، أو دعم جماعات متطرفة، أو حتى فرض حصار اقتصادي وثقافي، بهدف عزلها وإضعاف قدرتها على المقاومة.
خلال فترة ما بعد حرب 1967، شهدت مصر تحديات جمة. فقد تركت خسارة سيناء أثرًا نفسيًا وعسكريًا عميقًا، وفتحت الباب أمام استمرار التهديدات الإسرائيلية ، في هذه المرحلة، لعبت القيادة المصرية، بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر ثم الرئيس أنور السادات، دورًا محوريًا في إعادة بناء القوة العسكرية والسياسية. كانت استراتيجية حرب الاستنزاف مثالًا على كيفية استنزاف القدرات العسكرية الإسرائيلية وتقويض معنوياتهم، مما أدى في النهاية إلى تهيئة الظروف لحرب أكتوبر 1973.
حرب أكتوبر 1973 شكلت نقطة تحول فارقة. لم تكن مجرد استعادة للأرض، بل كانت دليلًا على صلابة الجيش المصري وقدرته على تجاوز الهزائم السابقة. أظهرت الحرب تصميم القيادة المصرية على استعادة الكرامة الوطنية والمكانة الإقليمية. بعد الحرب، اتجهت مصر نحو مسار دبلوماسي، أثمر عن اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978. ورغم أن هذه الاتفاقيات مثلت سلامًا منفردًا، إلا أنها استعادت سيناء وجنبت مصر والدول المنطقة صراعات أخرى. ومع ذلك، استمرت محاولات التطويق، ولكن بأشكال مختلفة.
في العقود اللاحقة، وخاصة في أعقاب الربيع العربي، واجهت مصر تحديات جديدة تمثلت في صعود جماعات إرهابية في سيناء، غالبًا ما كانت مدعومة أو مستغلة من قبل جهات إقليمية تسعى إلى زعزعة استقرار مصر. هذه الجماعات شكلت تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، سواء من خلال هجماتها على البنية التحتية أو محاولة بث الفوضى. في هذا السياق، برز دور القيادة المصرية والجيش المصري في التصدي لهذه التهديدات.
كانت القيادة المصرية، تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، حاسمة في اتخاذ قرارات استراتيجية لمواجهة هذه التحديات. تمثلت إحدى أبرز هذه الاستراتيجيات في شن حملات عسكرية وأمنية واسعة النطاق في سيناء، هدفها القضاء على التنظيمات الإرهابية وتجفيف منابع تمويلها ، لم يقتصر الأمر على العمليات العسكرية، بل شملت أيضًا جهودًا لتنمية سيناء اقتصاديًا واجتماعيًا، بهدف استعادة ثقة السكان المحليين وقطع الطريق أمام الجماعات المتطرفة.
أظهر الجيش المصري براعة فائقة في العمليات الميدانية، مستخدمًا أحدث الأسلحة والمعدات، ومدربًا على أعلى مستوى ، لم تكن هذه العمليات مجرد مواجهات تقليدية، بل تطلبت تكتيكات خاصة لمواجهة حرب العصابات والإرهاب. نجح الجيش في تحييد الآلاف من العناصر الإرهابية، وتدمير مخابئهم، ومصادر أسلحتهم ، إن نجاح الجيش المصري في تأمين الحدود، والقضاء على البؤر الإرهابية، هو دليل قاطع على قدرته على ردع أي محاولة للاعتداء على سيادة مصر ووحدة أراضيها.
علاوة على ذلك، لعب الجيش المصري دورًا حيويًا في تأمين المنشآت الحيوية، وحماية خطوط الإمداد، وضمان استقرار الجبهة الداخلية. لقد شكلت قدرة الجيش على الانتشار السريع والفعال، وعلى تنفيذ عمليات دقيقة، رادعًا قويًا لأي جهة قد تفكر في استغلال الأوضاع الداخلية لزعزعة استقرار مصر.
على الصعيد الإقليمي، حرصت القيادة المصرية على بناء تحالفات استراتيجية لتعزيز أمنها القومي. تضمن ذلك تعزيز العلاقات مع الدول العربية الشقيقة، وتطوير الشراكات مع القوى الدولية الفاعلة، وذلك بهدف عزل أعداء مصر، وقطع الطريق أمام أي مخططات لتطويقها. لقد أثبتت الدبلوماسية المصرية مرونة وقوة في حشد الدعم الدولي، وفي فضح الممارسات التي تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة.
كما لعبت الاستراتيجية الدفاعية المصرية دورًا هامًا في ردع أي عدوان محتمل. من خلال تحديث القوات المسلحة، وتطوير القدرات العسكرية، سواء كانت برية أو بحرية أو جوية، ضمنت مصر لنفسها قدرة على الدفاع عن أراضيها ومصالحها. إن الاستثمار في القوة العسكرية لم يكن موجهًا نحو العدوان، بل كان لضمان الردع، ورد أي محاولة للعبث بأمن مصر.
يمثل الصراع المصري الإسرائيلي، وما صاحبته من محاولات لتطويق مصر، درسًا في أهمية القيادة الحكيمة والقوة العسكرية الصلبة. لقد أثبتت القيادة المصرية، عبر مراحل مختلفة من تاريخها الحديث، قدرتها على التكيف مع التحديات، وعلى اتخاذ القرارات الصعبة لضمان أمن البلاد واستقرارها. وبالمثل، أظهر الجيش المصري دومًا كفاءته وولاءه، مستعدًا دائمًا للدفاع عن الوطن وردع أي مخططات استهداف. إن النجاح في مواجهة هذه التحديات لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل كان تأكيدًا على صمود الدولة المصرية وقدرتها على الحفاظ على مكانتها ودورها في المنطقة، بل وتعزيزه.











08/30/2026 - 14:47 PM





Comments