مضيق هرمز "أرضٌ أمريكية".. استعراض دعائي لترامب

08/29/2026 - 16:23 PM

Your Ad Here

 

 

م. ميشال كلاغاصي

في 18 أغسطس/آب 2026، نشر الرئيس الاميركي دونالد ترامب على حسابه في موقع "تروث سوشيال"، خريطة تُظهر مضيق هرمز على أنه "أرضٌ أمريكية جديدة"، وأعلن بأنه ليس في عجلة من أمره لحل الأزمة المتعلقة بإيران، وردّت إيران على الفور، عبر وزير خارجيتها بأن طهران مستعدة لعملية برية أمريكية وتنتظر وصول القوات الأمريكية إلى أراضيها، وأن عواقب أي غزو لأراضيها سيكون "كارثياً بالنسبة إلى واشنطن..

فقد أسفرت الحرب الأمريكية الإيرانية المستمرة منذ ستة أشهر عن تراجع كارثي للنفوذ الأمريكي، ليس في المنطقة فقط بل على مستوى العالم، وبات حلفاء واشنطن الأوروبيين يشعرون بالغضب وسط إدراكهم بأن موسكو وبكين يراقبان عجزهم، والتحدي الصعب الذي أقحم ترامب نفسه فيه وبات مجبراً على إثبات قدراته وتفوقه في المعركة البرية، وبأنها لن تكون مجرد مقامرة عسكرية، في وقتٍ تُجمع فيه وسائل الإعلام الدولية ومراكز الأبحاث على أنها محاولة يائسة لإنقاذ الهيمنة الأمريكية من الإنهيار، رغم تصريحات ترامب المتكررة حول سيطرة الجيش الأمريكي الفعلية على مضيق هرمز بفضل الحصار البحري الذي فرضه على إيران.

لكن رد فعل الإيرانيين كان قاسياً، حيث صرّح وزير الخارجية عباس عراقجي بأن واشنطن تتوسل طهران للعودة إلى المفاوضات وبشروط طهران، مؤكداً أن إيران لا تنوي طلب وقف إطلاق النار، وأن خطة ترامب لتحقيق "نصر عسكري نظيف وسريع" قد فشلت، الأمر الذي دفع ترامب للرد "لا داعي للعجلة"، وبأنه ليس بحاجة إلى التسرع في التفاوض.

لم تكن خريطة ترامب مجرد لفتة دعائية، بل أظهرت للعالم استعداد واشنطن لضم أراضي الاّخرين، والإستيلاء عليها بالقوة، لكن إيران حولت مواقفها الدفاعية إلى مواقف هجومية، وعرضت حكومتها مكافأةً مالية لمن يقبض على جنود أمريكيين على أراضيها، لإخراج خريطة ترامب من إطارها الدعائي، وبأن الحرب ليست مجرد لعبة دبلوماسية، بل أصبحت مسألة وجود وبقاء لكلا الجانبين.

لا يمكن استبعاد قيام القيادة العسكرية الأمريكية إرسال قواتٍ برية إلى الأراضي الإيرانية، وسط إعلان البنتاغون استعداده لعمليات برية، لكن هكذا مهمة لن تكون سهلة على الولايات المتحدة، كما كان الحال في غزو العراق عام 2003، ومع ذلك، لا يمكن لترامب وإدارته تجاهل التحديات، وقد يجد نفسه مضطراً لشن عملية عسكرية برية ضد إيران، وهي التي تعتقد أن الغزو البري سيجر الولايات المتحدة إلى صراع عسكري طويل الأمد وسيستنزفها إلى أقصى الحدود، وسيجبرها على نقل مئات الآلاف من جنودها، وإقحامهم في حصار المدن وفي العمليات العسكرية البرية الأقرب إلى حرب العصابات لمدة لا يمكن توقعها وتحديدها سلفاً.

في الوقت الذي حشدت فيه إيران ما يقارب مليون جندي لصد أي غزوٍ محتمل، وسط استمرار تدفق المتطوعين الإيرانيين بأعداد كبيرة للدفاع عن وطنهم، وتأكيد السفير الإيراني لدى موسكو، كاظم جلالي، أن طهران على أتم الإستعداد لأي عملية برية أمريكية أو إسرائيلية محتملة.

قد لا تحتاج إيران لهزيمة أمريكا في ساحة المعركة، ويكفيها استنزاف أمريكا نفسها بنفسها، ورؤيتها تلهث للحفاظ على جنودها ونقلهم وأسلحتهم عبر المحيطات، وزجهم في حرب المدن والشوارع، وإرهاقهم وإجبارهم على الإنسحاب في نهاية المطاف.

بينما تغرق الولايات المتحدة في "المستنقع الإيراني"، بدأت كوابيسها ومخاوفها تظهر على صفحات وسائل إعلامها، وباتت تعلن خشيتها من تحركٍ صيني لطاما وصفه ترامب والأمريكيون عموماً بـ "الغزو الصيني" لتايوان، بعدما بات الضعف الأمريكي مقروءاً من قبل الصينيين، والروس، والأوروبيين أيضاً الذين تنتابهم مشاعر الغضب نتيجة عدم حصولهم على دعم واشنطن لشن حربٍ مباشرة على روسيا.

إن إشغال واشنطن لنفسها بمساعدة الهمس الإسرائيلي بحربٍ عبثية خاسرة ضد إيران، يجعلها تخشى تحقيق موسكو إنتصارها الحاسم في أوكرانيا بعيداً عن تفاهمات اّلاسكا والوساطة الأمريكية، وكذلك توسيع بكين نطاق نفوذها في الشرق الأقصى وآسيا والمحيط الهادئ، وغيرها حول العالم، حقاً تبدو نتائج الحرب على إيران كارثية للغاية قبل العملية البرية المزعومة، فما بالكم أثنائها وما بعدها.

من الواضح أن هزيمة الولايات المتحدة أمام إيران وهي الدولة الإقليمية، يقرع أجراس الخطر في واشنطن، ويهدد بإنهيار النظام السياسي والإقتصادي العالمي برمته، بما في ذلك التحالفات العسكرية، والإتفاقيات التجارية، ومكانة الولايات المتحدة والدولار كعملة احتياطية عالمية.

إذا كانت مصلحة القوى الكبرى حالياً تكمن في إضعاف الولايات المتحدة وتراجع نفوذها وهيمنتها، لكنها قد لا تكون في انهيارها كدولة عظمى وإمبراطورية كبرى، وسيكون من الصعب التكهن بمواقف الدول والقوى العظمى والكبرى، وانعكاس ذلك على كافة دول العالم، والتغيرات التي ستطرأ على التحالفات والصراعات وعلاقات العداء والمنافسة، وفقدان عديد الدول قدرة السيطرة والحفاظ على حدودها ومصائرها.

كفى العالم شروراً وحروب، بعدما بات الكوكب بأسره يفتقد الأمن والسلام، ولن يجدي نفعاً نقل الحروب العسكرية إلى حروب الحصار الإقتصادي الخانق لحوالي 90 مليون إيراني، ولا بد من البحث الجاد عن السلام المنصف والعادل، وعن مكانٍ اّمن لزراعة الورود عوضاً عن زراعة الألغام وتفجير المزيد من الأزمات والصراعات والحروب.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment